قامشلو/ علي خضير – احتجاجاً على قرار الحكومة السورية الانتقالية القاضي بتخصيص ثلاث حصص أسبوعياً فقط لتدريس اللغة الكردية في المدارس، ودعماً لمطلب التعليم باللغة الأم، نظم طلاب وأساتذة من جامعة روج آفا، الاثنين 31/8/2026، وقفة أمام مبنى الجامعة في مدينة قامشلو، أكدوا خلالها تمسكهم بحقهم في التعلم باللغة الكردية، ورفضهم أي قرار من شأنه الحد من حضورها في العملية التعليمية.
وجاءت الفعالية في ظل استمرار ردود الفعل الرافضة للقرار الحكومي من جانب الأهالي والفعاليات التعليمية والثقافية والمجتمعية في المناطق ذات الغالبية الكردية، وسط تأكيدات على أن اللغة الأم لا ينبغي أن تُعامل كمادة دراسية محدودة الساعات، بل باعتبارها حقاً ثقافياً وتعليمياً أساسياً، وركيزة من ركائز الهوية المجتمعية.
وخلال الوقفة، أدلى الطلاب والأساتذة ببيان إلى الرأي العام، دعوا فيه الجهات المعنية إلى إعادة النظر في القرار، واعتماد سياسات تعليمية تقوم على المساواة بين الشعوب السورية المتعددة، وتحمي حق كل مجموعة قومية ولغوية في استخدام لغتها في التعليم والثقافة والحياة العامة.
القرار يلغي سنوات من التعليم باللغة الكردية
وفي بياناتهم، رفض الطلاب القرار رقم 943/2068 الصادر عن مجلس التعليم السوري، معتبريه يمس حقوقهم الثقافية واللغوية، ويهدد ما تحقق خلال السنوات الماضية في مجال التعليم باللغة الكردية، وحملوا يافطات كتبوا فيها (الكردية لغة تعليم ومعرفة وليست مجرد لغة تواصل، التعليم باللغة الكردية استحقاق إنساني، والتعليم باللغة الكردية حق وعلى الدستور أن يضمنه، لا عدالة تعليمية في سوريا دون التعليم باللغة الكردية).
وجاء في البيان: “نحن طلاب جامعة روج آفا، نرفض القرار رقم 943/2068 الصادر عن مجلس التعليم السوري، الذي يحرمنا حقوقنا الثقافية واللغوية، هذا القرار يُبطل 12 عاماً من تعليمنا بلغتنا الأم”.
وأضاف الطلاب: “إن حصر اللغة الكردية ضمن عدد محدود من الحصص الدراسية من شأنه تكريس واقع تكون فيه لغات أخرى ذات حضور ومكانة أعلى من اللغة الكردية؛ الأمر الذي اعتبروه استمراراً لسياسات التهميش اللغوي التي عانى منها الكرد لعقود”.
وأكدوا، أن حق التعلم باللغة الأم لا يرتبط فقط بالهوية والثقافة، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية وقدرة الطالب على استيعاب العلوم والمعارف والتعبير عنها بلغته الأصلية.
وأشار البيان، إلى أن الشعب الكردي في مناطق روج آفا بدؤوا منذ عام 2014 بتلقي التعليم باللغة الكردية، ضمن نظام تعليمي جرى تطويره تدريجياً ليشمل المراحل الدراسية المختلفة وصولاً إلى التعليم الجامعة.
ورغم عدم اعتراف أي حكومة أو جهة رسمية، وفق ما ورد في البيان، بالشهادات الصادرة عن هذا النظام التعليمي، فقد استمر العمل على تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية، وإنشاء مدارس وجامعات تعتمد اللغة الكردية في التدريس.
وعدَّ المحتجون، أن هذه التجربة أثبتت، على مدى أكثر من عقد، إمكانية استخدام اللغة الكردية لغة للتعليم والعلوم، كما اعتبروا أن تجربة التعليم متعدد اللغات التي طُبقت في المنطقة يمكن أن تشكل نموذجاً قابلاً للتطبيق ضمن سوريا متعددة القوميات واللغات.
وحسب المشاركين في الوقفة، فإنَّ تقليص حضور اللغة الكردية في المدارس لا يمثل مجرد تعديل في عدد الحصص الدراسية، بل قد يؤدي إلى قطع مسار تعليمي امتد لسنوات، ويخلق فجوة بين الأجيال التي تلقت تعليمها باللغة الكردية وبين الأجيال الجديدة.
مكانة اللغة الكردية في سوريا الجديدة
ويأتي الجدل حول القرار في سياق التحولات السياسية والدستورية التي شهدتها سوريا، حيث يشير المحتجون إلى أن المرسوم الثالث عشر لرئيس الحكومة السورية الانتقالية أقر اللغة الكردية بوصفها لغة وطنية في سوريا، واعتبرها لغة أصلية للشعب السوري.
ويرى الطلاب والأساتذة، أن اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية وأصلية، في الوقت الذي فيه يصدر قرار تعليمي يتعامل معها كلغة أجنبية أو يحصر تعليمها بثلاث حصص أسبوعية، يمثل تناقضاً بين الموقف المعلن والسياسات التعليمية المطبقة على الأرض.
ويطالب المحتجون، بأن تنعكس الاعترافات المتعلقة بالتعدد اللغوي والقومي في سوريا على النظام التعليمي، بما يضمن حق الشعوب في تدريس أبنائها بلغاتهم الأم، وعدم تحويل اللغة إلى مادة اختيارية أو هامشية.
