لم يعد رفع القيود الأمريكية المفروضة على سوريا مجرد تطور في ملف العقوبات بل بات يمثل تحولًا أوسع في طبيعة العلاقة بين دمشق وواشنطن، وفي البيئة الدولية المحيطة بالسلطة السورية الجديدة، فبعد سلسلة من الخطوات التي بدأت في عام 2025، اتجهت الولايات المتحدة خلال عام 2026 إلى استكمال إزالة القيود التي حالت دون انفتاح سوريا على الاقتصاد العالمي، وصولًا إلى رفع القيود المتبقية على مبيعات الأسلحة والتمويل العسكري.
وفي 20 آب 2026 قررت واشنطن إعفاء سوريا من آخر عقوبتين كانتا لا تزالان مفروضتين بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب لعام 1991، كانتا تتمثلان في الحظر على مبيعات الأسلحة، والحظر على التمويل العسكري الأجنبي، وقد نُشر القرار في السجل الفيدرالي في أيلول الجاري، ويشمل الإعفاء مبيعات المواد والخدمات الدفاعية، وخدمات التصميم والإنشاء ذات الصلة، وتراخيص تصدير المواد المدرجة على قائمة المعدات العسكرية الأمريكية، فضلًا عن التمويل العسكري الأجنبي.
من منظورٍ اقتصادي ودبلوماسي، يمكن فهم هذه الخطوات باعتبارها محاولة لإعادة دمج سوريا في النظامين الاقتصادي والمالي الدوليين، وتهيئة الظروف أمام الاستثمار وإعادة الإعمار. لكن؛ رفع القيود العسكرية لا يُعدُّ مجرد إجراء تقني، فالانتقال من السماح بتدفق الاستثمارات والسلع والتكنولوجيا إلى السماح بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري يمثل خطوةً مختلفة في طبيعتها وتأثيراتها، فالسلاح ليس سلعة اقتصادية عادية والقدرة على الحصول على المعدات والتقنيات والخدمات الدفاعية ترفع من قدرة الدولة على فرض قراراتها الأمنية والعسكرية، وتعيد تشكيل ميزان القوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع وبين المركز والأطراف وبين السلطة والفاعلين المحليين. ولهذا؛ فإن رفع الحظر العسكري ينبغي ألا ينظر له كمكافأةٍ سياسية للسلطة الجديدة في دمشق، ولا باعتباره ضمانة تلقائية لقيام دولة مستقرة وموحدة، فالقضية الأساسية ليست فقط هل أصبحت سوريا مؤهلة للحصول على السلاح؟ وإنما أيضًا أي دولة ستستخدم هذا السلاح؟ ولأي غرض؟ وتحت أي رقابة؟ وبأي ضمانات قانونية وسياسية؟
وهنا تبرز خطورة تداعيات هذا التخفيف في القيود إذا لم يترافق مع بناء مؤسسات وطنية جامعة، حيث قد يؤدي ذلك لزيادة قدرة السلطة في دمشق على استخدام أدوات القوة قبل أن تستكمل بناء التوافق السياسي والاجتماعي الذي يمنح هذه القوة شرعية وطنية.
إن الخطر ليس في السلاح وحده بل في غياب الضمانات، فرفع القيود العسكرية سيؤدي حتمًا إلى استخدام السلاح في الداخل أو إلى عودة أنماط الصراع السابقة، فمثل هذا الاستنتاج لا تدعمه مجرد خطوة قانونية أمريكية. لكن؛ القرار يفتح مجالًا جديدًا أمام السلطة السورية، ويزيد من أهمية السؤال المتعلق بالضمانات الداخلية التي ينبغي أن ترافق عملية بناء المؤسسة العسكرية والأمنية.
من هنا فإن التحدي أمام سوريا لا يتمثل في امتلاك جيش قوي فحسب، وإنما في بناء مؤسسة عسكرية وطنية لا تنظر إلى شعوب المجتمع بوصفها خصومًا محتملين ولا تتحول إلى أداةٍ لحماية مركز سياسي واحد بل تكون مؤسسة للدولة بكل شعوبها. وهذه نقطة جوهرية لأن تجربة سوريا خلال العقود الماضية أظهرت أن احتكار الدولة للقوة لا يكفي وحده لبناء دولة وطنية. فحين تضعف الثقة بين السلطة والشعوب المجتمعية يصبح امتلاك الدولة للسلاح مصدرًا للردع من جهة ومصدرًا للقلق من جهة أخرى.
