اللغة الكردية واحدة من أقدم اللغات، وهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل ذاكرة حيّة لتاريخٍ عريق صمد عبر القرون أمام محاولات الصهر والنسيان، وظلّت اللغة الكردية النابض الحقيقي للهوية والكينونة الكردية، والدرع الذي حفظ لهذا الشعب خصوصيته الثقافية الفريدة، فهي ليست مجرد كلمات تُكتب، وإنما هي جذور الكرد وذاكرتهم، ولم يتنازل عنها الكرد، رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه في مراحلٍ عديدة عبر التاريخ.
اللغة ليست ترفاً ولا شعاراً سياسياً، بل هي قضية كرامة وذاكرة وهوية، فقد حُرمت أجيال كاملة من تعلّم لغة أمهاتها وآبائها، ومن حقها الطبيعي في القراءة والكتابة بلغتها الأم. واليوم، في روج آفا، ومع صدور قرار من قبل الحكومة السورية الانتقالية يؤكد تدريس ثلاث حصص فقط لتعلّم اللغة الكردية، يأتي دور أبناء الشعب الكردي في الوقوف أمام السياسات التي تقصي حقهم في التعلّم بلغتهم الأم، والعمل من أجل منح اللغة الكردية المكانة التي تستحقها.
ونحن اليوم نكتب باللغة العربية ونعبّر بها عن أفكارنا، ليس لأننا اخترنا التخلي عن اللغة الكردية، وإنما نتيجة عقود من الاستلاب والحرمان اللغوي اللذين مورسَا علينا كشعب كردي. وعندما نرى أطفال الكرد يكتبون تعليقاً بالكردية، ويتحدثون بها ويفتخرون بها، بدلاً من كتابته بالعربية، فهذا ليس كرهاً بالعربية ولا انتقاصاً منها، وإنما هو تعبير عن حب لغتنا الأم التي حُرمنا من حقنا الطبيعي في تعلّمها لسنواتٍ طويلة في هذه البلاد.
وفي المقابل، هناك أجيال ناشئة من الكرد تتقن اللغة الكردية وتُبدع فيها في مختلف المجالات العلمية والأدبية، وهذا الجيل الذي سيتعلّم لغته ويورّثها لمن يأتي بعده، هو جيل البناء الكردي السوري الذي ينتظره الجميع، وهو الجيل القادر على تحويل اللغة من مجرد وسيلة للتعبير إلى ركيزة أساسية من ركائز الهوية والثقافة والمستقبل.
وكان للإدارة الذاتية، خلال أكثر من عشر سنوات، دور كبير في حماية اللغة الكردية وتطويرها، وفي اعتماد تدريسها في روج آفا، إلى جانب الدور الذي لعبته الكوادر التعليمية ومناضلو اللغة والهوية، فقد فرض هؤلاء واقعاً جديداً، وأسهموا في حماية اللغة الكردية في ظروفٍ صعبة وإمكانات محدودة، في وقتٍ كان فيه البعض يهاجم هذه الخطوة الفريدة من نوعها ويشكك في قدرتها على الاستمرار والنجاح.
إن تدريس اللغة الكردية واعتمادها ضمن المنهاج الرسمي في سوريا أمر في غاية الأهمية، رغم أن القرار المطروح في هذا الوقت لا يزال غير منصف ولا يلبي الحقوق والطموحات الكردية. ومع ذلك، فإن الوصول إلى الاعتراف بتدريس اللغة الكردية لم يكن منّة من أحد، بل جاء نتيجة نضال وجهود الآلاف من الشهداء.
ومن هنا، فإن حق الكردي في تعلّم لغته والكتابة بها وتعليمها لأبنائه يجب أن يكون حقاً أصيلاً لا يخضع للمساومة. والمطلوب اليوم هو مواصلة النضال السياسي والحقوقي من أجل تحقيق الأهداف الكردية وحماية المكتسبات التي تحققت بدماء الشهداء وتضحيات أبناء الشعب الكردي، ويمكن القول إن للإدارة الذاتية فضلاً كبيراً في تطوير اللغة الكردية وحمايتها في روج آفا.