تُعرف منطقة الجزيرة السورية (الحسكة، الرقة، دير الزور) تاريخياً بأنها “سلة سوريا الغذائية” وموطن القمح الأسمر والقطن الأبيض. لكن؛ في السنوات الأخيرة، لم تعد المعركة في حقول الجزيرة تقتصر على مواجهة آفات النبات فحسب، بل أصبحت معركة وجودية ضد الجفاف الحاد، وتغير المناخ، وشح مياه نهر الخابور والمياه الجوفية.
وفي قلب هذه التحديات، تبرز المزارعة السورية في الجزيرة كبطلة حقيقية تقود خطوط الدفاع الأولى لتأمين لقمة العيش، محوّلة الهشاشة البيئية إلى قصة صمود يومية تبني مرونة النظم الغذائية المحلية.
بذور الأجداد في أيدي الحفيدات.. حفظ التنوع الحيوي
حينما يشتد الجفاف، تبحث الأرض عن أصولها، هنا يأتي الدور السحري للمرأة الريفية في الجزيرة، والتي تُعتبر بمثابة “بنك بذور حيوي متنقل”.
تمتلك المزارعات معرفة فطرية موروثة في اختيار وحفظ البذور البلدية الأصيلة (مثل قمح الحوراني والعدس والحمص المحلي)؛ هذه البذور التي تحتفظ بها النساء في مخازن بيوتهن أثبتت قدرة فائقة على الصمود أمام موجات الحر والجفاف مقارنةً بالبذور الهجينة المستوردة، مما يضمن للمجتمع المحلي استمرارية الإنتاج بأقل الموارد المتاحة.
من “الري بالغمر” إلى “الحدائق الذكية”
مع تراجع مستويات المياه، لم تقف نساء الريف مكتوفات الأيدي. برزت المزارعات في إدارتهن للحيازات الزراعية الصغيرة والحدائق المنزلية (المساكب) عبر حلول مبتكرة:
ـ إعادة تدوير المياه: استخدام المياه الرمادية (المنزلية المستعملة) بعد تصفيتها لري الخضروات والورقيات الأساسية.
ـ الإنتاج الذاتي: تحقيق الاكتفاء الذاتي للأسرة من الطماطم، الخيار، والباذنجان؛ ما يخفف الضغط على الأسواق المحلية ويحمي الأمن الغذائي للقرية وقت الأزمات والانقطاعات.
ثورة المونة والتعاونيات.. تعظيم قيمة المحصول
لا تتوقف مهمة مزارعة الجزيرة عند الحصاد؛ بل تبدع في التصنيع الغذائي المحلي لمنع الهدر الزراعي وتحويل الفائض إلى قيمة اقتصادية مستدامة:
ـ صناعة المونة التقليدية: تجفيف الخضار والفواكه، وصناعة الألبان والأجبان من ثروة الماشية (الأغنام والعواس) التي تشتهر بها المنطقة.
ـ التعاونيات النسائية المصغرة: نجحت العديد من النساء في تأسيس وحدات إنتاجية صغيرة (بدعم من منظمات كالفاو ومبادرات تنمية المرأة الريفية. هذه الوحدات تجمع المزارعات لإنتاج سلع زراعية بجودة عالية وتسويقها مباشرة، مما يقطع الطريق على جشع السماسرة والوسطاء).
مصفوفة التغيير.. سردية التحول في ريف الجزيرة
لقد أحدث تمكين المرأة ركيزة فارقة في بنية الزراعة المحلية؛ فبينما كان النمط التقليدي القديم يحصر دور المرأة في العمالة البدنية غير المأجورة ودون توجيه معرفي، باتت المزارعة الممكنة اليوم تقود مشاريعها الخاصة النابعة من حاجة مجتمعها، الأمر الذي رفع كفاءة واستدامة الأرض بنسب ملحوظة.
وعلى صعيد إدارة المياه، تحول المشهد بفضل الوعي من الري بالغمر الجائر المستنزف للمياه الجوفية، إلى تبني تقنيات الري بالتنقيط والحصاد المائي المصغر للحفاظ على المخزون المائي للأجيال القادمة. هذا التحول امتد أيضاً إلى مرحلة ما بعد الحصاد؛ فبدلاً من الاضطرار لبيع المحصول الخام سريعاً بأسعار منخفضة تحت ضغط الحاجة، أصبحت النساء يتقنّ فنون التصنيع الغذائي المنزلي من تجفيف وتخليل وصناعة الأجبان، مما يضمن توافر الغذاء في بيئة الجزيرة طوال فترات السنة وخلال الانقطاعات الحادة.
إن هذا التحول الاقتصادي يمتلك أبعاداً تنموية عميقة؛ فحينما تملك المزارعة دخلها الخاص، تؤكد المؤشرات أن ما يقارب90% من هذه العوائد يُعاد ضخها مباشرة في قنوات أساسية تشمل الصحة، والتعليم، والتغذية النوعية للأطفال؛ ما يعني أن تمكين المرأة هو تمكين وبناء للمجتمع الجزراوي بأسره.
ما الذي تحتاجه سمراوات الجزيرة لمواصلة الصمود؟
رغم الإرادة الصلبة، ما تزال مزارعات الجزيرة السورية يواجهن عقبات تحجم طموحهن:
ـ شح الطاقة والوقود: حاجتهن الماسة لتقنيات بديلة مثل الطاقة الشمسية لتشغيل غطاسات المياه ومعدات التصنيع.
ـ ضعف الوصول للإرشاد الحديث: حاجتهن لتدريبات مكثفة حول تقنيات الزراعة العضوية والمكافحة الحيوية للآفات دون الاعتماد على الأسمدة الكيماوية المكلفة والمضرة بالتربة.
ـ التمويل المرن: غياب القروض الزراعية الميسرة الموجهة للنساء اللواتي لا يملكن صكوك ملكية للأرض لمنحهن كفالة بنكية.
استشراف للمستقبل
إن مرونة النظم الغذائية في سوريا لن تتحقق بشكل كامل إلا إذا جعلنا من المرأة الريفية في الجزيرة شريكاً كاملاً في التخطيط والتمويل، وليس مجرد أيدي عاملة في الحقول.
يتطلب المستقبل القريب توجيه “التمويل الأخضر” والمشاريع التنموية لدعم جمعيات المزارعات في شرق سوريا، وتزويدهن بشبكات تسويق حديثة، لتبقى الجزيرة السورية كما كانت دائماً.. نابضة بالحياة والخضار بفضل سواعد نسائها.