قامشلو/ آرين زاغروس ـ 78 حقلاً نفطياً، وإنتاج محلي يُقدّر بنحو 112 ألف برميل يومياً، مقابل حاجة تفوق الإنتاج بنحو 200 ألف برميل يومياً، فيما تتجه الحكومة السورية الانتقالية، وفق إعلان وزير الطاقة في الحكومة الانتقالية “محمد البشير”، إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2028.
الأرقام التي عرضها الوزير أمام مجلس الشعب في 20 أيلول الجاري تكشف أن امتلاك سوريا عشرات الحقول النفطية لا يعني قدرتها على تلبية احتياجات السوق، فالإنتاج الحالي لا يغطي الاستهلاك، والفجوة تُسد بالاستيراد، في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً لشراء النفط الخام والمشتقات النفطية. لكن؛ حجم الاعتماد على الخارج يفتح سؤالاً آخر، خصوصاً عند مقارنته بتصريحات سابقة للوزير نفسه.
من استيراد الخام إلى استيراد المشتقات
في آب 2025، قال البشير إن سوريا تستورد النفط الخام فقط، وإنها توقفت عن استيراد البنزين، فيما تقتصر واردات الديزل على كمياتٍ قليلة جداً، موضحاً في ذلك الوقت إن مصفاتي حمص وبانياس تكفيان لتغطية الاستهلاك المحلي. وبعد أكثر من عام، عرض الوزير أمام مجلس الشعب واقعاً مختلفاً، وقال إن سوريا تستورد حالياً ما يعادل نحو 150 ألف برميل يومياً من المشتقات النفطية، بالتوازي مع وجود فجوة في إمدادات النفط تبلغ نحو 200 ألف برميل يومياً. وبذلك لا يتعلق الاختلاف بحجم الواردات فحسب، وإنما بطبيعتها أيضاً، فبينما كان الحديث سابقاً عن استيراد الخام مع كميات محدودة من المازوت، أصبحت المشتقات المستوردة جزءاً أساسياً من المعادلة التي عرضتها الوزارة أمام البرلمان.
ولا توضح التصريحات المنشورة ما إذا كان هذا التحول ناتجاً عن تغير فعلي في سياسة التوريد، أم عن اختلاف الفترة الزمنية وطريقة احتساب احتياجات السوق.
78 حقلاً لا تعني 78 حقلاً منتجاً
وجود 78 حقلاً نفطياً لا يعني أن جميعها تعمل بالطاقة نفسها أو أنها منتجة فعلياً. فقد أوضح البشير أن الوزارة أغلقت عدداً من الآبار مؤقتاً لإعادة تأهيلها وتشغيلها، كما تحدث عن حفر آبار جديدة ورفع الإنتاج تدريجياً.
وهنا تكمن إحدى حلقات تفسير الفجوة بين حجم الموارد والإنتاج الفعلي، فالقدرة النفطية لا تقاس بعدد الحقول فقط، بل بقدرة الآبار على الإنتاج، وحالة المنشآت وخطوط النقل، وتوافر الاستثمارات وعمليات الصيانة، إضافةً إلى القدرة على تكرير الخام وتحويله إلى مشتقاتٍ يحتاجها السوق.
وتظهر مشكلة التكرير بوضوح في أرقام البشير؛ إذ تبلغ القدرة التكريرية المحلية نحو 150 ألف برميل يومياً، بينما تستورد البلاد كمية مماثلة من المشتقات النفطية، وفق ما نقله عن جلسة مجلس الشعب. كما تخضع مصفاة بانياس لأعمال صيانة بهدف رفع طاقتها إلى نحو 130 ألف برميل يومياً، في حين يستمر تشغيل مصفاة حمص رغم وضعها الفني.
