شن الجيش الإيراني هجمات بطائراتٍ مسيّرة على مقرات الأحزاب الكردية في إقليم كردستان، وقد اكتسبت سلسلة هذه الهجمات طابعاً مستمراً خاصةً مع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية التي بدأت في 28 شباط من العام الجاري، وأشارت المعلومات الواردة من الميدان إلى أن الهجوم الأخير كان بـ ثلاث طائرات مسيّرة استهدفت منزلين لعائلات بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران (HDK-I) في قرية ديليزيان التابعة لقضاء سوران في هوليرـ حيث لم توجد خسائر بشرية، وكانت هناك أضرار مادية.
هذه ليست حادثة منفردة، فمنذ 28 شباط من العام الجاري، تم إطلاق أكثر من 1000 صاروخ وطائرة مسيّرة على المنطقة. استشهد 32 شخصاً وجُرح 156 شخصاً، وتعرض مخيم جيجنيكان التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران وحده لـ 129 هجوماً. كما جرى تنفيذ مئات الهجمات على باشور كردستان؟
الحرب غير المتماثلة: نتاج 20 عاماً من التحضير
أدركت إيران في سنوات الحظر أنها لن تستطيع منافسة الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب تقليدية. تآكلت قواتها الجوية، ولذلك بنى الحرس الثوري عقيدة مختلفة: عدم خوض حرب مباشرة مع أمريكا وإسرائيل، بل اللجوء إلى تكتيك الحرب غير المباشرة.
لهذه العقيدة أربعة ركائز: صواريخ باليستية مداها 2000 كم، طائرات مسيّرة من طراز شاهد رخيصة الثمن وتُستخدم بشكل سرب، شبكة وكلاء تمتد من لبنان إلى اليمن – محور المقاومة – وشبكة استخبارات يديرها فيلق القدس.
الفراغ الذي نشأ مع احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003، تحول مع التدخّل في سوريا عام 2011 إلى ممر طهران – بغداد – دمشق – بيروت، واستعدت إيران لسنوات عبر هذا الخط للهيمنة الإقليمية. هجمات اليوم ليست رد فعل دفاعي لهذا التحضير، بل استمرار له.
لماذا باشور كردستان تحديداً؟
هناك خمسة أسباب ملموسة لضرب باشور كردستان؛ يبلغ طول الحدود الإيرانية – العراقية 1600 كم، 600 كم منها ملاصقة للمنطقة الكردية، وهي منطقة جبلية وغير خاضعة للرقابة. تخشى إيران من استخدام المعارضة في روجهلات لهذا الخط، فقصفها لمهاباد في الداخل يثير أزمة دولية، أما قصفها للمخيمات الكردية في الأراضي العراقية فيتم تجاوزه بمجرد مذكرة احتجاج.
الانقسام السياسي
تتحرك هولير (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والسليمانية (الاتحاد الوطني الكردستاني) بشكلٍ منفصل، وبغداد ضعيفة. تلعب إيران على توازناتهما بضرب أحدهما واستدعاء الآخر إلى طهران. لقاء محسن رضائي مع بافل طالباني في 16 أيلول مثال على ذلك.
رسالة بلا مخاطر لأمريكا
توجد قواعد أمريكية في هولير، إذا قصفت إيران القاعدة مباشرة ستتوسع الحرب، لكنها بقصفها المخيم الكردي توجه رسالةً: “أستطيع أن أقصف حتى تحت مظلتك”. ويتم استخدام الكرد “كمغلفٍ” لهذه الرسالة.
الغطاء القانوني
اتفاقية أمن الحدود الموقّعة مع العراق في 19 آذار 2023 تمنح إيران ذريعة: “بغداد لم تنزع سلاح الجماعات، وأنا أمارس حق الدفاع المشروع”، ويتم تغليف كل هجوم بعبارة “مكافحة الإرهاب”.
خنق المعارضة المنظمة في الخارج
هذه النقطة أهم من النقاط السابقة وهي السبب الحقيقي للهجوم.
لماذا لا توجد معارضة ديمقراطية في إيران ولماذا يُستهدَف الكرد؟
سُحقت المعارضة الاجتماعية مراراً تحت إرهاب الدولة في ظل نظام القمع الشديد المستمر منذ 47 عاماً في إيران. من عام 1979 إلى 2025، كسرت الإعدامات والاغتيالات ومجازر السجون والتعذيب الممنهج ظهر المعارضة وساهمت في إبقاء شعلة انتفاضة “المرأة.. الحياة.. الحرية” متقدة بالرغم من استمرار سياسات القمع تلك.
اليوم، لا توجد في إيران معارضة قوية وموحدة يمكنها دفع النظام مباشرةً نحو التحول الديمقراطي والسياسة الديمقراطية. والمعارضة المتمركزة حول الفرس مجزأة: لا توجد وحدة بين الجماعات المعارضة الكردية والبلوشية والأذرية والفارسية. لا يوجد برنامج مشترك، وقواها المنظمة على الأرض ضعيفة.
