القصة بشكلها المعروف والتي تتضمن بداية ونهاية، وحبكة فنية تتصف بالخاتمة المفاجئة غير المتوقعة أو اللفتة الملتوية، ولها “حدوتة” تتمثل بها.. وتنسج حولها بالسرد وتناط بالشخصية، بالموعظة أو العبرة كتجربة إنسانية مكررة تروى مفعمة بالمشاعر والأحاسيس وبالمنولوج، التي تنمو وتتفاعل مع الذات في النفس وتتوالف مع محيطها.
ومن سمات القصة القصيرة الحبكة المفاجأة البارعة والإيجاز واللغة السلسة المعبرة بعيدا عن الحشو والتطويل والخاتمة المفاجأة كما قيل أعلاه، وهي عادة من مقومات القصة القصيرة الأصيلة.
وأنا هنا لست بصدد تعريف كامل وشامل للقصة أو القصة القصيرة كما اتفق عليها ردح من الزمن، نعم ليس هناك تعريف شامل وجامع عن الشكل الأمثل، حول الطول وعدد الصفحات وعن الحدث – الحدوتة، فقط يمكننا استحضار ما نظره بعضهم، كحدوتة وكشخصيات، والفكرة والمعنى، وتفجير لحظة المفارقة والمفاجأة، والسرد بما فيه من حوار ووصف ومنولوج داخلي، نعم هذه أهم المقومات التي تعرّف القصة كفن له خصوصية متكاملة، إن كانت معا أو كانت منفردة واجتمعت في نسيج قصة واحدة.
وليست هذه الأصول والقوانين قواعد موضوعة وإنما هي تقاليد هذا الفن، درجت الأجيال على اتّباعها حتى أصبحت أسس ثابتة لكتابة القصة القصيرة حتى ظلت القصة ردحا طويلا أمينة لخاصيتها، لا تكاد تحيد عنها عناصرها المعلومة في صيرورة بنائها الفني والتقني، أكان من بذرة الحدث (رشيم القصة) الموضوع – الخبر وهو أول عناصرها المهمة، فبدونها لا تربط أجزاؤها لمعنى كلي، وهي لحظات حياة معاشة عابرة تبدو تافهة للبعض أو في كثير من الأحيان عادية وغير ذو قيمة، والسرد الحكائي أو المنولوجي من لغة وهي المادة الأولية في السرد.
الوصف والحوار والتداعي الذي يقود بدايةً ووسطاً ونهاية، قد تتوهج بالمفارقة ولحظة التكامل والتوحد مع النص، والشخصيات والأبطال وصراعاتهم مع الفعل – الحدث كفاعل مؤثر للدوافع والأخيلة ومن ثم إلى الهدف والمآل، بما لتلك الشخصيات من أفعالها وردة فعلها هدف معين وهو ينشأ أصلا من العناصر الثلاثة السابقة الذكر أعلاه بما لا يتجزأ، وأخيرا الفعل الدرامي يأخذ في صيرورته إلى القفلة الأخيرة والتي يسميها د. رشاد رشدي (لحظة التنوير) لتتجمع شكل ورؤى القصة بإجمالها مجتمعة العناصر ومكتملة النهاية وبرز من خلالها معنى وهدف القصة القصيرة – كموعظة أو عبرة أو مثل أكان أخلاقيا أو تربويا أو ..إلخ ، مع الموقف أو المشهد السردي – الدرامي؛ وذلك لأن القصة القصيرة تعتمد وتركز على ما ذكر أعلاه من مقومات وعناصر مكملة للقصة القصيرة.
لقد كان هذا النمط من القص جديدا ومبتكرا في تناوله، لتناوله شخوصا من بين الأفراد العاديين وتستهدف التسلية والمفارقة والسخرية، مختلفة عما سبقها من القصص الغريبة التي اعتادت أن تختار شخوصها من بين الأبطال والآلهة أو الحيوانات، وتستهدف دائما توعية دينية وقصدا أخلاقيا، توازيا مع الموروث الديني من القصص في الكتاب المقدس.
وأنا هنا لست بصدد سرد تاريخي لفن ونوع هذا الجنس الأدبي بقدر ما هو متضمن بأصوله ومقوماته المعروفة المتوارثة. كما يقول د. رشاد رشدي وهو خير من تناول بالدرس والتمحيص والاستقراء والتحليل والمقارنة للقصة القصيرة، في معرض تقديمه في كتابه المعنون بذات الاسم: يقول ويسترسل بتعريف القصة القصيرة أنها ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل، بل هي لون من ألوان الأدب الحديث ظهر أواخر القرن التاسع عشر وله خصائص ومميزات شكلية معينة.
