الدرباسية/ نيرودا كرد – يطالب معلمو ومعلمات عفرين بمواصلة التعليم باللغة الأم، مؤكدين، أنهم مروا بسنوات طويلة من التهجير، وعانوا الكثير، وكان لذلك تأثير كبير في الطلاب والمعلمين على حد سواء، ويشيرون إلى أن “ما نشهده اليوم ظلماً كبيراً بحق الطلبة الكرد، الذين يريدون فقط أن يتعلموا بلغتهم الأمّ”.
يواصل طلاب ومعلمو عفرين التمسك بحقهم في التعليم باللغة الكردية؛ لأنه من الحقوق الأساسية المرتبطة بالهوية والثقافة والوجود، رغم سنوات التهجير وما رافقها من ظروف قاسية أثرت بشكل مباشر في العملية التعليمية، فبعد سنوات من التهجير بين الشهباء ومناطق شمال وشرق سوريا، يجد أبناء عفرين أنفسهم أمام تحديات جديدة تتعلق بمواصلة تعليمهم بلغتهم الأم، في وقت يؤكد فيه المعلمون والطلاب أن اللغة الكردية جزءاً أساسياً من هويتهم وذاكرتهم الجماعية.
ويشير معلمون إلى أن تجربة التعليم باللغة الكردية التي ترسخت في عفرين خلال السنوات التي سبقت التهجير، واستمرت لاحقاً في الشهباء، شكلت نموذجاً مهماً في الحفاظ على اللغة والثقافة الكردية، رغم القصف والتهجير والظروف الصعبة، إلا أن العودة إلى عفرين وما رافقها من تغييرات ديمغرافية وسياسية وتعليمية، وضعت الطلاب والمعلمين أمام واقع مختلف، انعكس على قدرتهم في الوصول إلى التعليم بلغتهم الأم.
وفي هذا السياق، رفض الأهالي اختزال التعليم باللغة الكردية في حصص محدودة، مؤكدين على ضرورة توفير تعليم متكامل باللغة الأم، يبدأ من المراحل الأولى ويستمر حتى المراحل التعليمية المتقدمة، كما طالب المعلمون بضمان حقهم في ممارسة مهنتهم، وحق الطلاب في متابعة تعليمهم دون أن تتحول اللغة إلى عائق أمام مستقبلهم.
وأكد أبناء عفرين أن التمسك باللغة الكردية تمسك بالهوية والحق في التعليم، وأن سنوات التهجير والمعاناة لن تحول دون مواصلة هذا الحق والدفاع عنه.
مستويات متقدمة من التعلم باللغة الأمّ
وفي لقاء مع صحيفتنا “روناهي”، تحدثت معلمة من عفرين “طالبةً عدم الكشف عن هويتها”: “قبل أن نُهجَّر، أي قبل عام 2018، وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2018، كانت عفرين في مجال التعليم باللغة الكردية قد وصلت إلى أعلى مستوى، كانت جميع المواد التعليمية تقريباً باللغة الكردية، بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية، وكانت مؤسسات المجتمع في عفرين قائمة، وكان أبناء عفرين يرسلون أطفالهم إلى المدارس”.
وتابع: “كان التعليم في أغلبية مدارس عفرين يدرس باللغة الكردية، وكان يوجد هناك أيضاً الشعب العربي يدرسون بلغتهم الأمّ (العربية)”.
وأضاف: “في ذلك الوقت كان نسبة الكرد في عفرين يبلغ 95 بالمئة، وكانت المواد تُدرّس باللغتين الكردية والعربية، والنظام السابق كان موجوداً في ذلك الوقت، وله مؤسسات وإدارات، لكن غالبية الطلاب الكرد كانوا يتلقون تعليمهم باللغة الكردية”.
حرب واحتلال وتهجير
وتابعت: “وبعد الحرب التي اندلعت في عفرين، والهجمات الكبيرة التي تعرضت لها المنطقة، تهجّرنا نحن كأهالي عفرين إلى منطقة الشهباء، فيما واصلنا على مدى سبع سنوات التمسك بالتعليم باللغة الكردية، واستمر تعليمنا من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى المراحل المتقدمة”.
وأردفت: “وكان أهالي عفرين في الشهباء موجودين إلى جانب الشعب العربي وغيرهم من الشعوب، ومع ذلك استمر التعليم باللغة الكردية، وكنا ندرس باللغة الكردية في الشهباء، والإدارة دائماً تؤكد أهمية اللغة الكردية وتدعم استمرار التعليم بها، وبعد الهجوم الذي وقع على الشهباء، انتقلنا إلى الرقة والطبقة والحسكة وقامشلو، أي إلى مناطق شمال وشرق سوريا، وخلال السنوات السبع التي قضيناها في الشهباء، تعرضنا للقصف والطائرات والغارات والضربات، لكننا رغم ذلك واصلنا تعليم أطفالنا بلغتنا الأم”.
