في شهر أيار توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين. كان هناك سجادة حمراء في المطار، ومراسم عسكرية في ميدان تيانانمن، وعبارات متبادلة من المديح في مأدبة الدولة. ووقّع الزعيمان اتفاق بوسان وابتسما أمام الكاميرات.
وفي 24 أيلول 2026 جاء الرئيس الصيني شي جين بينغ هذه المرة إلى واشنطن، وأُقيمت مراسم رسمية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، تضمنت إطلاق 21 طلقةً مدفعية وعزف الفرقة العسكرية وعشاء رسمي.
غير إن هذه المراسم الفخمة كانت مجرد واجهة، فخلف الكواليس كانت الصورة مختلفة: فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية تجاوزت 100% على المنتجات الصينية. وردت الصين بالمثل بفرض رسوم على فول الصويا الأمريكي وقطع غيار الطائرات، وفي أيار قال الطرفان: “لنتوقف عن زيادة الرسوم ولنتفاوض 90 يوماً”، وهذا ما سُمّي بالهدنة الاقتصادية، وفي أيلول انتهت تلك الأيام التسعين، وتم تمديدها الآن حتى 10 كانون الثاني2027.
أي أن المراسم موجودة والمصافحة موجودة، لكن الحرب التجارية لم تنتهِ، والوعود المتبادلة بقيت معلّقة في الهواء. تقول واشنطن إن بكين لم تفِ بوعدها ببيع المعادن النادرة بانتظام. وتقول بكين إن واشنطن لم تفِ بوعدها بتخفيف القيود التكنولوجية. فما هي حرب التجارة الحقيقية التي لم تُظهرها الكاميرات؟ ما هي الرقاقة؟ ولماذا تعتمد التكنولوجيا العالمية عليها ويتصارع الجميع عليها؟
الرقاقة (Chip) عبارة عن مربع أسود صغير أصغر من الظفر. تراه داخل الهاتف عند فتحه. وهي في الحقيقة عقل إلكتروني. بداخلها مليارات من المفاتيح الكهربائية الصغيرة، عندما يمر التيار تُفتح وتُغلق، وهذا الفتح والإغلاق هو ما يعني إجراء الحسابات.
مثال: عندما تلتقط صورة بالهاتف فلا تخرج ضبابية ويكون الوجه واضحاً، فالرقاقة هي من يفعل ذلك، ونظام منع الانزلاق عند الضغط على الفرامل في السيارة، تديره الرقاقة أيضاً. وما علاقتها بالذكاء الاصطناعي؟ عندما تسأل ChatGPT سؤالاً، تُجرى في الخلفية مليارات العمليات في الثانية. الرقاقة العادية لا تتحمل ذلك فتسخن وتتوقف، لذلك نحتاج إلى رقائق خاصة أقوى بكثير، ولا تصنع تلك الرقائق في العالم سوى شركتين: التصميم تقوم به شركة نفيديا (Nvidia) الأمريكية، والإنتاج تقوم به شركة TSMC التايوانية (Taiwan Semiconductor Manufacturing Company – الشركة التايوانية لصناعة أشباه الموصلات).
وماذا تفعل TSMC؟ إنها لا تبيع هواتفها الخاصة، بل تعمل كالمطبعة. تأتي شركة آبل (صانعة الآيفون) وتقول: “لقد صممت عقلاً قوياً بهذا الشكل”، فتأخذ TSMC ذلك التصميم وتحوله من رمل السيليكون الخاص إلى عقل حقيقي، وتكلفة إنشاء مصنع واحد 20 مليار دولار، وأهم آلة في ذلك المصنع لا تنتجها سوى شركة ASML الهولندية (Advanced Semiconductor Materials Lithography – شركة المواد المتقدمة للطباعة الليثوغرافية لأشباه الموصلات). والليثوغرافيا تعني رسم النقوش على الرقاقة بالليزر، بدقة تصل إلى واحد من ألف من سُمك شعرة الإنسان.
ولماذا لا تستطيع الصين الإنتاج؟ لأن الولايات المتحدة منعت ASML من بيع تلك الآلة إلى الصين، أما أكبر شركة رقائق صينية وهي SMIC (Semiconductor Manufacturing International Corporation – أكبر منتج للرقائق في الصين) فلا تستطيع الإنتاج إلا بتكنولوجيا متخلفة بجيلين أو ثلاثة. أي أن الصين لا تستطيع صنع أذكى العقول، وأحد أسباب رغبتها في تايوان هو الاستيلاء على تلك المصانع الجاهزة والمهندسين.
ما هي عناصر الأتربة النادرة؟
رغم اسمها “نادرة” إلا أنها موجودة في القشرة الأرضية، لكن استخراجها وتكريرها صعب، وهي 17 عنصراً بأسماء مثل النيوديميوم والديسبروسيوم. ما استخداماتها؟ المغناطيس في محرك السيارة الكهربائية، وتوربينات الرياح، ورادار مقاتلة F-35 الأمريكية، وأنظمة توجيه الصواريخ، كلها تُصنع بهذه العناصر، وبدونها لا توجد أسلحة حديثة ولا سيارات كهربائية.
تستخرج الصين أكثر من 60% من هذا المعدن في العالم، وتكرّر وتصفّي 90% منه. أي أنه إذا كانت أمريكا متفوقة في الرقائق وتقول “إن لم أعطِك فلن تستطيع الصنع”، فإن الصين تقول أيضاً “إن لم أعطك فلن تستطيع صنع الطائرات”. أحدهما يمسك بالعقل والآخر يمسك بالقلب.