والقصة القصيرة باتت تشكل أدبا محكيا – قرائياً له أصوله ومقامه، وهي فن محدث في الأدب العربي، ولد فيه متأثرا بالأدب الغربي، ثم أخذ بالتطور حتى أصبح له كيانه الخاص وقوامه المستقل، وموضوعه الأصيل الذي يستقيه من الواقع الاجتماعي بما فيه من آلام وآمال، ومن الذات والنفس البشرية بما ينطوي عليها من أحاسيس ومشاعر متحولة وأفعال مرتبطة بالفعل المستجد، بحكايا وأحاديث وأخبار مسبوكة.
والقصة القصيرة شكل من أشكال الكتابة الإبداعية لا يزيد طولها في العادة على عشرة آلاف كلمة، ويمكننا أن نجد هذا النوع من القصص في الأمثال والحكايا الفلكلورية.. والكتب الدينية، بيد إن القصة القصيرة الحديثة التي عرفت بدقة أحكامها واتجاهها نحو نهاية محددة، وقد ظهرت في القرن التاسع عشر قصص محكمة كتبت بألفة وفنية رائعة على يد إدجار ألن بو 1809-1849م في أمريكا. وهنري 1862-1914م في أمريكا أيضا، وجي دي موبسان 1850-1893م في فرنسا، وأنطون تشيخوف 1860-1904م في روسيا، ولاقى هذا الجنس من الكتابات والتأليف رواجا كبيرا في الصحف والمجلات بصفة خاصة.
وظلت القصة القصيرة.. وستظل الوحدة الفنية والأدبية الأكثر شمولية لوحدتي الزمان والمكان ، التي تصور شخصياتها وحوادثها ومواضيعها، وتحولهم إلى أشباه أبطال حقيقيين، وهم بالأصل مستمدون من الحياة المعاشة والواقع المستمر، تجسيدا لموقف أو لفكرة، أو لفعل متضاد مع الماضي، لتقديم نمط الحياة بكل تجلياتها وأطيافها، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية ..إلخ، أو الحياة التي عاشتها الشخصيات أو الذي سيعيشونها الآن، بحياتهم وأحاسيسهم وأفكارهم ومشاكلهم ورؤياهم، والآلام والآمال التي يلاقونها/ نفسيا وبدنيا/ لما هو معادل أو مواز للتطورات الآنفة الذكر، والتي تعبر بالضرورة عن سلوكيات وأخلاقيات الأشخاص (الناس أنموذجا) في كل الوقت المحصور في مجتمع ما محدد بين قوسين، أو زمان أفقي لرسم خلاصة عن الواقع وتفاعلاته.
بالطبع لا نستطيع أن نمر من دون أن نذكر (تأويلا وتفسيرا) للأفكار الفلسفية والمبادئ الاجتماعية الذي يتضمنه العمل الفني الأدبي الآن وغدا، الذي تأثر بها، وأثر فيها، على التوالي الكاتب أولا وتهمّ القارئ ثانيا.. وهما المعنيان الأساسيان بشكل صريح أو مبطن بالإيحاء والرمز، وليحمل معنى أخلاقي مغاير، وهي تمازج مقولة الفن للفن، أو الفن للمجتمع، تعليما، ملحميا، ليصور المجتمع أو فئة منه كنماذج بعدة أصوات، حسب أنواعها وفسيفساءاتها الملونة، ومن الخاصية الفردية والأنا المتقوقعة إلى الجمعي وروح العام، ومن الفرد كذات إلى الإنسان ككل، ولتصور فئة من المجتمع الذي يراه. بعدة ألوان وشرائح حسب تنوع هذا المجتمع أو ذاك في مكان ما، ليس مهما مكان وجوده إلا بقدر ما يرويه الكاتب وليقدم بالتالي الإنسان كالمسمى مخلوق يعاني ويحس أو يحاضر وجوديا، وقد كرمه الله – لصيرورة اعتماد وعي مستقبلي وعلى ارتكازها على مفاهيم علمية وفنية وجمالية مستقبلية.