رفض حصر الكردية بثلاث حصص أسبوعية
وعلى هامش الوقفة، تحدثت المدرسة في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة روج آفا “سوركل عبد السلام” لصحيفتنا “روناهي” عن أسباب الاحتجاج وموقف العاملين في القطاع التعليمي من القرار: “إنَّ الاحتجاج يأتي رفضاً لقرار وزارة التربية بشأن تخصيص ثلاث حصص للغة الكردية في مدارس المناطق ذات الغالبية الكردية”، معتبرةً، أن القرار يمثل إجراءً إقصائياً بحق ما تحقق من إنجازات وممارسات تعليمية خلال السنوات الماضية.
وأوضحت، أن تجربة التعليم باللغة الكردية لم تقتصر على إنشاء المدارس أو إعداد المناهج، وإنما تطورت لتصل إلى التعليم الجامعي، حيث جرى افتتاح تخصصات ومجالات علمية متعددة باللغة الكردية.
وطالبت سوركل، بتعديل القرار بما يضمن الحقوق الدستورية والثقافية للشعب الكردي، مؤكدةً، أن من حقه، أسوة بالشعوب والمكونات الأخرى في العالم، استخدام لغته كلغة تدريس رسمية وعلمية.
وأضافت: “جامعة روج آفا تمثل أبرز المؤسسات التي تجسد هذه التجربة”، مشيرة إلى أن العديد من المجالات والتخصصات العلمية باتت تُدرّس باللغة الكردية، الأمر؛ ما يشكل تراجعاً للغة والثقافة الكرديتين.
ومن جانبه، أوضح الرئيس المشترك للمعهد العالي للإعلام في جامعة روج آفا “مسعود محمد”، أن الوقفة جاءت تعبيراً عن الحشد والتضامن ورفض القرار المتعلق بتخصيص ثلاث حصص تدريسية باللغة الكردية.
واعتبر “محمد”، أن القرار يتعارض مع الإعلان الدستوري، ولا سيما المادة السابعة، البند الثالث، التي تنص على تكفل الدولة بحماية وتعزيز ثقافة ولغات جميع الشعوب في سوريا.
وانطلاقاً من ذلك، دعا “محمد”، إلى اعتماد اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في الدستور السوري، مؤكداً أن حق الشعب الكردي في التعلم بلغته والحفاظ على ثقافته ينبغي أن يكون جزءاً من الإطار الدستوري والقانوني للدولة.
كما رفض أن تقتصر دراسة اللغة الكردية على أنها مادة اختيارية، مطالباً باعتمادها لغة تدريس رسمية في المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا، بما ينسجم مع مبدأ المساواة بين الشعوب السورية.
مطالب بإعادة النظر في القرار
ولا تقتصر اعتراضات الطلاب والأساتذة على الجانب الثقافي واللغوي، إذ يحذر المحتجون من انعكاسات القرار على جودة التعليم ومستقبل الطلاب الذين أمضوا سنوات في نظام تعليمي قائم على اللغة الكردية.
ويرى “محمد”، الانتقال المفاجئ من نظام يعتمد اللغة الكردية في التدريس إلى نظام يحصرها في ثلاث حصص أسبوعية قد يفرض تحديات تعليمية على الطلاب، خصوصاً الذين تلقوا تعليمهم السابق باللغة الكردية، وقد يؤثر في قدرتهم على متابعة المواد العلمية والأكاديمية بلغتهم المعتادة.
كما يعتبر، أنَّ تطوير التعليم باللغة الأم يتطلب الاستثمار في إعداد المناهج والكوادر التعليمية والمصطلحات العلمية، وليس تقليص المساحة المخصصة للغة داخل المدارس.
وفي ختام البيان، وجه طلاب جامعة روج آفا، دعوة إلى الجهات المعنية والضامنة والداعمة لاستقلال اللغات لإعادة النظر في القرار، والعمل بدلاً من ذلك على إصدار قرارات تساهم في تعزيز المساواة وحماية التنوع اللغوي والثقافي في سوريا، وسط هتافات (لا حياة بدون لغة).
وأكدوا، أنَّ بناء سوريا الجديدة؛ يتطلب إزالة أي تمييز على أساس العرق أو اللغة، وضمان حقوق الشعوب ضمن منظومة قانونية ودستورية واضحة.
وتأتي وقفة جامعة روج آفا في وقت تتواصل فيه البيانات والمواقف الرافضة لقرار تخصيص ثلاث حصص أسبوعية للغة الكردية، في مؤشر على اتساع النقاش حول مستقبل التعليم والحقوق اللغوية في سوريا.
فالقضية تتجاوز عدد الحصص المخصصة للغة الكردية، لتتعلق بمكانة اللغة الأم في النظام التعليمي، وبمستقبل تجربة تعليمية استمرت لأكثر من عقد، وأصبحت جزءاً من واقع اجتماعي وتعليمي راسخ في المناطق الكردية.
ويرى المشاركون في الاحتجاج أن معالجة الملف تتطلب حواراً بين الجهات الحكومية والفعاليات التعليمية والمجتمعية، وصولاً إلى صيغة تضمن حق الطلاب في التعليم بلغتهم الأم، وتحافظ في الوقت ذاته على وحدة النظام التعليمي السوري ضمن إطار يعترف بالتعدد اللغوي والثقافي باعتباره جزءاً من واقع البلاد.