تظلُّ الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ساحةً مفتوحة لإعادة صياغة التوازنات الإقليميّة بأسلوبٍ أقرب إلى منطق “الصفقات البراغماتيّة الصارمة”. وفي هذا الفضاء، لم يكن تحرك الملياردير ورجل الأعمال الأمريكيّ المقرّب من الرئيس دونالد ترامب، ورئيس لجنة تنصيبه الأسبق، توم باراك (79 عاماً)، مجرد إدارة دبلوماسيّة عابرة؛ بل مثّل إعلاناً رسميّاً عن ولادة مفهوم “المقاولة السياسيّة” كبديلٍ بنيويّ للدبلوماسيّة الكلاسيكيّة، وتنطلق هذه القراءة من تفكيك إيقاع هذا الدور الميدانيّ وسياقاته الممتدة بين دمشق، بغداد، وأنقرة، حيث تُختزل الأزمات وتطلعات الشعوب إلى مجرد أصول استثماريّة تجري تصفيتها لتخفيض التكاليف العسكريّة والجيوسياسيّة لواشنطن.
عقيدة المقاول وتكامل الأدوار
يتطلب فهمُ المشهد السوريّ المعاصر تفكيكَ العلاقةِ الوظيفيّة والتوزيع الدقيق للأدوار بين رأس الهرم في واشنطن ووكيله الميدانيّ في المنطقة، بما يحاكي آليّة إدارة الشركات القابضة للأزمات الدوليّة. فبينما يتحرك الرئيس دونالد ترامب في الفضاء الدوليّ الأوسع لخوض الحروب التجاريّة الاقتصاديّة الشرسة ضد الصين وممارسة الضغط الأقصى على خصومه، تُرِكت الساحة الإقليميّة وتفاصيلها المعقّدة بالكامل لتوم باراك منذ تعيينه سفيراً لدى أنقرة في 14/5/2025، ثم مبعوثاً إلى سوريا في الشهر ذاته، ورغم إعلان وزير الخارجيّة ماركو روبيو انتهاء مهمته كمبعوثٍ عبر القنوات الخارجيّة التقليديّة في 30/5/2026، سارع ترامب في اليوم التالي مباشرةً 31/5/2026، إلى منحه تفويضاً رئاسيّاً أوسع كمبعوثٍ رئاسيّ خاص إلى سوريا والعراق معاً، مستفيداً من مرونته وقربه الشخصيّ من البيت الأبيض لتجاوز البيروقراطيّة الكلاسيكيّة وعقد صفقاتٍ مباشرة على الأرض.
تحوّل باراك بذلك إلى “المترجم الميدانيّ” لعقيدة “أمريكا أولاً”، هادفاً إلى إنهاء نفوذ المجموعات خارج إطار الدولة، وتحقيق انسحاب أمريكيّ آمن يخفّض الكلفة العسكريّة الإجماليّة دون تحمّل أعباء أخلاقيّة تجاه الحلفاء المحليين، وتُعيد هذه المرونة الدبلوماسيّة وأسلوب الواقعيّة الصارمة إلى الأذهان مسيرة كبار رجال المهام الصعبة الأمريكيين؛ فهو يتشابه إلى درجة ما مع بريت ماكغورك الذي أدار ملف التحالف الدوليّ ضد “داعش” (2015 – 2021) وهندس الشراكة المؤقتة مع الكرد، ويشبه زلماي خليل زاد الذي أدار التوازنات المعقّدة كأرفع مبعوث وسفير في أفغانستان والعراق (2003 – 2007) ثم مبعوثاً للمصالحة (2018 – 2021)، كما يسير على نهج برنت سكوكروفت مستشار الأمن القوميّ الأسبق (1975 ــ 1977 و1989 ــ 1993) في إعلاء الاستقرار الإقليميّ والمصالح العليا للدول على الحسابات الأيديولوجيّة. ومن هذا المنطلق، تحولتِ السياسة الأمريكيّة تجاه سوريا من حماية الشركاء الميدانيين إلى تصفية أصول سياسيّة بناءً على جدواها الاقتصاديّة وملاءمته للصفقة الكبرى لمواجهة النفوذ الصينيّ والروسيّ المتصاعد في المنطقة بأكملها.
