بناءً على التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، يمكن القول إن مبادرة السلام التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان ليست حدثً منعزلاً، بل هي مرآة تعكس تحولات كبرى وتُعيد تشكيل الدور الكردي إقليميًا، فيما يلي نرى إن الحل ذلك بناء على آخر المعطيات:
من “الربيع الكردي” إلى “الديمقراطية المحلية”.. تحولٌ استراتيجي
مبادرة القائد عبد الله أوجلان تستند إلى فكرة تجاوز فكرة “الدولة القومية” (التي فشلت حسب رؤيته) نحو “الديمقراطية المحلية” والاندماج داخل الدولة التركية، هو لا يطرح حلاً منفصلاً، بل يرى أن الدولة القومية بنمطها التقليدي لم تعد صالحة في الشرق الأوسط.
هذا التحول مدعوم عمليًا بإعلان حزب العمال الكردستاني إنهاء الكفاح المسلح وإحراق أسلحته رمزياً لاحقًا في باشور كردستان. وتوجت هذه الخطوات بإقرار البرلمان التركي في 10 آب 2026 قانونًا إطاريًا يمنح عفوًا مشروطًا لآلاف المقاتلين، بموافقة برلمانية واسعة (468 صوتًا)، مما يشكل خطوةً تشريعيةً غير مسبوقة.
الموقف الكردي الإقليمي: خريطة معقدة ومتباينة
المشهد الكردي الإقليمي اليوم ليس موحدًا، بل يخضع لمعادلاتٍ محلية وإقليمية مختلفة:
الكرد في (إقليم كردستان) العراق: يتمتعون بحكمٍ ذاتي مستقر نسبيًا، لكنهم في قلب العاصفة الجيوسياسية، واشنطن وإسرائيل حاولتا مؤخرًا “جذبهم” للانخراط في مواجهة مع إيران. الرد الكردي كان حاسمًا:
قيادة الإقليم أعلنت صراحةً إنها “ليست جزءًا من أي حملة لتوسيع الحرب”، وإنها ستبقى “عامل استقرار”، هذا الحياد ليس ترفًا، بل استراتيجية بقاء لحماية مكاسبهم من أي رد انتقامي إيراني.
الكُرد في “روج آفا” سوريا :
وضعهم الأكثر تعقيدًا. بعد سنوات من التمتع بنوع من الإدارة الذاتية والمحلية، وبناء المؤسسات والدفاع عن المنطقة ومقاومة داعش، أبلغتهم الولايات المتحدة الأمريكية أن شراكتهم في التصدي ومقاومة الإرهاب شارفت على النهاية، وتوجهها لدعم دمشق، وتوجهت قسد للتفاوض مع دمشق في 2026، وحدث تطور كبير:
الاتفاق مع دمشق لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري ووزارة الدفاع، وعودة مؤسسات الدولة للمناطق الكردية، مقابل خطوات رمزية من دمشق مثل الاعتراف بالحقوق الثقافية وإعادة الجنسية لبعض الكرد، وإن لم ترتقِ لمطالب الكرد الكبرى.
الكرد في إيران: هم “الورقة” الأكثر خطورة في هذه اللحظة. مع تزايد الضغوط على إيران، برزت مجموعات كردية إيرانية تحاول توحيد صفوفها، وسط مؤشرات على دعمٍ “إقليمي”. لكن؛ هناك قلقًا من أن يكونوا مجرد أداة تُحرق في المواجهة، خاصةً مع عدم وضوح الرؤية الأمريكية. والقائد عبد الله أوجلان نفسه حذر من الانجرار إلى هذه المواجهة.
الكرد في باكور كردستان تركيا: مبادرة القائد عبد الله أوجلان هي محور حياتهم السياسية. حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي لعب دور الوسيط، لكن القيادات الكردية لا تزال تطالب بتحسين ظروف القائد أوجلان وتمكينه من لعب دور مباشر، معتبرةً أن القانون الحالي “لم يُلبِ كل المطالب”.
تأثير المبادرة على مستقبل المنطقة
ـ قراءة في الديناميكيات…؟
. مبادرة القائد عبد الله أوجلان ليست حلاً للقضية الكردية داخل تركيا فقط، بل لها ارتدادات إقليمية:
“النموذج الكردي ـ التركي” كحلٍّ إقليمي:
نجاح المسار التركي قد يخلق “نموذجًا” يحتذى لإنهاء الصراعات الكردية في سوريا والعراق، عبر مقاربة تقوم على الاندماج الديمقراطي والتنمية بدلًا من الصراع المسلح، هذا ما يلمسه محللون يرون إن البيئة الإقليمية أصبحت “أكثر ملاءمة” لمثل هذه التسويات.
تثبيت محور إقليمي جديد:
تركيا تسعى عبر هذه المبادرة إلى “تثبيت استباقي” لمنع أي انفجار كردي في ظل الفوضى الإقليمية. بالتوازي، هناك تقارب غير مسبوق بين الكرد والشيعة في العراق، ليس بدافع أيديولوجي، بل خوفًا مشتركًا من التهميش المستقبلي في ظل تقلبات المزاج الأمريكي.
المخاطر والتحديات:
يبقى السؤال الأهم: هل المبادرة كافية لبناء سلام دائم…؟ المراقبون يشيرون إلى أن القضية الكردية في جوهرها هي قضية اعتراف وهوية وسياسة، وليست مجرد ملف أمني. لذا، أي عملية سلام لا تقترن بإصلاحات سياسية وقانونية حقيقية وتنفيذ مطالب ثقافية وسياسية ستبقى هشة.
ليس آخراً أقول: بين الحذر والفرصة التاريخية
مبادرة القائد عبد الله أوجلان “السلام والمجتمع الديمقراطي”؛ تمثل لحظةً مفصلية، وهي تعبير عن استراتيجية كردية جديدة تدرك أن السياق الإقليمي تغير جذريًا، وإن الوصول إلى الأهداف عبر السلاح أصبح مستحيلاً ومكلفًا.
الكرد اليوم ليسوا كتلة واحدة، بل يتفاوضون على مستقبلهم ضمن معادلات إقليمية معقدة، بين حياد حذر في العراق ودمج صعب في سوريا واختبار خطير في إيران.
إن نجاح هذه المبادرة سيحدد بشكلٍ كبيرٍ شكل الشرق الأوسط الجديد، إذا استمرت في مسارها، فقد تفتح “فصلًا ديمقراطيًا” جديدًا للقضية الكردية، وإذا تعثرت، فقد نعود إلى دوامة العنف، لكن هذه المرة في خريطةٍ إقليمية جديدة.