مركز الأخبار – تتزايد الضغوط المعيشية والخدمية على الأهالي في الجزيرة، مع توقف توزيع المازوت الخدمي، وتراجع ساعات تشغيل مولدات الأمبيرات، وارتفاع أجور النقل وسعر الخبز، بالتزامن مع أزمة السيولة بالعملة السوريّة الجديدة، ما يضع أصحاب الدخل المحدود أمام أعباء متصاعدة تتجاوز قدرتهم على التحمّل.
تشهد مقاطعة الجزيرة تصاعداً متزامناً في عددٍ من الأزمات المعيشية والخدمية، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة على الأهالي الذين يعتمدون بدرجاتٍ متفاوتة على الكهرباء التي توفرها مولدات الأمبيرات، ووسائل النقل العام، والخبز المدعوم، والخدمات المرتبطة بالمحروقات.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه السكان صعوبةً في تأمين السيولة من العملة السورية الجديدة، بالتوازي مع استمرار تداول العملة القديمة، الأمر الذي انعكس على عدد من المعاملات اليومية والخدمات الأساسية، وبينما تتراجع القدرة الشرائية للأُسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو تداعيات توقف المازوت الخدمي أكثر وضوحاً في قطاعات الكهرباء والنقل والمياه وبعض الأنشطة الإنتاجية.
وتشير المعطيات في المنطقة إلى أن المشكلة لم تعد مقتصرة على قطاع خدمي واحد، بل باتت مترابطة؛ فغياب المازوت يرفع كلفة تشغيل المولدات ووسائل النقل، وارتفاع تكاليف التشغيل ينعكس على المواطن من خلال زيادة التعرفة، فيما تؤدي أزمة السيولة إلى تعقيد عمليات البيع والشراء وتأمين الاحتياجات اليومية.
مازوت متوقف
كشف مسؤول في مديرية المحروقات بمدينة الحسكة إن مادة المازوت الخدمي انقطعت بشكلٍ كامل عن المدينة، نتيجة توقف تزويد المصافي المحلية بالنفط الخام الذي كانت تعتمد عليه في إنتاج المادة.
وبحسب المعطيات، كانت المدينة تحصل يومياً على نحو ثلاثة آلاف متر مكعب من النفط الخام، يجري تكريرها عبر المصافي والحراقات المحلية لإنتاج المازوت، قبل أن يتوقف تزويدها بالمادة بصورةٍ كاملة. وأُبلغت مديرية المحروقات بأن توزيع المازوت الخدمي سيبقى متوقفاً خلال الفترة الحالية، في إطار خطة تهدف إلى توحيد سعر المادة في مختلف المدن السوريّة. ويثير توقف المازوت الخدمي مخاوف من انعكاسات مباشرة على القطاعات التي تعتمد عليه بصورةٍ أساسية، ولا سيما مولدات الأمبيرات ووسائل النقل والمياه والأفران، إلى جانب قطاعات خدمية وإنتاجية أخرى.
وفي مدينة الدرباسية، انعكس نقص المازوت المخصص للمولدات على ساعات التشغيل، إذ تراجعت من ست ساعات إلى أربع ساعات يومياً، واقتصرت على الفترة المسائية بين السابعة والحادية عشرة ليلاً. وأوضح أحد أصحاب المولدات إن الكميات المخصصة لم تعد كافية لتشغيل المولدات طوال ساعات التشغيل المعتادة، مشيراً إلى أن أصحاب المولدات قد يضطرون إلى شراء المازوت الحر في حال استمرار توقف التوزيع الخدمي، الأمر الذي قد يؤدي إلى رفع التعرفة. وفي عامودا، توقفت أغلب مولدات الأمبيرات عن العمل نتيجة إيقاف توزيع المازوت الخدمي المدعوم، وأفادت لجنة المحروقات في المدينة بأن العمل بانتظار تأمين المخصصات اللازمة من الوقود وصدور توجيهات جديدة تحدد آلية التوزيع واستئناف تشغيل المولدات.
وتزداد أهمية هذه التطورات في ظل اعتماد عدد كبير من أهالي المدن والبلدات على الأمبيرات بوصفها مصدراً بديلاً للكهرباء، الأمر الذي يجعل أي انخفاض في ساعات التشغيل أو ارتفاع في التعرفة عبئاً مباشراً على الأسر.