سحق الحركات الطبقية
يتم تفريق إضرابات العمال وحركات المعلمين واحتجاجات المتقاعدين في كل مرة باعتقالاتٍ قاسيةٍ. النقابات تحت سيطرة النظام الإيراني.
حركات النساء والطلاب تأتي على شكل موجات. لكن؛ يسعى النظام الإيراني إلى قمعها بشتى الوسائل. وانتفاضة “المرأة.. الحياة.. الحرية” التي اندلعت إثر استشهاد الشابة جينا أميني في أيلول 2022 هي أكبر مثال على ذلك. تنزل بالملايين إلى الشوارع لكن النظام الإيراني يرتكب مجازر عبر أجهزته الأمنية. في هذه الصورة، المعارضة الوحيدة الأكثر تنظيماً واستمرارية ولها قاعدة جغرافية في إيران هي الكرد.
صمد كرد روجهلات كردستان لـ 47 عاماً بأحزابهم وبيشمركتهم وتنظيماتهم النسائية وشبكاتهم في الشتات ولجانهم المحلية. هياكل مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران، والكومله، و PJAK ليست مجرد قوة مسلحة، بل هي أيضاً شبكة مدرسة ولغة وذاكرة وعائلة منظمة. ولهذا فهي أخطر معارضة بالنسبة لطهران. ولهذا ليس مصادفة استهداف إيران لمخيمات العائلات في باشور كردستان. الهدف ليس عسكرياً فحسب، بل سياسي:
إنها لا تقصف القاعدة العسكرية، بل منزل العائلة؛ لأن هدفها ليس استهداف البيشمركة، بل تفكيك مجال إعادة إنتاج المعارضة المنظمة – العائلة والمخيم والحياة اليومية – وخلق الخوف وردع الانضمام وإجبارهم على الهجرة. والهدف هو الإبادة والتفكيك والاستنزاف.
شبكة الوكلاء لم تنهار بل ضعفت وتغيرت جبهتها
هنا يجب الانتباه لنقطة. شبكة وكلاء إيران لم تنهار، لقد ضعفت بشكلٍ جدي من الناحية اللوجستية والإمداد والعسكرية لكنها لم تختف تماماً. على العكس، تواصل استخدامها كأداة لتعميق الأزمة عبر تغيير مركز ثقلها. شبكات وكلاء إيران تعمق الأزمة والفوضى في المنطقة وتقوي يدها على طاولة الحرب غير المتماثلة.
سيطر الحوثيون في اليمن، عبر هجماتهم في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، على ممر يمر عبره 12% من التجارة العالمية. إيران تعوض قوتها البرية التي خسرتها في لبنان عبر احتجاز التجارة البحرية في اليمن. في العراق، تقاوم القوى الوكيلة التابعة لإيران (كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق) تسليم أسلحتها للدولة وما زالت تحتفظ بقدرتها على ضرب القواعد الأمريكية ومخيمات كرد روجهلات في باشور كردستان.
هذه الصورة تبين أن إيران لم تتخلَ عن نشر الحرب غير المتماثلة عبر القوى الوكيلة وتعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية. على العكس تماماً، تريد تعميق الأزمة والفوضى في المنطقة لتقوية يدها على الطاولة. تقول عبر الحوثيين بضربها للتجارة العالمية “إذا لم تتفقوا معي ستستمر الأزمة”، وتقول بقصفها باشور كردستان “لا تستخدموا الورقة الكردية، العراق من مسؤوليتي”.
الخلاصة: ليست استعراضاً للقوة، بل “بروفا” لتفكيك المعارضة المنظمة وارتهان الطاولة.
استعدت إيران لـ 20 عاماً للهيمنة الإقليمية لكنها اليوم تعيش أضعف فترة لجبهتها الداخلية. ضعفت شبكات وكلائها، وانهار اقتصادها، وتآكلت شرعيتها الاجتماعية. في هذه الظروف، فإن الهجوم على باشور كردستان هو خطوة ثلاثية:
على الصعيد الداخلي: تفكيك المعارضة الكردية التي هي أكثر المعارضات تنظيماً. عبر ضرب العائلة، فنشر الخوف يفيد بأن “إذا بقيت منظماً سأصل إلى عائلتك وأقصفها”.
على الصعيد الخارجي: إبقاء الأزمة عميقة في المنطقة والقول لأمريكا وإسرائيل “لا يمكنكم إقصائي من الطاولة، أنا من يدير الأزمة”.
على الصعيد الإقليمي: إبقاء بغداد وهولير في حالة انعدام أمن دائم، وتعطيل سياسة العراق وإفشال التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني لإقليم كردستان.
كل طائرة مسيّرة تخلق غضباً جديداً في روجهلات وانعدام ثقة جديد في باشور كردستان. لكن؛ حساب طهران ليس طويل الأمد، بل حساب إنقاذ اليوم: الجلوس بشكلٍ أقوى على الطاولة بورقة الفوضى التي بيدها، قبل أن تتفكك المعارضة الكردية المنظمة وقبل أن تنتهي شبكة الوكلاء تماماً.