الدرباسة/ نيرودا كرد – لم تكن الأعوام الطويلة التي قضاها القائد عبد الله أوجلان في سجن إمرالي مجرد سنوات من العزلة والاحتجاز، بل تحولت، بفعل التحولات الفكرية والسياسية التي رافقت هذه المرحلة، إلى مساحة لإعادة قراءة قضايا الحرب والسلام والدولة والمجتمع والديمقراطية.
فمنذ اختطافه في 15 شباط 1999، حاولت السلطات التركية عزله عن محيطه السياسي، والمجتمعي، إلا أن أفكاره ومقترحاته استمرت في الوصول إلى الرأي العام، وتحولت مع مرور الوقت إلى جزء من النقاش المتعلق بالقضية الكردية ومستقبل المنطقة.
وعلى امتداد ما يقارب ثلاثة عقود، شهد فكر القائد عبد الله أوجلان، تحولات عميقة، انتقل خلالها من التركيز على فكرة الدولة القومية، إلى طرح يقوم على المجتمع الديمقراطي، والتعايش بين الشعوب، والمساواة بين الجنسين، والحل السياسي للقضايا العالقة، وباتت الديمقراطية والحوار والسلام مفاهيم أساسية في رؤيته لمعالجة القضية الكردية، والأزمات التي تعيشها المنطقة.
شكّل اختطاف القائد عبد الله أوجلان، محطة مفصلية في تاريخ القضية الكردية، ولا سيما أنها جاءت في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، ومنذ نقله إلى إمرالي، فُرضت عليه ظروف عزل مشددة، هدفت إلى قطع صلته بالمجتمع ومحيطه السياسي.
غير أن سياسة الإبادة والتعذيب “العزلة”؛ لم تمنع استمرار النقاش حول أفكاره، ومع مرور السنوات، تحولت إمرالي إلى عنوان حاضر في النقاشات السياسية المتعلقة بالحل الكردي، والسلام في تركيا، فيما أخذت مقترحاته تتجاوز الإطار الكردي، لتتناول طبيعة الدولة والعلاقة بين الشعوب، وأسس بناء مجتمع ديمقراطي. ولم تعد القضية للقائد عبد الله أوجلان، مرتبطة بإيجاد حل أمني للصراع، بل أصبحت، وفق رؤيته، مرتبطة بضرورة معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي تقف خلفه، ومن هنا برزت الدعوة إلى الحوار والاعتراف بالحقوق والانتقال من منطق الصراع إلى منطق السياسة الديمقراطية.
من الدولة القومية إلى المجتمع الديمقراطي
يُعد التحول الفكري الذي طرأ على رؤية القائد عبد الله أوجلان، من أبرز سمات تجربته خلال سنوات السجن، فقد أعاد النظر في مفهوم الدولة القومية، وطرح بدلاً منه تصوراً يقوم على تنظيم المجتمع على أساس الديمقراطية والمشاركة والتعايش. وفي هذا التصور، لا يكون الحل في إقامة حدود جديدة أو إنشاء دولة قومية أخرى، وإنما في بناء نظام سياسي، واجتماعي، يستطيع مختلف الشعوب والمكونات العيش في إطاره على أساس المساواة والحقوق.
وتشمل هذه الرؤية الكرد، والعرب، والتركمان، والسريان، والأرمن، وسائر شعوب المنطقة، انطلاقاً من أن التعدد القومي والثقافي والديني، ما يمكن أن يشكل أساساً لبناء حياة سياسية أكثر ديمقراطية، كما احتلت قضية المرأة، والبيئة، وتنظيم المجتمع، ومواجهة احتكار السلطة، موقعاً مهماً في مشروعه الفكري، الأمر الذي جعل خطابه يتجاوز القضية الكردية، بمعناها الضيق نحو طرح أوسع يتعلق بمستقبل المجتمعات والدولة في الشرق الأوسط.
شهدت السنوات الأخيرة، تحولاً هاماً في مسار القضية الكردية، مع تصاعد الدعوات إلى إنهاء الصراع، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على السياسة والحوار، وفي 27 شباط 2025، وجّه القائد عبد الله أوجلان، نداءً دعا فيه إلى إنهاء الكفاح المسلح، والانتقال إلى مرحلة السياسة الديمقراطية، في خطوة عكست المسار الذي تطور في خطابه السياسي والفكري خلال سنوات طويلة.
وتلا ذلك إعلان حزب العمال الكردستاني، إنهاء الكفاح المسلح، لتدخل القضية مرحلة جديدة تطرح أسئلة مختلفة، لم يعد محورها استمرار الحرب، وإنما كيفية الانتقال من وقف القتال، إلى معالجة جذور القضية سياسياً وقانونياً، فالسلام وفق هذا المسار، لا يمكن اختزاله في غياب أصوات السلاح، وإنما يحتاج إلى أرضية سياسية وقانونية، تضمن الحقوق والحريات، وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية، وتعالج القضايا التي بقيت عالقة لعقود.