الولايات المتحدة ذاتها حاولت التلاقي مع هذه الفكرة، حيث ربطت واشنطن قراراتها المتعلقة بسوريا فكرة تخفيف العقوبات بمفهوم الدولة المستقرة والموحدة والقادرة على العيش بسلام مع نفسها وجيرانها، إذ نصَّ الأمر التنفيذي الصادر في حزيران 2025 على أن الهدف الأمريكي هو دعم سوريا مستقرة وموحدة وتعيش بسلام مع نفسها ومع جيرانها؛ الأمر الذي يطرح سؤالًا مهمًا على السلطة في دمشق؛ إذا كان المجتمع الدولي يفتح الأبواب أمام سوريا، فهل تستطيع السلطة أن تجعل من الانفتاح الدولي مدخلًا لإعادة بناء سوريا، لا مجرد فرصة لتعزيز أدوات السلطة؟
الإجابة لا تتعلق بالتصريحات السياسية وحدها وإنما بطبيعة السياسات التي ستتبناها الحكومة تجاه مختلف الشعوب السورية، فالاندماج الوطني الحقيقي لا يتحقق من خلال مطالبة الشعوب المختلفة بالانضواء تحت مركز سياسي واحد فقط وإنما من خلال بناء مؤسسات يشعر فيها الجميع بأن الدولة دولتهم، وأن القانون يحميهم بالتساوي، وأن المشاركة السياسية ليست امتيازًا تمنحه السلطة، وإنما حقًا أصيلًا للمواطنين.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسات واضحة في أربعة اتجاهات مترابطة: أولها، توسيع المشاركة السياسية بحيث لا تتحول عملية إعادة بناء سوريا إلى إعادة إنتاج مركزية سياسية مغلقة. وثانيها، بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية تقوم على معايير مهنية وقانونية واضحة، وتخضع للرقابة والمساءلة، وتضم أبناء مختلف المناطق والشعوب وفق قواعد مؤسسية لا على أساس الولاء السياسي أو الاجتماعي. وثالثها، ضمان المساواة القانونية والمدنية، بحيث لا تكون حماية الحقوق مرتبطة بقوة جماعة معينة أو قربها من مركز السلطة. ورابعها، إدارة التنوع السوري باعتباره جزءًا من الدولة وليس تهديدًا لها، فسوريا التي خرجت من سنواتٍ طويلة من الحرب والصراع لا تحتاج إلى محو الاختلافات الموجودة داخل مجتمعها، بقدر حاجتها إلى تحويل هذه الاختلافات إلى إطار سياسي سلمي يسمح بالتعايش والمشاركة.
بعبارةٍ أخرى، لا ينبغي أن يتحول الانفتاح الدولي إلى شيك على بياض، فالمسألة الأساسية ليست في مبدأ رفع العقوبات أو فتح المجال أمام إعادة إعمار سوريا، ولا في حق الدولة السورية في امتلاك مؤسسات دفاعية قادرة على حماية حدودها وسيادتها. بل تكمن المشكلة في احتمال الفصل بين تقوية الدولة وتقوية السلطة، فالاثنان ليسا شيئًا واحدًا.
تقوية الدولة تعني تقوية المؤسسات والقانون والاقتصاد والخدمات والجيش الوطني والقضاء والإدارة العامة، أما تقوية السلطة دون تقوية مؤسسات الدولة فقد تعني، في ظروفٍ انتقالية هشة، زيادة قدرة المركز السياسي على فرض إرادته من دون أن تكون المؤسسات التي تراقبه قد اكتملت بعد، وهنا تحديدًا ينبغي التعامل بحذر مع رفع حظر الأسلحة. وبالتالي، لا ينبغي لدمشق أن تتعامل مع رفع القيود باعتباره نهاية لمرحلة المساءلة، بل باعتباره بداية لمرحلة جديدة من المسؤولية.