قد يكون الكاتب (القاص) متأثرا بتيار ما (أسلوبيا) بأشكال متنوعة لطرح شخوصه من عدمها، والذي يبدأها من محيطها وظروفه الذاتية، أو الموضوعية في صياغة انبهارية، بالنظر إلى الحوادث والشخصيات بمنظاره الخاص، ليكون بشكل أو بآخر بطلا لروايته، لقصصه، وبتفسيره الذاتي والضمني في سياق القصة ككل /الكاتب/ ليرى منها الحدث الدرامي لسيرها بالحبكة والمفارقة، حيث تنوع الأصوات والرؤى بالسرد والحاف والمنولوج الداخلي الحار، بعيدا عن الآخر الذي يشعر ويحس من ثم يفكر بموازاة الشخصيات الأخرى.
وهكذا ليقدم الإنسان ما يعتمل في دواخله من هموم ونزاعات، كل من منظوره يرى العالم ويتواصل معه، بروح قلقة تبحث عن خلاص دنيوي، هذا العبث القدري، مجبرا.. مخيرا، ليهرب من واقعه المزري، من قهره الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مجموعة متضادة ضده دون أن تمكنه إحداهما منه، ولا بد ستحبطه آماله وتجهض مبادئه ومسلماته.
لا بد أن يكون ذلك أحادي الرؤية، بالطبع لا أقصد رؤية الكاتب، بل الناقد أو المتناول لذلك العمل الأدبي بالبحث والدراسة، أن للعرض قاعدة متعارف عليها بين جماعة محدودة وموسومة باسم خاص بهم، ويكون الطرق فيه محفوفا بالمخاطر؛ لأن للنص عدة مستويات، وللقراءة مثلها، وبما أن القصة عالم مدهش، وثوب فضفاض، وقد لا يفي المرء الموضوع حقه، على الأقل، على الأقل من ناحية الشكل والأسلوب الفني والمضمون الدرامي، ومع أن عالم القصة متشعب وملون، لا شيء، بل بفعل كثرة الشخصيات واتجاهاتهم، والأحداث وصيرورتها، ورغم ما تتضمنه، تتمحور حول البطل كشخصية محورية، تعاني وتحس بقدر ما، حيث تأخذه أو تندرج تحت الأبعاد السابقة، اجتماعية، روحية سيكولوجية وأخلاقية/ ومن الإشكاليات الفردية أو الجماعية، أو المظاهرة. رغم أن للقصة عدة أنماط، عذرا لاتساع هذا المصطلح، من عمق ومساحة وأفق، يجد المرء صعوبة في تعريف تلك الخاصية وتقريبه لمفاهيم جاهزة أسلوبيا، من عدم تناسينا لكثير من السرد والمنولوج والخطابية بضمير المتكلم الغائب والمخاطب، سردا ومنولوجيا، أو على نسق إحداهما إلى نهايتها، دون أن يتكسر السرد الجميل بين الوهم الحقيقي وبين الواقع والخيالي، وبواقعية الوصف والشاعرية في تصوير نفس البشرية، وبحقيقة قاسية بعدم قناعة التغيير وبلا جدوى المبادئ والعقائد الوضعية والروحية في الإصلاح والتطوير، وهذا الجمود الفعلي والمروجة ضمن مساحة ضيقة في المجتمع من جراء التقاليد والأعراف، مع التخفيضات التي أكملت به، حيث يصطدم المرء به نتيجة ظروف لم يفهمها، إن فهمها فبطريقة أخرى، نتيجة المستجدات التي ألمّت بالمجتمع والتي لم يتوقعها إلا لاهثا وهي تلاحقها من فضاء رحب إلى آخر أرحب.
والقصة عامة تعريفا: حكاية أم قصة، أو حدث ما، هي رواية القول والفعل، وهي كما هي محاكاة لواقع وشخصيات، أفكارا وتطورات، والتي تشخص الحاضر والمستقبل، والماضي وللتاريخ معا، وتحكي عن بعض جوانبه، أو ككل من الحياة اليومية مجزأ أو منقطعة، اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا، ولا بد منها قد تتجمع لتتكامل في الرؤية والقصة، سردا لحياة الوجود.
وعادة تعتمد القصة (ومن بعد القصة) على الخبر والحدث والسمر /كحدث واقعي أو متخيل/ أو على الخرافة حتى النضال وتعاد، وهي عادة (الرواية والقصة) ذات نهاية كما هي ذات بداية، ولكن قد نجد نهايات مفتوحة وكما قد تكون بدايتها مفتوحة، فلها خير فضائي واسع أفقي وعامودي معا.
