محمد عيسى
يأتي الأول من أيلول هذا العام في وقت تبدو فيه كلمة «السلام» أكثر حضوراً في الخطابات السياسية، وأقل حضوراً على أرض الواقع. ففي منطقة الشرق الأوسط، التي عاشت خلال العقود الماضية سلسلة متواصلة من الحروب والأزمات والانقسامات، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل تحولت إلى وسيلة دائمة لإدارة الخلافات، وفرض النفوذ، وتغيير موازين القوى.
وبينما يفترض أن يكون السلام مشروعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ما تزال دول وقوى إقليمية ودولية تتعامل معه باعتباره هدنة مؤقتة أو ورقة تفاوضية تستخدم عندما تكون الظروف العسكرية غير مواتية. وعندما تتغير موازين القوى، تعود لغة الصواريخ والطائرات والمسيرات والتهديدات إلى الواجهة. باستثناء مشروع “السلام والمجتمع الديمقراطي” الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان لحل أزمات الشرق الأوسط المستفحلة.
فلسطين.. سلام مؤجل أمام استمرار الموت
تبقى القضية الفلسطينية النموذج الأكثر وضوحاً على فشل المجتمع الدولي في تحويل الحديث عن السلام إلى واقع. فمنذ عقود، تتكرر المبادرات والمؤتمرات والقرارات الدولية، لكن القضية الأساسية، وهي إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية، ما تزال دون حل.
وفي غزة، تحولت الحرب إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة. فالدمار لم يقتصر على المنازل والبنية التحتية، بل طال المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء ومقومات الحياة الأساسية.
وفي آب 2025، كانت بيانات الأمم المتحدة قد أشارت إلى مقتل أكثر من 61 ألف فلسطيني في غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023 وإصابة أكثر من 154 ألفاً، وفق أرقام أوردتها الأونروا في ذلك الوقت. أما في 2026، فلم تتوقف تداعيات الحرب، فيما استمرت العمليات العسكرية والضغط الإنساني والسياسي. وتؤكد التقارير الأممية أن المدنيين لا يزالون يتحملون العبء الأكبر من استمرار العنف.
المشكلة ليست في غياب الحديث عن السلام، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويله إلى اتفاق عادل. فحين يصبح الأمن قائماً على القوة العسكرية وحدها، وحين يجري التعامل مع المطالب السياسية باعتبارها تهديداً أمنياً، تتحول المنطقة إلى دائرة مغلقة: صاروخ يولد صاروخاً، واغتيال يقابله اغتيال، وتهجير ينتج جيلاً جديداً من الغضب. وبذلك يصبح السلام مؤجلاً إلى أجل غير معروف.
إن السلام الحقيقي في فلسطين لا يمكن أن يكون مجرد توقف مؤقت للقصف، بل يحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق، وإيجاد صيغة سياسية تضمن الأمن والحرية والكرامة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. لكن؛ ما يجري حتى الآن يظهر أن منطق القوة ما يزال متقدماً على منطق الحل السياسي.
لبنان.. الهدنة لا تكفي لصناعة السلام
لا يختلف المشهد كثيراً في لبنان، حيث تحولت البلاد مراراً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فالحرب بين إسرائيل وحزب الله أعادت الجنوب اللبناني إلى واجهة الصراع، وبعد الاتفاقات والتهدئات التي أُعلنت، بقيت الأسئلة الأساسية حول السيادة والأمن وانتشار السلاح ومستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل دون إجابات نهائية.
وفي الرابع من حزيران 2026، أُعلن عن اتفاق وقف إطلاق نار مشروط بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية، إلا أن الاتفاق لم يكن نهاية للصراع، كما أن حزب الله لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات التي أنتجته. وفي 19 حزيران، أُعلن أيضاً عن وقف إطلاق نار بين إسرائيل وحزب الله بعد جولة جديدة من تبادل النار، بوساطة أميركية وقطرية وبمساعدة إيرانية، لكن الهدنة بقيت هشة.