وفي قامشلو، يواجه أصحاب المولدات معادلة أكثر صعوبة مع احتمال اللجوء إلى شراء المازوت الحر بسعر يصل إلى 12,500 ليرة سوريّة للتر، ويُطرح احتمال وصول سعر الأمبير إلى نحو 16 دولاراً مقابل ثماني ساعات تشغيل.
وبحسب تقديرات الأهالي، فإن اعتماد سعر قدره 16 دولاراً للأمبير مقابل ثماني ساعات تشغيل يعني أن الأسرة التي تحتاج إلى أربعة أمبيرات قد تضطر إلى دفع نحو 64 دولاراً، وهو مبلغ يشكل عبئاً كبيراً على أصحاب الدخول المحدودة.
وتبرز هنا المفارقة بين تكاليف الخدمات المتزايدة ومستويات الأجور، إذ تتفاوت رواتب العاملين في مناطق الجزيرة، بين نحو مليون ونصف ومليونين ونصف ليرة سوريّة، ما يضع الأُسر أمام خيارات صعبة بين تأمين الكهرباء وبقية الاحتياجات الأساسية.
عملة مضطربة
إلى جانب أزمة المحروقات، تواجه الأسواق صعوبات مرتبطة بنقص سيولة العملة السورية الجديدة، مع استمرار تداول العملة القديمة على نطاقٍ واسع. وامتدت تداعيات أزمة السيولة إلى قطاعات أساسية، من بينها الأفران، في ظل صعوبة تأمين الفئات النقدية الجديدة اللازمة لإتمام عمليات البيع والشراء، بينما يواجه المواطنون صعوبة في تصريف العملة القديمة أو استخدامها في بعض التعاملات.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يضطر أصحاب الدخل المحدود إلى اللجوء للصرافين أو الوسطاء للحصول على العملة الجديدة، مقابل اقتطاع مبالغ من قيمة الأموال التي يتم تبديلها، ما يعني خسارة جزء من المدخرات في وقت تعاني فيه الأسر أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم تمديد وزارة المالية مهلة استلام العملة القديمة في مدينة الحسكة، فإن استمرار صعوبات تصريفها وتداولها، إلى جانب رفض بعض الجهات التعامل بها، أبقى الأسواق أمام حالة من الاضطراب النقدي.
وكان قطاع الخبز من القطاعات التي ظهرت فيها تداعيات هذه المشكلة بوضوح. ففي فرن 12 آذار الآلي بمدينة قامشلو، ارتفع سعر ربطة الخبز إلى أربعة آلاف ليرة سوريّة للمعتمدين وللمبيع المباشر داخل صالة الفرن، بعدما كانت تباع للمعتمدين بثلاثة آلاف وللمبيع المباشر بـ3500 ليرة، وكانت الربطة تضم تسعة أرغفة.
وأوضح مدير الفرن أن التعامل بالفئات القديمة، ولا سيما فئتي 500 و1000 ليرة، كان يسبب صعوبات في عمليات البيع، مشيراً إلى أن السعر الجديد جاء بناء على قرار رسمي.
وينتج الفرن نحو 20 ألف ربطة يومياً، توزع عبر 50 معتمداً في الأحياء الغربية من قامشلو وريفها الغربي، إضافةً إلى البيع المباشر داخل الفرن. كما يعمل بنظام ورديتين وعلى ثلاثة خطوط إنتاج، ويستهلك نحو 19 طناً من الطحين يومياً. وفي عامودا، أُبلغ المشتركون لدى أحد معتمدي الخبز بأن سعر الربطة سيصبح 4500 ليرة، بزيادة قدرها 500 ليرة عن السعر الذي يشتري به المعتمد الربطة من الفرن، والبالغ أربعة آلاف ليرة.
وتعكس هذه التطورات حجم التشابك بين أزمة السيولة والأسعار والخدمات، إذ إن صعوبة توفير النقد لا تتوقف عند عمليات البيع اليومية، وإنما يمكن أن تمتد إلى سلاسل تأمين المواد الأساسية وتوزيعها.
خدمات مهددة
لا تقتصر تداعيات توقف المازوت الخدمي على الكهرباء، بل تمتد إلى قطاع النقل والمياه والخدمات المرتبطة بالمحروقات، ما يهدد بزيادة الأعباء على سكان المدن والبلدات في مدينة الحسكة.
