لطالما شكّل الملف الكردي أحد أعقد الملفات في الشرق الأوسط، حيث عانى الشعب الكردي على مدى عقود طويلة من سياسات الإنكار والتهميش والاضطهاد التي مارستها الحكومات المتعاقبة في تركيا وإيران وسوريا والعراق. واليوم، وبعد إعلان حزب العمال الكردستاني عن إنهاء الكفاح المسلح والدخول في مرحلة السلام والمجتمع الديمقراطي، تبرز مفارقة لافتة: فبينما يمدُّ الكرد أيديهم للسلام، تصرُّ الدولة التركية على استخدام توصيف “تركيا خالية من الإرهاب”، في محاولة لتكريس صورة نمطية تربط الكرد بالإرهاب، متجاهلةً بذلك عقوداً من إرهاب الدولة الممنهج ضد شعب كامل.
عندما تتحدث تركيا عن “تركيا خالية من الإرهاب”، فإنها تقصد ضمنياً أن الكرد هم مصدر الإرهاب، وإن الحل يكمن في القضاء على حركتهم السياسية والمسلحة. لكن؛ السؤال الجوهري الذي يطرحه الكرد اليوم هو: أي إرهاب تقصد تركيا؟
هل تقصد إرهاب حرق القرى الكردية في التسعينيات، حين هُجّر أكثر من ثلاثة ملايين كردي من ديارهم قسراً؟
هل تقصد إرهاب الاعتقالات التعسفية التي طالت آلاف السياسيين والأكاديميين والصحفيين الكرد بتهم ملفقة؟
هل تقصد إرهاب إنكار اللغة الكردية، حيث كان التحدث بالكردية في المؤسسات العامة جريمة يعاقب عليها القانون حتى سنوات قريبة؟
هل تقصد إرهاب قصف المدن الكردية في شمال سوريا والعراق، كما حدث في عفرين وشنكال وقنديل؟
إن الكرد، وهم يعلنون اليوم التزامهم بالسلام، يطرحون بدورهم شعاراً موازياً: “الكرد أيضاً يريدون تركيا بلا إرهاب”، أي بلا إرهاب الدولة، وبلا سياسات القمع والإنكار، وبلا عقلية أمنية تختزل قضية شعبٍ كامل في خانة “الإرهاب”.
وينبغي على الكرد أن يرفعوا هذا الشعار ليس لمجرد رد فعل على التوصيف التركي، بل هو مشروع سياسي متكامل يهدف إلى دمقرطة تركيا وجعلها تعترف بحقوق الكرد الثقافية واللغوية والسياسية. فالكرد لا يريدون الانفصال، بل يريدون تركيا موحدة ديمقراطية يعيش فيها الجميع بكرامة ومساواة.
– إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم المفكر الكردي عبد الله أوجلان، الذي أطلق أخيراً مبادرة للسلام.
– إلغاء القوانين المجحفة التي تستخدم لمحاكمة المعارضين الكرد.
– فتح حوار سياسي جاد مع الممثلين الشرعيين للشعب الكردي.
إن الشعار الذي يرفعه الكرد في تركيا يمكن أن يمتد إلى سوريا وإيران أيضاً، فالكرد في سوريا، الذين واجهوا داعش نيابةً عن العالم، لا يزالون يعانون من التهديدات التركية والغموض الدولي. وفي إيران، لا يزال الكرد يعانون من سياسات التمييز والإعدامات السياسية. لذلك؛ فإن الشعار الموسّع يجب أن يكون: “الكرد يريدون شرق أوسط بلا إرهاب: إرهاب الدولة، إرهاب التنظيمات المتطرفة، وإرهاب إنكار الحقوق”.
إن إعلان حزب العمال الكردستاني عن إنهاء الكفاح المسلح يمثل لحظةً تاريخية نادرة في الشرق الأوسط، وهي لحظة يجب ألا تُهدَر. لكن؛ السلام الحقيقي لا يُبنى على شعارات أحادية الجانب، بل على اعتراف متبادل بالحقوق والواجبات.
عندما يرفع الكرد شعار “تركيا بلا إرهاب”، فإنهم لا يرفضون التوصيف التركي فحسب، بل يطرحون رؤية بديلة: رؤية تركيا ديمقراطية تعددية، تحترم كل شعوبها، وتنبذ كل أشكال العنف، سواء كان عنف الدولة أو عنف المجموعات.
إن قلب السحر على الساحر هنا ليس مجرد لعبة لغوية، بل هو إعادة تعريف للمشهد السياسي برمته. فالكرد، بعد عقود من الكفاح، لم يعودوا يطلبون السماح لهم بالوجود، بل يطالبون بحقهم في الوجود الكريم، ويطرحون على تركيا السؤال الأصعب: هل أنتم مستعدون لتركيا بلا إرهاب، أم أن إرهاب الدولة سيظل هو الوجه الآخر للعملة؟
الشعار الذي ترفعه الدولة اليوم يمكن أن يتحول إلى أداة للتحرر، إذا ما أدرك الكرد قوته، واستخدموه بمهارة لفضح تناقضات الدولة ومطالبتها بالتخلي عن إرهابها التاريخي. إن “الكرد أيضاً يريدون تركيا بلا إرهاب” ليست مجرد كلمات، بل هي مشروع سياسي وديمقراطي، يمكن أن يقود إلى تحول حقيقي في المنطقة، ويحقق حلم الكرد في العيش بكرامة وحرية في وطنهم.
إن التاريخ لن يرحم من يفوّت فرصة السلام، والكرد، بمدّهم أيديهم اليوم، قدموا الدليل القاطع على أنهم يريدون سلاماً حقيقياً. فهل تلتقط تركيا هذه اليد، أم تكتفي بالشعارات الجوفاء؟
الكرد يريدون تركيا بلا إرهاب… فهل تريد تركيا نفسها ذلك؟