وفي آب، أفادت تقارير باستمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان رغم تمديد التهدئة، فيما قُتل 11 شخصاً في يوم واحد جراء هجمات إسرائيلية، وفق تقرير نشرته الجزيرة في 16 آب. وهذا هو الفرق بين وقف إطلاق النار والسلام. فوقف النار يعني أن المدافع تصمت لفترة، أما السلام فيعني إزالة الأسباب التي تدفع إلى استخدام المدافع أصلاً.
لبنان يحتاج إلى دولة قوية وقادرة على حماية مواطنيها، وإلى سيادة كاملة على أراضيه، وإلى حل سياسي يضع حداً لتحويل أرضه إلى ساحة صراع بين الآخرين. لكن؛ المشكلة أن لبنان لا يملك وحده قرار الحرب والسلام عندما تتقاطع أراضيه مع صراعات أكبر من حدوده.
ومن هنا يصبح المواطن اللبناني عالقاً بين قوتين: دولة تعاني من أزمة اقتصادية ومؤسساتية عميقة، وقوى مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً، في حين تبقى إسرائيل حاضرة عسكرياً في أجزاء من الجنوب. وبدل أن يتحول السلام إلى مشروع لبناء الدولة، يتحول إلى اتفاق مؤقت لإدارة الحرب.
سوريا.. بلد يبحث عن السلام وسط تعدد السلاح
بعد أكثر من عقد ونصف على اندلاع الحرب وبدء الأزمة السورية، تبدو سوريا أمام اختبار جديد: هل تستطيع الانتقال من مرحلة الحرب والانقسام إلى مرحلة سياسية قائمة على الحوار والشراكة؟
سوريا دفعت ثمناً هائلاً بسبب الحرب. ملايين الأشخاص اضطروا إلى النزوح والتهجير، وتضررت المدن والبنية التحتية، وانهارت قطاعات اقتصادية وخدمية أساسية، بينما بقيت البلاد موزعة بين مصالح وقوى محلية وإقليمية ودولية.
ومع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام السابق في الثامن من كانون الأول 2024، برزت فرصة لإعادة بناء سوريا على أسس جديدة، إلا أن الطريق إلى السلام لا يزال محفوفاً بالتحديات.
فالتوترات المحلية، والتدخلات الخارجية، والوجود العسكري الإسرائيلي، وخلايا مرتزقة داعش، والخلافات حول شكل سوريا وتوزيع السلطة والثروات، كلها ملفات يمكن أن تتحول إلى عوامل تفجير إذا لم تُعالج سياسياً. وفي عام 2026، واصلت الأمم المتحدة التأكيد على هشاشة الوضع الأمني في سوريا، فيما أشارت في جلسات مجلس الأمن إلى أن أعمال العنف الأخيرة في السويداء أثرت في حركة السكان والوصول إلى الخدمات الأساسية، وأبقت على دوائر العنف.
كما أشار مجلس الأمن إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معتبراً أن الاحتلال والتوغلات يشكلان انتهاكاً لسيادة سوريا والقانون الدولي.
وهنا تبرز حقيقة أساسية: السلام السوري لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج مركزية السلطة أو عبر فرض حل عسكري على المجتمعات المحلية. السلام يحتاج إلى عقد سياسي جديد، يضمن حقوق مختلف الشعوب، ويعالج الملفات القومية والثقافية، ويمنح السوريين القدرة على المشاركة في تقرير مستقبل بلادهم، كما يحتاج إلى معالجة الملف الأمني عبر المؤسسات، وليس من خلال تحويل كل خلاف سياسي إلى مواجهة عسكرية.
إن سوريا التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب تحتاج إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، لكن السلام لا يبنى بالبنادق، بل بالحوار والعدالة والمشاركة وإعادة بناء الثقة.