التحولات الهامة في المشهد السياسي التركي
لم يقتصر تأثير مسار السلام على الجانب الكردي، بل انعكس أيضاً على مواقف داخل المشهد السياسي التركي، فقد شهدت الساحة السياسية، خلال الفترة الأخيرة، مواقف ودعوات جديدة تجاه القضية الكردية ومسار السلام، ومن أبرز هذه التحولات مواقف دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، الذي انتقل من موقف تقليدي متشدد تجاه القضية الكردية، إلى طرح أفكار تتعلق بالحوار مع أوجلان وفتح المجال أمام مسار جديد للسلام. وتكشف هذه التحولات أن استمرار الصراع لعقود لم يعد قابلاً للمعالجة بالوسائل الأمنية وحدها، وأن البحث عن صيغة سياسية أصبح ضرورة تفرضها المتغيرات الداخلية والإقليمية، لكن الانتقال إلى السلام لا يعني أن القضية الكردية قد حُلّت؛ فما زالت ملفات الاعتراف بالهوية، والحقوق الثقافية، والسياسية، والضمانات القانونية، والحريات الديمقراطية، كما أن نجاح أي مسار للسلام يتطلب إجراءات عملية تتجاوز التصريحات السياسية.
من أبرز الجوانب التي تميز رؤية القائد عبد الله أوجلان، الربط بين حل القضية الكردية والتحول الديمقراطي في تركيا والمنطقة، فالديمقراطية، في هذا التصور، لا يمكن أن تكون مكتملة في ظل إنكار هوية شعب، أو تقييد حقوقه الثقافية والسياسية، ومن هنا، فإن الاعتراف بالحقوق الكردية، لا يُنظر إليه باعتباره امتيازاً لهم، وإنما باعتباره جزءاً من عملية بناء نظام ديمقراطي يتسع لجميع الشعوب المجتمعية.
وتبرز اللغة، والثقافة، والتعليم، والمشاركة السياسية، والحريات العامة، باعتبارها ملفات أساسية في أي حل مستدام، كما أن الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، يمكن أن يسهم في تجاوز سياسات الإنكار والإقصاء، التي شكلت أحد أسباب الصراع خلال العقود الماضية.
التأثير الذي تجاوز حدود كردستان
لم تبق أفكار القائد عبد الله أوجلان، محصورة في إطار الصراع الكردي التركي، بل امتد النقاش حولها إلى أجزاء كردستان الأربعة، وإلى دول المنطقة، فالقضايا المتعلقة بالديمقراطية، والتعايش، وحقوق الشعوب والمكونات، وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، أصبحت حاضرة في النقاشات السياسية والفكرية في سوريا، والعراق، وإيران، وتركيا.
غير أن امتداد هذه الأفكار لا يعني بالضرورة تطبيق نموذج سياسي واحد في جميع المناطق، إذ تمتلك كل دولة، وكل جزء من كردستان، ظروفاً تاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة، إلا أن المشترك بينها يتمثل في البحث عن صيغ تضمن الاعتراف بالتنوع، وتحقيق المشاركة السياسية، ومنع احتكار السلطة.
مع انتقال النقاش من الحرب إلى السلام، تواجه الدولة التركية اختباراً سياسياً جديداً، فالمطلوب لم يعد إدارة القضية الكردية، من منظور أمني، وإنما التعامل معها باعتبارها قضية سياسية، تتطلب حلاً ديمقراطياً، ويطرح ذلك مجموعة من الأسئلة حول قدرة الدولة على تحويل وقف الصراع إلى مسار سياسي حقيقي، وحول مدى استعدادها لاتخاذ خطوات قانونية ودستورية تضمن الحقوق والحريات، وتفتح المجال أمام مشاركة سياسية متساوية، فالسلام المستدام، لا يُبنى فقط من خلال الاتفاقات، بل يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح للمجتمع بممارسة حقوقه، وإلى ضمانات تمنع العودة إلى مربع الصراع.
بعد سنوات طويلة من الحرب والعنف، تبدو المرحلة الحالية أمام مفترق طرق، فإما أن تتحول التطورات الأخيرة إلى بداية لمسار سياسي يعالج جذور القضية، أو تبقى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانتكاس عند أول أزمة، وهنا تبرز أهمية تحويل الأفكار المطروحة، حول المجتمع الديمقراطي والسلام، إلى خطوات ملموسة، تبدأ بالاعتراف بالحقوق، وتوفير الضمانات القانونية، وفتح المجال أمام الحوار والمشاركة السياسية، وإطلاق مسار شامل يشارك فيه مختلف أطراف المجتمع.
لقد غيّرت سنوات إمرالي، الكثير من ملامح خطاب القائد عبد الله أوجلان، وأصبح السلام والحوار والديمقراطية، في مركز مشروعه السياسي والفكري، واليوم، ومع دخول القضية الكردية مرحلة جديدة، لم يعد السؤال يتمحور فقط حول استمرار الحرب أو توقفها، بل حول قدرة الأطراف المعنية على بناء حل سياسي دائم.
فإنهاء الصراع الحقيقي لا يعني إسكات السلاح فقط، وإنما إزالة الأسباب التي دفعت إلى حمله، وفتح الطريق أمام مجتمع يعترف بتعدده، ودولة تضمن المساواة والحقوق لجميع مواطنيها، ومن هنا، فإن الاختبار الأكبر للمرحلة المقبلة سيكون في تحويل شعار السلام إلى واقع سياسي، وتحويل نهاية الحرب إلى بداية فعلية لمسار ديمقراطي يفتح أمام شعوب المنطقة فرصة جديدة للعيش المشترك والاستقرار.