لم تعد الحرب في عالم اليوم تُخاض بالسلاح وحده، فالكلمة يمكن أن تكون أشد فتكاً من السلاح، والصورة يمكن أن تكون رصاصة، والفيديو القصير قد يفعل أحياناً ما لا تفعله مجموعة مسلحة كاملة، وفي المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، وتخرج من سنوات طويلة من الحرب والعنف والانقسام، تصبح مسؤولية الإعلام أكثر حساسية من أي وقت مضى، فالمجتمع الذي ما زالت جراحه مفتوحة لا يحتاج إلى من يحول آلام الناس كمادة للتحريض والانتقام والثأر.
في سوريا اليوم، تقف البلاد أمام استحقاق تاريخي يتمثل في بناء دولة جديدة، فإن استمرار خطاب الكراهية والتحريض عبر المنصات الرقمية يمثل خطراً حقيقياً على السلم الأهلي، خصوصاً عندما يتجاوز الأمر النقد السياسي أو التعبير عن الرأي إلى الدعوة الصريحة للقتل والانتقام واستهداف جماعات على أساس قومي أو ديني أو مناطقي أو عشائري. وهنا ينبغي أن نتساءل هل يجوز أن يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة للتحريض على الدم، بينما تقف الدولة مكتوفة الأيدي؟
حرية التعبيرليست رخصة للقتل
من الضروري التفريق بين حرية التعبير، وهي حق أساسي، وبين التحريض على العنف والجريمة، من حق أي مواطن أن ينتقد الحكومة، وأن يعارض سياسة أو قراراً، وأن يعبر عن غضبه، وأن يطالب بحقوقه، وأن يدافع عن موقف سياسي أو قومي أو اجتماعي. لكن؛ لا يمكن أن تكون حرية التعبير غطاءً للدعوة إلى قتل إنسان لأنه ينتمي إلى قومية معينة، أو إلى الانتقام من عائلة أو عشيرة بسبب فعل فرد، أو إلى استهداف شعب من الشعوب المجتمعية؛ بسبب جريمة ارتكبها أحد أفراده.
هنا تنتهي حرية التعبير ويبدأ التحريض، وهنا يصبح تدخل الدولة ضرورة لحماية المجتمع، فإذا قال شخص: “أنا أعارض هذه السياسة”، فهذا رأي، وإن قال: “يجب محاسبة المسؤولين”، فهذا مطلب سياسي مشروع، أما عندما يتحول الخطاب إلى دعوة للقتل أو الانتقام أو الثأر، أو إلى تحريض جماعة ضد جماعة أخرى، فإن المسألة لم تعد مجرد رأي، وإنما أصبحت تهديداً مباشراً للأمن المجتمعي.
الأفلام التي تصنع الكراهية
وخطر ما يمكن تسميته بالأفلام أو المواد الإعلامية التحريضية لا يكمن فقط في محتواها المباشر، وإنما في قدرتها على إعادة تشكيل وعي المتلقي، فالمقطع الذي يعرض مشهداً دموياً مصحوباً بلغة الثأر، والفيلم الذي يقدم جماعة بشرية كاملة باعتبارها عدواً، والخطاب الذي يصور الانتقام باعتباره بطولة، لا يقدم معلومة فحسب؛ بل يصنع موقفاً نفسياً، ومع تكرار مشاهدة هكذا مواد، يبدأ الإنسان في فقدان حساسية التعامل مع العنف، ويصبح القتل “رداً”، والثأر “حقاً”، والانتقام “كرامة”، والآخر “عدواً”، وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها مجتمع خرج لتوه من حرب طويلة؛ لأن الحرب الأهلية لا تبدأ بالضرورة عندما تخرج البنادق إلى الشوارع، أحياناً تبدأ عندما تصبح الكراهية مقبولة في العقول.
منطق الدولة في مواجهة منطق الثأر
ومن أخطر الظواهر التي يمكن أن تنتشر في سوريا اليوم؛ محاولة إعادة الاعتبار إلى منطق الثأر بديلاً عن القانون، فعندما يُقتل إنسان، فإن الدولة هي التي يجب أن تحقق، والقضاء هو الذي يجب أن يحكم، والقانون هو الذي يجب أن يعاقب، أما أن يقوم أفراد أو جماعات بالبحث عن “المسؤول” من دون الرجوع للدولة وأجهزتها الأمنية، ثم ينفذون العقوبة بأنفسهم بعيداً عن أجهزة الدولة القضائية، فهذه ليست عدالة، بل هي بداية انهيار الدولة.