الهدنة التجارية وطائرات بوينغ الـ200
في عام 2025 فرضت البلدان رسوماً مرتفعةً على بعضهما لدرجة إن التجارة توقفت تقريباً. تخيّل: لعبة بسعر 100 دولار تصبح 200 دولار مع الرسوم، فلا يشتريها أحد.
وفي أيار قالا: “لن نفرض رسوماً جديدة حتى لا يتضرر مزارعونا”، وكان على الصين أن تستمر في شراء فول الصويا من المزارع الأمريكي. كما قدمت الصين خطاب نوايا لشراء 200 طائرة ركاب من طراز بوينغ 737 ماكس من شركة بوينغ الأمريكية. انتبه: هذا ليس طلباً مؤكداً، بل يعني “نفكر في الشراء”، مثل من يقول إنه سيشتري بيتاً دون أن يدفع عربوناً.
والآن تم تمديد الهدنة حتى العاشر من كانون الثاني. أي أن الحرب الاقتصادية لم تنتهِ، بل تم تمديد مدة الهدنة.
ملف تايوان: القنبلة الحقيقية على الطاولة
تايوان جزيرة صغيرة جنوب شرق الصين، عدد سكانها 23 مليون نسمة، تقول الصين “إنها أرضنا وتوجد فيها إدارة انفصالية”، وتقول تايوان “نحن نُدار بشكل منفصل”، وتقول الولايات المتحدة رسمياً بمبدأ “صين واحدة”، لكنها بموجب قانون العلاقات مع تايوان الصادر عام 1979 تقول “سأبيع السلاح لتايوان لتستطيع الدفاع عن نفسها”.
وترفض بكين بيع واشنطن السلاح لتايوان وتعتبره تهديداً للسيادة الصينية، وقد وافقت واشنطن في ديسمبر الماضي على حزمة أسلحة بقيمة 11 مليار دولار لبيعها لتايوان، وردت بكين باعتبار ذلك “تدخّلاً في شؤوننا الداخلية”.
وماذا حدث عام 1982؟ اتفق الرئيس الأمريكي ريغان مع الصين آنذاك. قالت أمريكا “سأخفّض مبيعات السلاح تدريجياً”، وقالت الصين “سأحل قضية تايوان سلمياً”، واليوم تقول الصين “أنت لم تخفّض بل زدت”، وتقول أمريكا “أنت لا تتصرف سلمياً وتجري مناورات حول الجزيرة”.
ولماذا تايوان مهمةً إلى هذا الحد؟
تتجلى أهمية تايوان في ثلاثة أسباب:
عسكرياً: الجزيرة في وسط السلسلة التي تمنع البحرية الصينية من التوسع في المحيط الهادئ، وإذا سقطت ستخرج البحرية الصينية إلى المحيط بسهولة.
اقتصادياً: نصف بضائع العالم تمر عبر مضيق تايوان، وإذا أُغلق ستفرغ رفوف المتاجر.
تكنولوجياً: تُصنع هناك أذكى الرقائق في العالم.
وباختصار تاريخها: استولت اليابان على الجزيرة عام 1895، وأعادتها إلى الصين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وفي 1949 انتصر الشيوعيون في الصين، فهرب الزعيم الخاسر شيانغ كاي شيك مع مليوني جندي ومدني إلى الجزيرة، ومنذ ذلك الحين تُدار بشكلٍ منفصل، وفي 1971 منحت الأمم المتحدة مقعد الصين لبكين، وبقيت تايوان خارجها.
هل هذه حرب سيبرانية؟
نعم، هذه هي الحرب من النوع الجديد. في الماضي كانت الحروب تُخاض من أجل آبار النفط وتُرسل الدبابات، أما اليوم فتُخاض من أجل مصانع الرقائق وتُرسل قرارات الحظر. عندما تقول أمريكا “لن أبيعك الآلة” تتأخر الصين خمس سنوات، وعندما تقول الصين “لن أبيعك المعدن” يتباطأ مصنع الطائرات في أمريكا.
منظمة آسيان والصين
تأسست آسيان (Association of Southeast Asian Nations – رابطة دول جنوب شرق آسيا) في 8 آب 1967 في بانكوك. أسستها إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند، وكانت في الحرب الباردة جبهة غربية ضد الشيوعية، ولم تكن تايوان عضواً فيها أبداً لأن الأعضاء لم يريدوا إغضاب الصين.
الخلاصة: عدوّان يحتاج أحدهما إلى الآخر
لم يعد أي بلد يستطيع إنتاج أي شيء بمفرده. فكّر في الآيفون: التصميم في أمريكا، والرقاقة في تايوان، وآلة الرقاقة في هولندا، والمعدن في الصين، والتجميع في الهند، وإذا قال أحدهم “أنا لست موجوداً” فلن يمكن إنتاج الهاتف.
أمريكا لا تعطي الرقائق للصين، لكنها لا تستطيع صنع المقاتلات دون معدن الصين، والصين غاضبة من أمريكا، لكن مصانعها لا تعمل دون السوق الأمريكية.
وهذا ما يسميه الأدب الاقتصادي “الاعتماد المتبادل المسلّح” (Weaponized Interdependence). أي أن الاعتماد لم يعد ضعفاً بل أصبح سلاحاً. كل طرف يمسك بما يحتاجه الطرف الآخر ويضغط عليه.
يريد ترامب وبينغ التخلص من هذا الاعتماد لكنهما لا يستطيعان، فلو تخلصا لانهار اقتصادهما، لذلك لم يتحقق السلام في واشنطن، بل كان مجرد التقاط أنفاس لمدة شهرين.