مواصلة التعليم رغم التهجير
وزادت المعلمة: “لقد كان الأمر صعباً، حيث أن بعض أهالي عفرين استقروا في منطقة الشيخ مقصود، وانتقل بعضهم إلى مناطق أخرى، لكن في الشيخ مقصود واصلنا تعليم أطفالنا باللغة الكردية وتمسكنا بنظامنا التعليمي، وبعد الاتفاقيات التي جرت بين الحكومة الانتقالية في دمشق والإدارة الذاتية الديمقراطية، جرى الحديث عن عودة المهجّرين، وعاد قسم من الأهالي إلى مناطقهم ضمن قوافل، ونحن أحد العائلات العائدة”.
وتابعت: “ومنذ عودتنا إلى عفرين وحتى يومنا هذا، لم يتمكن طلابنا من الالتحاق بالمدارس؛ لأن التعليم باللغة الكردية في عفرين غير متاح بالشكل الذي كان عليه سابقاً، فما جرى في عفرين أدى إلى تغيير ديمغرافي كبير، وقد ترك ذلك آثاراً كبيرة على سكان المنطقة، وعلى وجودهم وثقافتهم ولغتهم وهويتهم”.
حرمان الطفل من التعلم بلغته
وأشارت المعلمة، إلى أن أهالي عفرين يواجهون اليوم صعوبات كبيرة، فبعد كل المعاناة والسجون والاعتقالات والتهجير، وصل الوضع بهم إلى مرحلة لا يستطيع فيها أبنائهم التعلم بلغتهم الأم، مضيفةً، “فالطفل يمكنه أن يدرس باللغة العربية أو التركية، ويمكن أن يتعلم بلغات أخرى، لكن لا يستطيع أن يتعلم باللغة الكردية، فقد قلص التعليم باللغة الكردية إلى مجرد مادة أو حصص محدودة، وحتى هذه الحصص لا تُطبَّق في جميع المدارس”.
وزادت: “لقد وضع نظام جديد للتعليم، ونحن الآن نريد أن نُسجّل طلابنا في المدارس ونرسلهم إلى المؤسسات التعليمية، لكن هناك طلاباً درسوا حتى مراحل متقدمة، وصولاً إلى الثانوية والجامعات، ومع ذلك لم يتم الاعتراف بشهاداتهم أو بمراحلهم الدراسية. لذلك؛ طُلب من بعض الطلاب أن يدرسوا باللغة العربية، أو الخضوع لاختبارات لتعديل شهاداتهم، حتى يتمكنوا من متابعة تعليمهم، لذا، نطالب بأن يُسمح لهم بالعودة إلى التعليم باللغة الكردية، إلى جانب توفير التعليم باللغة العربية لمن يرغب بذلك”.
معلمون ومعلمات عاطلون عن العمل
ولفتت المعلمة، إلى أن كل مدرسة أصبحت تتعامل مع هذه المسألة بطريقة مختلفة، رغم وجود قرار يفترض أن ينظم العملية التعليمية في عفرين، أما المعلمون، فما زال الكثير منهم حتى الآن دون عمل، بسبب عدم السماح لهم بمواصلة التدريس، كما أن هناك معلمون أصبحوا عاطلين عن العمل، من دون راتب أو مصدر دخل أو أي حقوق.
واستكملت: “كذلك فإن الطلاب لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس بصورة طبيعية، سواء في المدارس الحكومية أو غيرها، في حين يُقال إن هناك قراراً ينص على تدريس ثلاث حصص باللغة الكردية أسبوعياً، ونحن نرفض هذه القرارات، لأن ما جرى تطبيقه في مناطق الجزيرة، يتوجه الطلاب إلى المدارس ويتلقون تعليمهم، لا يمكن أن يُفرض بالطريقة نفسها على أهالي عفرين دون مراعاة خصوصية وضعهم ومعاناتهم، ولا يمكن اختزال التعليم باللغة الكردية في ثلاث حصص أسبوعية فقط، لأن التعليم باللغة الكردية كان قائماً لسنوات، ولديه طلاب ومعلمون ومناهج وتجارب”.
حق التعلم باللغة الأم
وطالبت المعلمة بضرورة التعلم باللغة الأم: “نريد أن نتعلم بلغتنا، فهذا حقنا الطبيعي، ولا نخاف من ذلك، فهل من المعقول أن يدرس شخص أمريكي أو فرنسي أو أوروبي بلغته، بينما يُمنع الكردي من الدراسة بلغته؟ نحن أيضاً نريد أن ندرس بلغتنا، هذه لغتنا، وهي جزء منا، فلماذا لا ندرس ونتعلم بها؟”.
وأنهت المعلمة التي “طلبت بعدم الكشف عن هويتها” حديثها: “لقد فُرض علينا الكثير من القيود والضغوط، لكننا، نريد أن ندرس بلغتنا، فإذا كان هناك من يريد منعنا من ذلك، فلماذا يُسمح لنا بغير ذلك؟، نريد أن يتعلم أطفالنا وأبناؤنا بلغتهم الأم، فنحن لا نطلب المستحيل، كل ما نريده هو أن نتمكن من الدراسة والتعلم بلغتنا، وهذا حقنا الأساسي”.