ولهذا؛ فإن كل خطاب يدعو إلى الأخذ بالثأر خارج إطار القانون يجب أن يُنظر إليه باعتباره تهديداً للسلم الأهلي، فالثأر لا يتوقف عند الجاني فحسب، بل يبحث عن قريب الجاني، عشيرته، أبناء منطقته، وصولاً الى أبناء قوميته أو طائفته، وهكذا تتحول الجريمة الفردية إلى صراع جماعي. وهنا تحديداً تبدأ الكارثة.
قضية استهداف “سيبان حزني” مثال صارخ
وتكشف حادثة استدراج واختطاف ومن ثم استشهاد المقاتل في لواء الحسكة التابع لوزارة الدفاع السورية، “سيبان حزني”، خطورة الانتقال من الجريمة إلى منطق الانتقام، فقتل إنسان بهذه الطريقة جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة، ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة، لكن الجريمة لا تصبح أقل بشاعة إذا ارتكبها شخص بدافع الثأر، ولا يصبح الثأر قانوناً لمجرد أن القاتل يدعي أنه يرد على جريمة سابقة، فإذا أردنا بناء سوريا جديدة، علينا أن نضع حداً فاصلاً بين العدالة والثأر، العدالة تقول: “تحقق، أدلة، محاكمة، حكم”، أما الثأر فيقول: “غضب، اتهام، انتقام”، فالأول يبني الدولة، والثاني يهدمها.
الإعلام الذي يصب الزيت على النار
والمشكلة لا تكمن فقط في الشخص الذي يرتكب الجريمة، وإنما أيضاً في الشخص الذي يحاول تحويلها إلى بطولة إعلامية، فهناك فرق بين توثيق الجريمة وإدانتها، وبين تقديمها بطريقة تجعل القتل يبدو فعلاً مشروعاً أو بطولياً، هناك فرق بين الحديث عن الضحية والمطالبة بحقوقها، وبين استخدام دمها لتحريض آلاف الأشخاص ضد جماعة كاملة، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلاميين وصناع المحتوى.
فالإعلام الحقيقي يطفئ الحريق، لا يسكب عليه الوقود، والصحفي المسؤول يشرح للناس ماذا حدث، لا يخبرهم بمن يجب أن ينتقموا منه، الإعلامي الذي يحترم مهنته يبحث عن الحقيقة، لا عن المشاهدات، أما تحويل الدم إلى محتوى، والغضب إلى مشاهدات، والكراهية إلى مصدر دخل أو نفوذ سياسي، فهو سقوط أخلاقي قبل أن يكون خطأً مهنياً.
الفلتان الرقمي خطر حقيقي
لقد تغيرت طبيعة الإعلام، فلم تعد هناك حاجة إلى صحيفة أو محطة تلفزيونية أو مؤسسة إعلامية كبيرة حتى يصل خطاب التحريض إلى مئات الآلاف، هاتف محمول واحد يكفي، وشخص واحد لديه حساب على إحدى المنصات يمكنه خلال ساعات أن يصل إلى جمهور أكبر من جمهور صحيفة كاملة، وهذا التطور يحمل جوانب إيجابية هائلة، لكنه يحمل أيضاً مخاطر غير مسبوقة.
فالفيديو المفبرك يمكن أن ينتشر خلال دقائق، والشائعة يمكن أن تصبح “حقيقة” في وعي الناس بسبب كثرة تداولها، والخطاب التحريضي يمكن أن يصل إلى جمهور واسع دون أي تدقيق أو مسؤولية. ولهذا؛ فإن ترك الفضاء الرقمي بلا قواعد قانونية واضحة في مجتمع يعيش مرحلة انتقالية قد تكون له نتائج خطيرة.
