هناك أيام لا تأتيك فيها المصائب فرادى، بل يبدو أنها تنشئ مجموعة عائلية سرية، تتفق فيما بينها على الساعة والتوقيت، ثم تهجم عليك دفعة واحدة. وكان ذلك اليوم واحدا منها.
كنت أجلس وحدي، أقلب هاتفي أكثر مما أقلب أفكاري، وأحسب ما تبقى في جيبي بحسابات رجل كان يعرف الأرقام جيدا، ثم اكتشف أن أصعب معادلة اقتصادية في الدنيا هي أن تكون أبا، وبناتك يحتجن إليك، وجيبك لا يتفق مع قلبك. رن الهاتف. ابنتي.
وحين يكون الرجل أبا لبنات، فإن اسم ابنته على شاشة الهاتف لا يكون مجرد اسم. يكون بابا يفتح في القلب قبل أن تفتح المكالمة.
أجبتها بصوت حاولت أن أجعله طبيعيا:
ـ هلا بابا.
جاءني صوتها محملا بذلك الدلال الذي تعرف البنات كيف يضعنه في كلمة (بابا) حين تكون خلفها حاجة.
قالت:
ـ بابا، تعرف أن عندي دراسة عليا، وحان موعد دفع الرسوم.
سكت قليلا. لم أسألها: كم؟ كنت أعرف أن السؤال لن يغير شيئا، وأن الأب حين يسمع كلمة “دراسة” من ابنته يشعر أن كل ما في جيبه صار ملكا لها، حتى لو لم يكن في جيبه شيء. قلت لها:
ـ حاضر بابا… لا تشيلين هم.
قالت بفرح:
ـ الله يخليك لنا.
وأغلقت.
بقيت أحدق في الهاتف. (حاضر)
ما أسهل هذه الكلمة حين يقولها الأب، وما أثقلها حين يبقى وحده بعدها. قلت في نفسي: لعل الله يفتح بابا. لعل عملا يأتي. لعل مبلغا يصل. لعل الأيام تخجل قليلا من رجل لم يعد يطلب منها شيئا لنفسه، وكل ما يريده أن يبقى كبيرا في عيون بناته. وضعت الهاتف جانبا، ولم تمر إلا دقائق حتى رن مرة أخرى. ابنتي الثانية. نظرت إلى اسمها طويلا. قلت في سري:
ـ يا رب… اجعلها مشتاقة لي فقط.
أجبت:
ـ هلا بابا.
قالت، بعد مقدمة قصيرة لم تنجح في خداعي:
ـ بابا، عندي مشروع التخرج، وأحتاج مصاريف حتى أكمله.
أغمضت عيني. قلت لنفسي:
ـ معقولة؟
الأولى دراسة عليا، والثانية مشروع تخرج، وفي اليوم نفسه؟ هل بين البنات جهاز إنذار لا يعرف عنه الآباء شيئا؟ هل اتصلت الأولى بأختها وقالت لها:
(بابا اليوم قال حاضر… الحقي قبل لا يغير رأيه)
ابتسمت رغم كل شيء.
ثم سألتها:
ـ كم تحتاجين؟
قالت المبلغ.
وهنا ماتت الابتسامة الصغيرة التي كانت تحاول النجاة على وجهي. بحثت عن كلمة (حاضر) التي قلتها لأختها قبل دقائق، فلم أجدها. كأنني أنفقتها هي الأخرى.
قلت بصوت منخفض:
ـ سامحيني بابا… هذه المرة ما أقدر.
ساد الصمت. ذلك الصمت الذي يعرفه الآباء جيدا.
الصمت الذي لا تعاتبك فيه ابنتك، لكنه يوجعك أكثر من العتاب.
قالت:
ـ عادي بابا… لا تشيل هم.
وأغلقت. لكنني حملت الهم كله. بقيت ممسكا بالهاتف، وأسأل نفسي سؤالا سخيفا كي أهرب من سؤال أشد قسوة:
ـ لماذا اتصلتا في اليوم نفسه؟ هل هي غيرة بنات؟
هل قالت الثانية في سرها:
(إذا أختي طلبت، فأنا أيضا من حقي أن أطلب؟)
ثم ضحكت وحدي. ضحكة قصيرة، يتيمة، تشبه رجلا يحاول أن يسخر من عجزه قبل أن يبكي عليه.
يا بناتي…
لو كنتن تعرفن قلب أبيكن، لعرفتن أنه لا يفرق بين رسوم دراسة عليا ومشروع تخرج، ولا بين الأولى والثانية، ولا بين طلب كبير وطلب صغير. الأب لا يقسم قلبه بين بناته بالتساوي. هو يعطي كل واحدة قلبا كاملا.
لكن المشكلة أن الجيب، بعكس القلب، لا يجيد هذه المعجزة. في تلك الليلة، ظللت أفكر بابنتي التي قلت لها (حاضر)، وأنا لا أعرف من أين سآتي بالحاضر، وبابنتي التي قلت لها (لا أقدر)، وأنا أعرف أن هذه الجملة ستبقى في صدري أطول مما ستبقى في ذاكرتها.
ربما تنام هي وتنسى. أما الأب فلا ينسى المرة التي طلبت منه ابنته شيئا ولم يستطع. تظل تلك اللحظة عالقة فيه كدين لا يظهر في دفاتر البنوك.
دين اسمه: (كان يجب أن أستطيع)
رفعت الهاتف أكثر من مرة. فكرت أن أتصل بالثانية وأقول لها:
(بابا، دبرتها). لكنني لم أكن قد دبرت شيئا. وفكرت أن أتصل بالأولى وأقول لها:
ـ انتظري قليلا. لكنني كنت قد قلت لها (حاضر)، وكبرياء الأب أحيانا لا يسمح له أن يسترد وعدا أعطاه لابنته. وضعت الهاتف على صدري، ونظرت إلى السقف. ثم قلت بصوت مسموع، كأنني أخاطبهما وهما بعيدتان:
يا بناتي، ليست المشكلة أنكما طلبتما مني في يوم واحد…المشكلة أنني كنت أتمنى لو طلبتما الدنيا كلها في يوم واحد، فأقول لكما، كما كنت أفعل دائما:
حاضر. ابتسمت من جديد وقلت: ومع ذلك، عندي سؤال واحد فقط…
من منكما أخبرت الأخرى أن تتصل بي اليوم؟ فإن كانت غيرة بنات، فسأغفر لكما.
أما إن كان اتفاقا مسبقا…فسأطلب منكما، في المرة القادمة، أن تقسطن الطلبات على الشهر. فأبو البنات قلبه مفتوح أربعاً وعشرين ساعة…أما حسابه البنكي، ففي هذه الأيام، يبدو أنه أخذ إجازة طويلة.
ضحكت. ثم سكت. وحين انتهت الضحكة، بقي شيء صغير يلمع في عيني. مسحته بسرعة، كأن إحدى بناتي قد تراني. فأبو البنات يستطيع أن يقول لابنته: (لا أملك).
لكنه يصعب عليه كثيرا أن يدعها ترى كم كلفته هذه الجملة من وجع.