أمريكا وإيران.. حين تتحول القوة إلى بديل عن الدبلوماسية
ربما تكون المواجهة الأميركية الإيرانية المثال الأكثر وضوحاً على الصراع بين منطق القوة ومنطق التفاوض. ففي 28 شباط 2026، بدأت حرب واسعة بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد. وخلال الأشهر التالية، تحولت المواجهة إلى حرب طويلة الأمد، لم تتوقف تداعياتها عند حدود إيران وإسرائيل، بل وصلت إلى الخليج ومضيق هرمز ولبنان وسوريا.
وبعد مرور ستة أشهر، وصفت رويترز الحرب بأنها تحولت إلى مواجهة استنزاف طويلة مرتبطة بالطاقة والسيطرة على مضيق هرمز، الذي تمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط والغاز العالمية. المفارقة أن هذه الحرب جاءت في وقت كان يمكن فيه فتح مسار تفاوضي. فإيران والولايات المتحدة خاضتا خلال مراحل مختلفة محاولات للوساطة والتفاوض، فيما حاولت دول إقليمية، بينها عُمان وقطر، لعب أدوار في تقريب وجهات النظر. لكن؛ كلما فشلت المفاوضات، عاد السلاح إلى الواجهة.
وفي آب، كانت جهود الوسطاء لا تزال مستمرة، فيما بقيت الحرب الاقتصادية حاضرة بقوة عبر العقوبات والضغوط المالية. ومع تجدد الضربات في نهاية آب، بدا واضحاً أن المنطقة لم تخرج بعد من دائرة التصعيد. المشكلة هنا أن الولايات المتحدة وإيران لا تنظران إلى السلام بالطريقة نفسها. واشنطن تريد اتفاقاً يحد من البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي وقدراتها العسكرية، بينما ترى إيران أن التفاوض تحت الضغط العسكري والعقوبات لا يمكن أن يكون تفاوضاً متكافئاً. وفي النهاية، يدفع الشرق الأوسط ثمن هذا الصراع.
ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب الملاحة، تهديد الممرات البحرية، زيادة الإنفاق العسكري، واتساع مساحة المواجهة كلها نتائج لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، فالمنطقة التي تحتاج إلى التنمية والاستثمار وإعادة الإعمار تجد نفسها مجدداً أمام سباق تسلح جديد.
أوكرانيا.. حرب أخرى تثبت أن الانتصار العسكري لا يصنع السلام
وإذا كان الشرق الأوسط يقدم نماذج عديدة للحروب المفتوحة، فإن الحرب الروسية الأوكرانية تقدم درساً آخر للعالم. ففي 24 شباط 2022 بدأت روسيا غزوها واسع النطاق لأوكرانيا، وبعد أكثر من أربع سنوات لا يزال القتال مستمراً، رغم المحاولات المتعددة لإطلاق مفاوضات سلام.
وبحلول آب 2026، بقيت المفاوضات الأميركية الروسية الأوكرانية دون اتفاق نهائي على وقف إطلاق النار، فيما استمرت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتشير تقديرات مركز العلاقات الخارجية إلى أن الحرب قتلت أكثر من مليون شخص، وأن روسيا لا تزال تسيطر على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، فيما لم تنجح المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة حتى الآن في إنتاج وقف إطلاق نار دائم. وفي أواخر آب، أفادت تقارير بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، بينما كانت روسيا تستعد لتصعيد جديد في الهجمات. أوكرانيا، مثل الشرق الأوسط، تكشف أن الحرب قد تبدأ بشعارات سياسية وأمنية، لكنها سرعان ما تتحول إلى واقع يفرض نفسه على ملايين البشر. المدن المدمرة لا تعرف شيئاً عن الحسابات الجيوسياسية، والطفل الذي فقد منزله لا يهمه أي طرف يمتلك رواية سياسية أقوى. ما يهمه هو العودة إلى المدرسة، والنوم دون أصوات الانفجارات، والعيش في مكان آمن. وهذه هي جوهر فكرة السلام. فالسلام ليس هزيمة لطرف وانتصاراً لطرف آخر، بل هو إيجاد صيغة تمنع تكرار الحرب. وإذا كانت الحروب تستطيع تغيير الحدود وموازين القوى، فإنها نادراً ما تستطيع وحدها صناعة الاستقرار.