الدولة مطالبة بحماية المجتمع
وهنا تظهر مسؤولية الحكومة السورية الانتقالية، فالدولة ليست مجرد مؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية، بل الجهة التي تحمي المجتمع من الفوضى، فمثلما عليها حماية المواطنين من الاعتداء بالسلاح، عليها حماية السلم الأهلي من التحريض المنظم على العنف. لكن؛ هذه المسؤولية يجب أن تمارس ضمن القانون، لا عبر إجراءات تعسفية، المطلوب قانون واضح يحدد ما هو خطاب الكراهية، وما هو التحريض على العنف، وما هي الدعوة إلى الانتقام والثأر، وما هي العقوبات المترتبة على ذلك، ويجب أن يكون القانون عاماً على الجميع، لا يستهدف جماعة دون أخرى، فلا يجوز أن يكون هناك قانون يعاقب التحريض عندما يصدر عن طرف، ويتسامح معه عندما يصدر عن طرف آخر.
أسماء معروفة… وجرأة سببها غياب المحاسبة
والمشكلة الأكثر إثارة للقلق، هي أن بعض الذين يمارسون التحريض لا يفعلون ذلك سراً، إنهم يظهرون بأسمائهم الشخصية، ويكررون خطابهم علناً، ويعرفهم الناس، وتنتشر موادهم على نطاق واسع، ومع ذلك يستمرون في التحريض دون أن يشعروا بأن هناك قانوناً يمكن أن يحاسبهم كونهم مقربين من دوائر السلطة وبالتالي يتمتعون بالحماية، وهنا يصبح الصمت الرسمي مشكلة بحد ذاته؛ لأن غياب المحاسبة يفتح الطريق أمام المزيد من التحريض وخطاب الكراهية والعنف، فحين يرى المحرض أن ما يقوله لا يؤدي إلى أي مساءلة أو محاسبة، يتمادى، ثم يأتي آخر ويكرر الخطاب نفسه، ثم يصبح الخطاب مقبولاً في بعض الأوساط، ثم يتحول إلى سلوك، وهنا نكون قد انتقلنا من مرحلة الكلام إلى مرحلة الخطر الحقيقي.
لا بد من قانون للإعلام الرقمي
وتحتاج سوريا إلى إطار قانوني حديث للإعلام الرقمي، يوازن بين أمرين أساسيين: حماية حرية التعبير، وحماية المجتمع من التحريض على العنف والكراهية، وهذا التوازن ليس مستحيلاً، يمكن للقانون أن يحمي حق المعارضة والنقد والصحافة الحرة، وفي الوقت نفسه يجرّم الدعوة المباشرة إلى القتل، والتحريض على استهداف جماعة بشرية، والتحريض على الثأر، ونشر المواد التي تهدف إلى إشعال العنف بين الشعوب، لكن القانون يجب أن يكون دقيقاً، فليس كل خطاب قاسٍ خطاب كراهية، وليس كل انتقاد للدولة تحريضاً، وليس كل موقف سياسي متطرف جريمة، المعيار يجب أن يكون واضحاً: هل يدعو الخطاب إلى العنف؟ هل يحرض على استهداف أشخاص أو جماعات؟ هل يحرض على جريمة محددة؟ هل يسعى إلى إشعال نزاع أهلي؟ عندها فقط يمكن أن تتدخل الدولة على أساس قانوني واضح.
العقوبة الرادعة ليست انتقاماً
وحين نطالب بعقوبات رادعة، فإننا لا ندعو إلى الانتقام من المحرضين، بل نطالب بتطبيق القانون عليهم، وهنا يكمن الفرق، العقوبة القضائية ليست ثأراً، السجن بحكم قضائي ليس انتقاماً، الغرامة وفق القانون ليست كراهية، والمساءلة القانونية لا تعني إسكات المجتمع، بل على العكس، إن وجود قانون عادل وواضح يجعل الناس أكثر أماناً في التعبير عن آرائهم؛ لأن الجميع يعرف الحدود التي لا يجوز تجاوزها.
وينبغي للدولة أن تضع قواعدها، ويقع على شركات ومنصات التواصل الافتراضي مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه المجتمعات التي تعمل فيها، فالمحتوى الذي يدعو إلى القتل لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي يعامل بها المحتوى الثقافي أو السياسي، وهناك فرق بين شخص يعبر عن رأي سياسي، وشخص يحدد جماعة ويصفها بأنها عدو ويدعو إلى قتل أفرادها. لذلك؛ تحتاج سوريا في المرحلة المقبلة إلى حوار جدي حول علاقة الحكومة بالمنصات الرقمية، وآليات الإبلاغ، وحفظ الأدلة الرقمية، والتعامل مع التحريض، وضمان عدم استخدام قوانين مكافحة خطاب الكراهية لإسكات المعارضة السياسية أو الصحافة المستقلة.
