روناهي/ قامشلو ـ في السابع والعشرين من أيلول من كل عام، تستعيد مناطق روج آفا وعموم الجزيرة ذكرى رحيل القيادي “رستم جودي”، الذي استشهد عام 2011 إثر قصف جوي طال مواقع في منطقة خاكورك بإقليم كردستان، حيث بقي اسمه بعد مرور أعوام على استشهاده، حاضراً في الذاكرة الشعبية، ليس فقط من خلال المراسم التي تقام سنوياً لاستذكاره، وإنما أيضاً عبر المزار الذي يحمل اسمه في قرية بركفري بريف الدرباسية، والذي أصبح مكاناً لاستذكار شهداء آخرين وموعداً تلتقي فيه عائلات الشهداء والأهالي.
ينحدر الشهيد “رستم جودي”، المعروف أيضاً باسم “رستم يوسف عثمان”، من قرية خربة الدبس التابعة لمنطقة الجزيرة، حيث التحق بالحركة الكردية في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وواصل على مدى سنوات طويلة نشاطه السياسي والتنظيمي، متنقلاً بين ساحات مختلفة، ومؤدياً أدواراً تنظيمية وسياسية ضمن الحركة الكردية. وخلال مسيرته، ارتبط اسمه بالعمل التنظيمي بين أبناء المنطقة، ولا سيما في روج آفا، حيث وصف بأنه كان من الشخصيات التي امتلكت حضوراً تنظيمياً وفكرياً، وشارك في إدارة عدد من الملفات المرتبطة بالحركة الكردية.
ولم يكن الشهيد “رستم جودي” حاضراً في المجال العسكري والتنظيمي فقط، بل ترك أثراً في الحياة الاجتماعية والسياسية في المناطق التي عمل فيها، ولا سيما سري كانيه ومناطق الجزيرة.
حضور في الحركة الكردية
وتدرج “رستم جودي” في مواقع تنظيمية مختلفة، حيث كان عضواً في هيئات قيادية ضمن منظومة المجتمع الكردستاني، وعضواً في اللجنة المركزية والمجلس العسكري لحزب العمال الكردستاني، كما ارتبط اسمه بالعمل التنظيمي والسياسي في روج آفا، حيث كان معروفاً لدى قطاعات واسعة من أبناء المنطقة.
وتبرز في سيرته، تجربة طويلة امتدت لعقود، جعلت منه شخصية معروفة لدى الأوساط السياسية والتنظيمية الكردية، ولا سيما في الجزيرة وسري كانيه.
الاستشهاد في خاكورك
وفي عام 2011، انتهت مسيرة الشهيد “رستم جودي” إثر قصف جوي طال مواقع في منطقة خنيرة ـ خاكورك بإقليم كردستان، حيث استشهد في السابع والعشرين من أيلول 2011 إلى جانب عدد من مقاتلي قوات الدفاع الشعبي.
وقد شكّل خبر استشهاده حدثاً لافتاً في مناطق الجزيرة، حيث نُظمت مراسم تشييع واستذكار شارك فيها الآلاف من أبناء المنطقة، وقد تحرك موكب تشييع جثمانه من ديرك مروراً بعدد من مدن وبلدات الجزيرة، قبل أن يصل إلى سري كانيه، وسط مشاركة شعبية واسعة.
ولم يقتصر حضور التشييع على مكان واحد، إذ شهدت مدن وبلدات عدة مراسم لاستقبال الجثمان وتوديعه، في مشهد عكس حجم الحضور الذي كان يحظى به جودي بين أبناء المنطقة.
مزار يحمل اسمه
وبعد استشهاده، أُطلق اسم “رستم جودي” على مزار للشهداء في قرية بركفري بريف الدرباسية، ومع مرور السنوات، تحول المزار إلى مكان لاستذكار الشهيد رستم جودي، وكذلك لدفن واستذكار عدد من الشهداء الذين استشهدوا في مراحل مختلفة.
وفي السنوات الأخيرة، أقيمت في المزار مراسم سنوية لإحياء ذكرى استشهاده، شاركت فيها عائلته وممثلون عن المؤسسات المدنية والمجالس والحركات الشبابية والنسائية ومجالس عوائل الشهداء، إلى جانب أهالي المنطقة.
وفي عام 2026، ووري عدد من الشهداء الثرى في المزار ذاته، بينهم مقاتلون استشهدوا في مناطق مختلفة، ما جعل المكان يحمل دلالة إضافية لدى الأهالي بوصفه واحداً من مواقع استذكار الشهداء في المنطقة.
الاسم الذي تحول إلى رمز
ولم يبق اسم رستم جودي مرتبطاً بمزار يحمل اسمه فحسب، بل أطلق اسمه أيضاً على مؤسسات ومشاريع إعلامية وثقافية، ومن أبرزها إذاعة جودي التي بدأت بثها في روج آفا، وحملت اسمه تخليداً لذكراه.
وهكذا أصبح اسم “رستم جودي” مرتبطاً أيضاً بالإعلام الحرّ، وبمساحة جديدة من العمل الذي وجد فيه كثير من الشباب وسيلة للتعبير عن المجتمع والثقافة والهوية.
ذكرى لا تغيب
وفي كل ذكرى سنوية لاستشهاده، يعود اسم الشهيد “رستم جودي” إلى الواجهة من خلال مراسم تقام في مزار الدرباسية، حيث تستذكر عائلته وأبناء المنطقة مسيرته، وتلقى الكلمات التي تتناول حياته ودوره وما تركه من أثر.
إرث في ذاكرة المنطقة
وبعد خمسة عشر عاماً على استشهاده، لم يعد استذكار “رستم جودي” مرتبطاً بيوم محدد في التقويم فقط، بل بات جزءاً من الذاكرة التي تحتفظ بها عائلات وأبناء المنطقة عن مرحلة طويلة من تاريخ الحركة الكردية والصراع الذي شهدته المنطقة.
فبين قريته الأولى، والمدن التي عمل فيها، وسري كانيه التي احتضنت جانباً من مسيرته، ومزار بركفري الذي يحمل اسمه، بقيت آثار سيرته موزعة في أماكن مختلفة.
وتحضر ذكراه اليوم من خلال المراسم السنوية، ومن خلال الاسم الذي تحمله مؤسسات ومواقع تخليداً له، لتبقى سيرته جزءاً من ذاكرة جيل عاش مراحل متعاقبة من الصراع والتحولات السياسية والاجتماعية في كردستان. وفي ذكرى استشهاده، يستعيد الأهالي سيرته ومسيرته، فيما يبقى المزار الذي يحمل اسمه شاهداً على مرحلة من تاريخ المنطقة، وعلى ذاكرة لا تزال الأجيال تتناقل تفاصيلها عاماً بعد آخر.