الفجوة تتسع مع ارتفاع الطلب
لا يرتبط نقص الإنتاج فقط بكمية النفط المستخرجة، فقد قال البشير إن عدد السيارات في سوريا ارتفع من نحو 2.5 مليون إلى 3.6 ملايين سيارة، الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على الوقود. وتحتاج السوق، وفق الأرقام التي قدمها أمام مجلس الشعب، إلى نحو 12 مليون لتر من المازوت وثمانية ملايين لتر من البنزين يومياً، إضافةً إلى متوسط استهلاك يبلغ 8500 طن من الفيول لمحطات التوليد والصناعة و1300 طن من الغاز المنزلي. كما ارتفعت احتياجات الوزارة بعد دخول مناطق جديدة ضمن نطاق تزويدها، بحسب البشير، وهو ما يفسر جزءاً من ارتفاع الطلب مقارنةً بتقديرات سابقة. وفي شباط الماضي، كانت تقديرات وزارة الطاقة لحاجة البلاد النفطية أقل بكثير، إذ تحدثت الوزارة عن حاجة تبلغ نحو 150 ألف برميل يومياً، بينما تشير الأرقام التي قدمتها في أيلول إلى فجوة وحدها تبلغ 200 ألف برميل يومياً بين الإنتاج والحاجة.
هذا الاختلاف لا يكفي وحده لإثبات وجود خطأ في الأرقام، لأن نطاق التزويد والاستهلاك قد يكون تغير خلال الفترة نفسها، لكنه يجعل توضيح طريقة احتساب الاحتياجات أمراً أساسياً لفهم حجم المشكلة.
831 مليون دولار لتأمين الطاقة
تكشف كلفة الاستيراد جانباً آخر من الأزمة، فالحكومة تحتاج، وفق البشير، إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً لشراء النفط الخام والمشتقات النفطية، فيما تدفع نحو 140 مليون دولار شهرياً لاستيراد 6.3 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً من أذربيجان ومن سفينة موجودة في ميناء العقبة الأردني. ويرى الوزير أن تأمين القطع الأجنبي يمثل أحد أبرز التحديات أمام الوزارة، مشيراً كذلك إلى تأثير العقوبات وتأخر تأمين العملات الأجنبية في وصول الشحنات المستوردة. وتأتي هذه الأرقام في وقت رفعت فيه الحكومة أسعار المشتقات النفطية، وربطت وزارة الطاقة القرار بارتفاع تكاليف الاستيراد وتوقف مصفاة بانياس مؤقتاً للصيانة.
أسئلة تتطلب توضيحاً
في مواجهة هذه الفجوة، تطرح وزارة الطاقة خطةً لزيادة الإنتاج النفطي من خلال إعادة تأهيل الآبار، وحفر آبار جديدة، واستقطاب استثمارات أجنبية، والتعاقد مع دول منتجة لتأمين الاحتياجات خلال الفترة الانتقالية.
ويقول البشير إن الهدف هو الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من النفط عام 2028، لكن الوزارة أشارت في الوقت نفسه إلى أن رفع الإنتاج إلى مستويات مرضية قد يحتاج إلى سنوات، مع استمرار العمل على تطوير المصافي والبنية التحتية.
وبين 78 حقلاً و112 ألف برميل إنتاجاً يومياً، مقابل فجوة تبلغ 200 ألف برميل واستيراد مشتقات بنحو 150 ألف برميل يومياً، تبدو المشكلة السورية أبعد من مجرد امتلاك احتياطي نفطي.
فالسؤال الذي تطرحه الأرقام ليس فقط: كم حقلاً تملك سوريا؟ بل: كم منها ينتج فعلياً؟ وكم يمكن رفع إنتاجه؟ وما الذي تستطيع المصافي المحلية تكريره؟ وكم تحتاج البلاد لاستيراده إلى حين استعادة قدرتها الإنتاجية؟
أما التصريحات المتباينة بشأن الاستيراد، من القول في 2025 إن سوريا تستورد الخام فقط وتتوقف عن استيراد البنزين، إلى الإعلان في 2026 عن استيراد كميات كبيرة من المشتقات، فتحتاج إلى تفسير زمني ورقمي واضح من وزارة الطاقة، حتى يمكن التمييز بين تغير واقع السوق وتغير طريقة عرض الأرقام.