ولما كانت القصة تختص بقدر كبير من الحرية في سردها ونثرها، من حيث الصياغة والموضوع، وعلى تنوع الشخصيات والإكثار منها، ولا بد أن ذلك يتزامن مع الحجم ودرجة التكثيف والحبكة ووحدة الموضوع دون جوانب وتشعبات أخرى. ولا بد لكل شخصية مثيلها في الحياة… وهي شخصية تحاكيه وهي مستمدة أصلا من ذكرى من سيرة من فعل من فكرة أو شخصية تاريخية.
تعريف القصة كما أراها
فمن أولويات القصة القصيرة أن يكون الخبر الذي تريد أن ترويه ذا معنى وذا طرفة أو ذا هدف. وإلا لكان الخبر أو الروي رغيا لا غير، لذا يجب أن تتصل تفاصيله وأجزاؤه معا، ليكـّون بمجموعها أثرا أو معنى كليا، وأن يكون لـه بداية (الطرح) ووسطا أي (الموقف)، ونهاية أي (الخاتمة)، أو المعنى والمغزى، يسردها الراوي – القاص بحيث يعطي معنى كليا متجانسا.
إذن فدون جزئيات وتفاصيل ومعلومات عن الشخصية أو المكان، لا يكتمل الحدث في القصة، وكذلك الحوار والبيئة والمكونات الأخرى المكملة للقص، أي دون إلقاء الضوء عليها وتضخيمها، تصويرا وتحاكيا مع الحياة تصويرا واقعيا معقولا تطابقا مع الواقع والطبيعي، بكل دقائق الحياة واللحظات العابرة المنفصلة.
وباكتشاف الحقائق من الأمور الصغير والعادية المألوفة من لحظاتها المنفصلة المتتابعة المتنوعة، إلخ، وبحق فإن كل خبر أو حدوته لا تصلح لأن تكون قصة كاملة، إن لم تتوج بالحدث والشخصية والهدف، بقليل من الانفعال والسرد والحوار، وهكذا إلخ، لأن الذي يصورها هو المادي والمحسوس من الأخبار والتفاصيل والمعلومات، وليس الخيال والعواطف والشطح في مجازيات الكلام واللغة وألق الجناس فقط.
ففي القصة القصيرة من أولوياتها وجوب وجود شخصية تتنامى رويدا رويدا، وهي تحمل معاناة أو هدفا، ترتسم صورتها بالمخيلة كنموذج معاد، وتبقى أقرب بل أوضح لشخصية حقيقية حية ولها مسار محدد بأطر الروي.. وكذلك يرصد هنالك ردود أفعالها بسيرة منطقية الفعل تظهر بالسرد الإنشائي حتى تستوفي شروطها وتصل إلى الخاتمة- العبرة والهدف.. بتلك الخاتمة الحبلى بمفاجأة ومفارقة مدهشة تجذب الاهتمام، تفجر القصة وتضيئها كنقطة مركزية لها، وهي تحبل بالرمز والدلالة وتؤول إلى حكمة أو عبرة أو موعظة أو أي سلوك أخلاقي تسمو بالمرء، أو متعة وتسلية ممتعة ووقتا جميلا.
ولست أقصد هنا وأدّعي بأن على الكاتب أن يقدم حلولا فوقية ومواعظ توفيقية، ولا تنبئية تبشيرية، حلولا جاهزة ومفصلة من رتم ما ارتآه مناسبا. لمجتمع ما، أو لظرف ما محدد، ومن هنا ومن هناك ويفضي بأسرار ملغزة سيريالية ـ تجريدية غير واقعية، فليس من مصلحة الأديب الكاتب أو القاص أن يكون إلا أنسانا يصيب ويخطئ في آن منفرد، وهذا هو الصدق بعينه، رغم أنه يكتب في مكان وزمان محدد ولفترة ترادفية، إلا أن ما يجعله لكل الوقت هو الصدق الإنساني المتبدي فيما يطرحه، وليس الديماغوجي لمقولة ما ترفيهية، وما يمتلكه أوانه. لذلك؛ فإنه الأصدق الذي يعبر عن المجتمع وبيئته آلامه وتطالعه ـ معاناته وانجازاته، ماديا وروحيا.