المسؤولية تقع على عاتق المجتمع أيضاً
ومع ذلك، فإن تحميل الدولة وحدها المسؤولية سيكون خطأ، المجتمع نفسه مسؤول، الأحزاب السياسية، العشائر، العلماء ورجال الدين، الكتاب والصحفيون، المثقفين، الشباب الذين يملكون آلاف المتابعين، جميعهم مسؤولون، كل إنسان يضغط على زر “نشر” مسؤول عن الكلمة التي يضعها أمام الآخرين، لقد أصبحنا في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يكتب جملة في ثوانٍ، لكنها قد تحتاج سنوات لإزالة آثارها، ولهذا يجب أن نتعلم جميعاً أن الكلمة مسؤولية.
ومن أكثر الأخطاء خطورة أن يتم استخدام صور الضحايا “شهداء وقتلى” ودمائهم من أجل تعبئة الناس، الضحية تحتاج إلى العدالة، لا إلى أن تتحول إلى أداة سياسية، ومن يحب الضحية حقاً؛ يجب أن يعمل على كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، لا على خلق عشرات الضحايا الجدد. إن أفضل تكريم للضحية هو ألا يموت بعده آخرون بسبب موته، وأفضل انتقام له هو العدالة. وأفضل وفاء لذكراه هو منع تكرار الجريمة.
الحرب الأهلية لا رابح فيها
وينبغي أن تكون هذه الحقيقة حاضرة في ذهن كل سوري، “الحرب الأهلية لا رابح فيها”، قد يعتقد طرف في البداية أنه قادر على الانتصار، وقد يظن آخر أن امتلاكه السلاح يمنحه القوة، لكن الحرب الأهلية تأكل الجميع، تبدأ بجريمة، فخطاب، ثم مظاهرة، فاشتباك، وصولاً إلى الانتقام، والانتقام المضاد، وبعدها يصبح من الصعب معرفة أين بدأت الحكاية؛ لأن كل طرف سيحمل قائمة طويلة من الضحايا والجرائم، وعندها يصبح الماضي وقوداً للمستقبل، وهذا هو السيناريو الذي يجب على السوريين جميعاً رفضه.
المطلوب إعلام يبني المجتمع
فسوريا بحاجة إلى إعلام قوي، حر، مهني وشجاع، لا إلى إعلام يحول المواطنين إلى جماعات متقاتلة، تحتاج إلى صحافة تحقق وتسأل وتكشف الفساد والانتهاكات، تحتاج إلى إعلام يعطي صوتاً للضحايا، تحتاج إلى منصات تفتح الحوار بين السوريين، تحتاج إلى إعلام يشرح الاختلافات بدلاً من تضخيمها، تحتاج إلى صحفيين يملكون الشجاعة لقول الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة، وفي المقابل، لا تحتاج إلى من يصنع محتوى يقوم على الكراهية والإهانة والتحريض والثأر.
وختاماً، نستطيع القول: إن سوريا التي تحاول اليوم الخروج من عنق الزجاجة عبر سنوات الحرب المدمرة، لا تستطيع أن تبني مستقبلها بعقلية الحرب نفسها، إذ لا يمكن أن نبني دولة القانون بمنطق الثأر، ولا المواطنة بخطاب الكراهية، ولا حماية وحدة البلاد بتحريض السوريين ضد بعضهم. إن مسؤولية المرحلة الانتقالية تتطلب من الجميع أقصى درجات ضبط النفس والحكمة، والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق الدولة التي ينبغي أن تثبت أن زمن الفوضى قد انتهى، وأن زمن القانون قد بدأ. وهذا يعني أن يكون هناك قانون واضح للإعلام الرقمي، وقواعد دقيقة لمكافحة التحريض على العنف والكراهية، وقضاء قادر على المحاسبة وتطبيق القانون باستقلالية، ومؤسسات تراقب دون أن تتحول إلى أدوات لقمع الرأي، وفي الوقت نفسه، على المجتمع أن يرفض تحويل الدم إلى محتوى، والضحية إلى شعار للثأر، والاختلاف السياسي إلى كراهية قومية أو طائفية.