كوباني/ سلافا أحمد – عامٌ مضى على غياب “محمد مصطفى بركة”، لكن عائلته لم تفقد الأمل في عودته، ولا تزال متمسكةً بمطلبها الواضح، الإفراج عنه وكشف مصيره، وفي سبيل إيصال صوتها، نصّبت عائلته خيمة اعتصام أمام مقر مديرية المنطقة في كوباني، بمشاركة والديه وزوجته وأطفاله الثلاثة وأقاربه، مؤكدين إن اعتصامهم سيستمر حتى إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته.
منذ أكثر من عام، لم تعد حياة عائلة الشاب “محمد مصطفى بركة” كما كانت، فمنذ التاسع من تموز 2025، تنتظر زوجته وأطفاله الثلاثة خبراً يطمئنهم عن مصيره، بعد أن أُسر أثناء توجهه لإنقاذ شقيقه الذي أصيب وبترت ساقه خلال عمله على حفارة في منطقة دير حافر.
من هو محمد بركة..؟
“محمد مصطفى بركة”، شاب يبلغ من العمر 21 عاماً، وأب لثلاثة أطفال، أكبرهم لا يتجاوز الخامسة من عمره، كان يعيش مع عائلته حياة بسيطة، يحاول تأمين لقمة عيش أطفاله، قبل أن تتحول لحظة توجهه لإنقاذ شقيقه إلى بداية رحلة طويلة من الاعتقال والانتظار، حيث كان شقيقه الأكبر “فرمان” يعمل على إحدى الحفارات في منطقة دير حافر، حين تعرض لحادث أثناء عمله، ما أدى إلى بتر ساقه، وفي لحظة إصابته، اتصل بأخيه “محمد” طالباً منه المناشدة، فما كان من الشاب إلا أن توجه مسرعاً لإنقاذه، إلا أن “بركة” لم يصل إلى شقيقه.
ففي التاسع من تموز عام 2025، وأثناء توجهه غربي مدينة دير حافر، أوقفته قوات تابعة للحكومة السورية الانتقالية، واعتقلته بحجة وجود صورة له أثناء تأدية واجبه للخدمة الذاتية.
وأكد عائلته إن “محمد بركة” مدني ولا علاقة له بأي جهة أو قوة عسكرية، وإن الصورة التي استند إليها اعتقاله هي صورة مسبقة له أثناء تأديته للخدمة الذاتية، وإن خروجه في ذلك اليوم لم يكن سوى لإنقاذ شقيقه المصاب.
من سجنٍ إلى آخر.. عائلة تبحث عن أثر لولدهم
ومنذ لحظة اعتقاله، بدأت رحلة العائلة بين السؤال والانتظار، حيث يشيرون إن “محمد بركة” نُقل عقب اعتقاله إلى سجن راعي، وبقت أخباره مجهولة لعدة أشهر، إلى أن وصلتهم بعد نحو ستة أشهر معلومة من أحد المعتقلين الذين أُفرج عنهم، أكد لهم أنه موجود في السجن وأنه على قيد الحياة.
وأشار والده “مصطفى محمد بركة”، إن تلك المعلومة، رغم قسوتها، كانت أول خبر يطمئنهم على حياة ابنهم بعد أشهر من القلق.
وأوضح إن “محمد بركة” نُقل لاحقاً من سجن راعي إلى سجن دير الزور، حيث تمكنت العائلة في فترةٍ لاحقة من التواصل معه، قبل أن تعلم بأنه موجود حالياً في سجن بمدينة منبج، فيما تمكنت والدته من زيارته لأول مرة. ورغم معرفة العائلة بمكان وجوده في بعض المراحل، إلا أن مصيره لا يزال، بحسب والده، مجهولاً، ولا تعرف الأسرة ما الذي سيحلُّ به أو متى سيُفرج عنه.
ولفت بأنهم طرقوا أبواب جهات عدة، وطالبوا بإطلاق سراح ابنهم، لكنهم لم يجدوا حتى الآن من يستجيب لمطلبهم.
خيمة تحت الشمس.. لعل صوتهم يصل
ولم تعد المطالبات والمراجعات كافية بالنسبة لذوي “محمد بركة”، حيث قررت العائلة بأكملها التوجه إلى مقر مديرية المنطقة في كوباني، ونصب خيمة أمامه، معلنين استمرار اعتصامهم للمطالبة بالإفراج عن ابنهم وتحقيق مطلبهم. ووالدته المسنة “ربيعة مصطفى”، التي تعاني من مرض في القلب، ووالده وأشقاؤه وزوجته وأطفاله الثلاثة وأقاربهم، اجتمعوا تحت خيمة واحدة، يحملون صور محمد بركة ومطلباً واحداً: “إطلاق سراحه وإعادته إلى أطفاله”. حيث تحت أشعة الشمس الحارة، تجلس العائلة، وبين أفرادها أطفال لم يفهموا بعد لماذا غاب والدهم كل هذه المدة، ولماذا لا يستطيعون رؤيته أو سماع صوته متى أرادوا.
طفلة بعمر شهرين حين اعتُقِل والدها
أما زوجة الأسير محمد، “ليلى علي“، ذات الـ21 عاماً، وهي منذ اعتقال زوجها تواجه وحدها مسؤولية تربية أطفالها الثلاثة وتأمين احتياجاتهم، في وقت كانت طفلتها الصغرى لا تزال رضيعة لم يتجاوز عمرها “شهرين” عندما أُسر والدها.
حيث أوضحت ليلى أن زوجها لم يكن ذاهباً للقتال أو للانضمام إلى أي جهة، بل خرج لإنقاذ شقيقه الذي تعرض لإصابة خطيرة أثناء عمله.
وأكدت، إن مطلبها الوحيد هو إطلاق سراح زوجها، معتبرةً، أن اعتقاله تم بناءً على حجةٍ لا تعكس حقيقة ما كان يفعله في ذلك اليوم.
وأوضحت، بأنها تعيش تفاصيل يومية قاسية، وهي تحاول القيام بدور الأب والأم في آنٍ واحدٍ، بينما يكبر أطفالها وهم يفتقدون والدهم.
وأضافت بأن طفلها الأكبر، مصطفى، البالغ من العمر خمسة أعوام، لا يزال يسأل والدته عن أبيه، وعن سبب غيابه، ومتى سيعود إلى المنزل، “أسئلة طفل صغير لا أجد لها جواباً”.
مؤكدةً، إن أصعب ما تواجهه، هو أن ترى أطفالها بحاجة إلى والدهم، بينما لا تستطيع أن تقدم لهم سوى الانتظار والأمل بأن يأتي اليوم الذي يُفتح فيه باب المنزل ويدخل محمد من جديد.
“لن نغادر الخيمة حتى يعود ابننا“
وبعد أكثر من عام على اعتقال “محمد بركة”، لا تزال عائلته متمسكةً بمطلبها، مؤكدةً، إن صبرها لن ينتهي، وأن خيمتها ستبقى منصوبةً أمام مقر المديرية إلى حين معرفة مصير ابنها والإفراج عنه.
وأكدت عائلته، إنهم لم يطلبوا سوى حق ابنهم في الحرية، مشددين، على أن “محمد بركة” مدني ولا تربطه أي صلة بالجهات أو القوى العسكرية.
وبينما ينتظر الأب عودة ابنه، وتنتظر الزوجة عودة زوجها، ينتظر ثلاثة أطفال عودة أبيهم.