عملية السلام والمجتمع الديمقراطي” مشروع للشرق الأوسط
وأمام هذا الواقع المتأزم في الشرق الأوسط، ووسط صراع أنظمة الهيمنة العالمية على النفوذ وتحقيق المصالح بسحق الشعوب والاستيلاء على ثمار كدحهم؛ قدّم القائد عبد الله أوجلان مشروع السلام للشرق الأوسط وحلّ قضاياه العالقة؛ “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي” في السابع والعشرين من شهر شباط عام 2025م، حيث تهدف العملية إلى ترسيخ الاندماج الديمقراطي ليس في باكور كردستان وتركيا فحسب، وإنما في عموم الشرق الأوسط من خلال حثّ الدول على احتضان شعوبها المتعددة وتقديم الدعم والحماية لهم، وضمان حقوقهم في الدساتير الخاصة بها؛ وجاءت هذه العملية استكمالاً لعمليات السلام التي نادى بها القائد عبد الله أوجلان منذ عام 1993م لحلّ القضية الكردية في باكور كردستان وتركيا وحل قضايا الشرق الأوسط أيضاً.
السلام ليس هدنة.. بل خياراً سياسياً دائماً
من سوريا إلى فلسطين ولبنان، ومن إيران إلى أوكرانيا، تبدو الصورة واحدة رغم اختلاف الجغرافيا والتفاصيل: العالم يمتلك من الأسلحة ما يكفي لتدمير مدن كاملة، لكنه لا يزال عاجزاً عن استخدام ما يكفي من الإرادة السياسية لمنع الحروب.
الإنفاق العسكري يتزايد، والتحالفات العسكرية تتوسع، والقواعد تنتشر، والطائرات المسيّرة والصواريخ البعيدة المدى أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في مناطق واسعة. وفي المقابل، تتراجع المساحة المخصصة للحوار، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مناسبة السلام.
فإذا كان الأول من أيلول مناسبة رمزية للتذكير بالسلام، وإذا كان 21 أيلول هو اليوم العالمي الرسمي للسلام، فإن المطلوب ليس الاحتفال بالمناسبة فقط، بل طرح السؤال الأكبر حول شكل العالم الذي نريد بناءه. الأمم المتحدة نفسها تؤكد أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل يرتبط بالأمن والكرامة والعدالة والفرص والتعاون. الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من السلاح بقدر حاجته إلى مشاريع سياسية تعالج جذور الأزمات.
فلسطين تحتاج إلى حل عادل ومستدام، ولبنان يحتاج إلى سيادة ودولة قوية، وسوريا تحتاج إلى عقد سياسي جديد يضمن المشاركة والحقوق، وإيران والولايات المتحدة تحتاجان إلى العودة إلى طاولة التفاوض، بينما تحتاج المنطقة بأكملها إلى نظام إقليمي يضع أمن الشعوب قبل مصالح القوى المتنافسة.
أما أوكرانيا، فقد أصبحت مثالاً على أن استمرار الحرب سنوات طويلة لا يجعل السلام أكثر صعوبة فحسب، بل يجعل كلفته البشرية والاقتصادية والسياسية أكبر. ولهذا فإن السلام لا ينبغي أن يكون استراحة بين حربين. ولا ينبغي أن يكون اتفاقاً مؤقتاً ينتظر انهياره. ولا ينبغي أن يكون شعاراً في البيانات السياسية بينما تستمر الطائرات في التحليق والصواريخ في السقوط.
السلام الحقيقي يبدأ عندما تصبح طاولة الحوار أقوى من منصة إطلاق الصواريخ، وعندما يصبح احترام حقوق الشعوب أكثر فاعلية من فرض الإرادة بالقوة، وعندما تدرك الدول أن أمنها لا يمكن أن يبنى إلى الأبد على خوف الآخرين.