كان للباب في البيوت القديمة معنى يتجاوز وظيفته، لم يكن مجرد قطعة من الخشب تفصل الداخل عن الخارج، ولا حاجزًا يحفظ خصوصية البيت، بل كان جزءًا من حياة الناس وعلاقاتهم، كان يُفتح مع الصباح، ويبقى مفتوحًا طوال النهار ومعظم الليل، ولا يُغلق إلا حين يأوي أهل البيت إلى النوم؛ وكأن البيت يمد يده إلى الشارع، ويقول لمن يمر: هنا أناس يعيشون، وهنا بيتٌ يرحّب بكم، وأهلٌ مسرورون بقدومكم.
كان الجار يدخل على جاره دون موعد، والقريب يأتي متى شاء، والضيف قد يصل فجأة، فلا يُنظر إلى زيارته على أنها إرباك لأهل البيت، بل كانت مفاجأة جميلة تضيف إلى اليوم شيئًا من الفرح، وكان من المألوف أن تسمع من الداخل: (أهلًا وسهلًا، تفضل)، دون أن يسأل أحد عن سبب الزيارة أو مدتها أو إن كان الوقت مناسبًا.
وكان من غير المألوف أن ترى بابًا مغلقًا في النهار، وإذا أقبل عليك ضيفٌ ووجد الباب مغلقًا، لم يعد خائبًا، ولم يقُل: سأعود حين يأتي صاحبه، بل كانت أبواب الجيران مفتوحة له، ويتسارعون إلى استقباله والقيام بواجب الضيافة عنه، كأن الغائب حاضر، وكأن بيت الجار بيتهم جميعًا. وكانت الضيافة يومها خُلقًا مشتركًا، والجيرة عهدًا، والبيوت متقاربة لا بالجدران وحدها، بل بالقلوب.
ولعل أجمل ما كان في تلك الأيام أن الناس لم يكونوا يحتاجون إلى كثير من الترتيبات كي يلتقوا، كانت المسافة بين بيت وبيت قصيرة، رغم بُعدها؛ لأن القلوب كانت أقرب إلى بعضها، وكانت الزيارة نفسها وسيلةً للسؤال والاطمئنان وصلة الرحم، وليست مجرد مناسبة اجتماعية عابرة.
أما اليوم، فنرى الأبواب مغلقة أكثر من أي وقت مضى؛ أبواب البيوت، وأبواب الجيران، وأبواب الزيارات، أصبح القريب يحتاج إلى موعد، والصديق إلى اتصال، والضيف إلى إذن، وكأن المسافات بين الناس لم تعد تُقاس بالأمتار، بل بما تراكم بين القلوب.
لم تعد الأبواب وحدها هي التي تغيّرت؛ تغيّرت معها أشياء كثيرة في حياتنا، أصبح لكل إنسان عالمه الخاص، ولكل بيت حدوده، ولكل زيارة موعدها. ومع ذلك، يبقى السؤال أبعد من الباب، وأعمق من القفل: “هل أغلقت القلوب أبوابها، أم أننا نحن الذين أغلقناها؟”.
فلماذا اليوم نرى الأبواب مُقفلة؟