وفي قطاع النقل، ارتفعت أجور التنقل بين عدد من مناطق الجزيرة، وفق المعطيات الواردة، إذ ارتفعت أجرة النقل من كركي لكي إلى قامشلو من 12 ألف ليرة إلى 30 ألف ليرة، ومن كركي لكي إلى ديرك من سبعة آلاف إلى 15 ألف ليرة، فيما ارتفعت أجرة النقل من ديرك إلى الحسكة من 35 ألفاً إلى 70 ألف ليرة. وفي عامودا، ارتفعت أجور النقل إلى الدرباسية وقامشلو من 10 آلاف إلى 25 ألف ليرة سوريّة، بينما ارتفعت أجرة النقل من عامودا إلى الحسكة من 15 ألفاً إلى 30 ألف ليرة. وتشير المعطيات إلى عدم وجود أجور نقل معتمدة وصادرة عن مديرية النقل في الحسكة، ما يزيد من حالة عدم الوضوح التي تحيط بتكاليف التنقل. وفي زركان، يشتكي الأهالي من ارتفاع أجور نقل السرافيس، المعروفة محلياً بالفكسات، إلى مدينة الحسكة، حيث وصلت الأجرة إلى 25 ألف ليرة سورية قديمة. ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع سعر المازوت المستخدم في تشغيل سيارات السرفيس، إذ ارتفع سعر المازوت الخدمي المخصص للمواصلات، والذي كان يباع بنحو 525 ليرة سورية للتر، إلى نحو 12 ألفاً و500 ليرة بالسعر الحر.
وهذه الزيادات تأتي في وقت يعتمد فيه عدد كبير من السكان على النقل بين المدن والبلدات للوصول إلى أماكن العمل وتأمين الاحتياجات والخدمات، ما يعني أن ارتفاع أجور النقل ينعكس بصورةٍ مباشرة على الدخل المتاح للأسر.
أعباءٌ متصاعدة
أما قطاع المياه، فيرتبط بدوره بتوفر المازوت، إذ تعتمد آبار ومناهِل وصهاريج نقل المياه على الوقود لتأمين الخدمة، وتظهر الأرقام المتداولة حجم الاعتماد على المازوت الخدمي، حيث تبلغ الكمية الإجمالية المخصصة للخدمات الأساسية نحو 12 مليوناً و937 ألفاً و798 لتراً شهرياً. وتتوزع هذه الكمية بين 1521 مولدة اشتراك، وسبعة أفران، و216 منهلاً وبئراً للمياه، و266 صهريجاً لنقل المياه، إضافةً إلى المطاحن وعدد من القطاعات الخدمية والإنتاجية. وبذلك، فإن استمرار توقف المازوت الخدمي لا يعني فقط انخفاض ساعات تشغيل مولدات الكهرباء، بل يمكن أن ينعكس على شبكة واسعة من الخدمات التي يحتاجها المواطن بصورةٍ يومية.
وفي ظل هذا الواقع، يجد المواطن نفسه أمام أزمات متداخلة: كهرباء تحتاج إلى اشتراك، واشتراك يحتاج إلى دخل إضافي، ونقل ترتفع كلفته، وخبز ترتفع أسعاره، وعملة جديدة يصعب تأمينها، بينما تبقى الأجور محدودة مقارنةً بالالتزامات اليومية.
وتتزايد مطالب الأهالي بإيجاد حلول عملية وسريعة تضمن توفير المازوت الخدمي للقطاعات الأساسية، وتأمين السيولة الكافية من العملة الجديدة، وضبط تكاليف النقل، والحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية.
فالمشكلة، بالنسبة إلى أصحاب الدخل المحدود، لم تعد مرتبطة بارتفاع سعر خدمة واحدة، وإنما بتراكم مجموعة من الزيادات والأزمات في وقتٍ واحد. ومع استمرار هذا الواقع، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمواطن ليس فقط كيف يؤمن الكهرباء أو النقل أو الخبز، بل كيف يستطيع تغطية كل هذه الاحتياجات بدخلٍ محدود ومتطلبات معيشية تتزايد بصورةٍ مستمرة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة مترابطة للأزمة، تبدأ بضمان الوقود اللازم للخدمات الأساسية، وتوفير العملة الجديدة بصورةٍ كافية ومنظمة، والحد من انعكاس تكاليف التشغيل على المواطنين، بما يخفف الضغوط عن الأسر ويحول دون انتقال الأزمة من قطاعٍ إلى آخر.