كبح طهران ومناهضة حزب الله
يتكامل هذا المسار البراغماتيّ بنظرة واشنطن الصارمة تجاه النفوذ الإيرانيّ وأذرعه في المنطقة كأحد الأهداف الرئيسيّة لإعادة هندسة التوازنات الإقليميّة، وضمن هذا التوجه، تحرّك باراك لتقويض نفوذ الفصائل الموالية لطهران وإعادة الاعتبار لسلطة الدولة المركزيّة، متسلحاً برؤية سياسيّة تجسّدت في مواقفه وتصريحاته الممتدة؛ وحذّر الدولة اللبنانية علناً في 11/6/2025، من خطر وجوديّ حقيقيّ يهدد البلاد إن لم تتحرك لمعالجة المعضلة الأمنيّة والسياسيّة المرتبطة بترسانة “حزب الله”، معتبراً أنّ استمرار هذا النفوذ يمثل عائقاً أمام أيّ استقرارٍ إقليميّ.
هذه السياسة المناهضة للمشروع الإيرانيّ تلاحمت بنيويّاً مع تحركاته اللاحقة على الجبهتين السوريّة والعراقيّة، حيث وجّه في 27/1/2026، تحذيراً قاطعاً ومباشراً أكّد فيه أنّ “أيّ حكومةٍ تُنصَّب من إيران لن تكون ناجحة”، سواء على مستوى تطلعات العراقيين والسوريين إلى مستقبل أكثر إشراقاً، أو في إطار إقامة شراكة فعّالة مع واشنطن، ممهداً الطريق لخطته الهادفة لإنهاء نفوذ المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة، وفي 22/8/2026 وضمن مقاربةٍ واقعيّةٍ لإدارة النزاع، عاد باراك ليشير بوضوحٍ إلى أنّ إيران وحزب الله يمثلان القوةَ الفعليّةَ الغائبةَ عن طاولةِ أيّ تسويةٍ حقيقيّةٍ في المنطقة، ما يعكس رغبة “المقاول السياسي” في عزل وحصار الأوراقِ الإيرانيّة، ودفع الأطرافِ الإقليميّة نحو تقديم تنازلاتٍ جوهريّةٍ تصبُّ في خانةِ التفاهماتِ الأمريكيّةِ ــ التركيّةِ الجديدة وتُنهي الوجودَ العسكريّ المستقلَ الموالي لطهران.
فخ الاستنزاف والاتفاق الوطنيّ
وفي الداخل السوريّ، وظّف باراك تكتيكات الضغط السياسيّ والأمنيّ لتجريد الأطراف المحليّة من فائضِ قوتها وكسر إرادتها المستقلة؛ وتكشف الوقائع الميدانيّة عن تقديمه عرضاً مشروطاً لقيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يربط بين استمرار الدعم الأمريكيّ وفتح جبهة عسكريّة ضخمة ومستنزفة ضد فصائل الحشد الشعبيّ على الحدود السوريّة العراقيّة، ولم تكن هذه المناورة تهدف إلى تثبيتِ الاستقرار، بل كانت فخاً جيوسياسيّاً مزدوجاً يستهدف استهلاكَ القدراتِ البشريّة والعسكريّة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في حرب بالوكالةِ خارج جغرافيتها الأساسيّة، ما يسهّل تفكيك بنية الإدارة الذاتيّة لاحقاً بعد إنهاكها تماماً، وعندما أبدت القيادة الكرديّة رفضاً حازماً لهذا الطلب لإدراكها خطورة الانتحار العسكريّ، ترجم باراك هذا الرفض إلى استراتيجيةٍ انتقاميّةٍ باردة تمثلت في رفع الغطاء الأمريكيّ بالكامل عن المنطقة، ممهداً الطريق لدمشق لشنِّ هجومٍ واسعٍ بدأ من ريف حلب الشرقي وصولاً إلى ريف الزور مروراً بمحافظة الرقة في 18/1/2026 وذلك بعد يوم واحد من زيارة لوفد من التحالف الدوليّ إلى مدينة دير حافر، وهذا أمر لا يغيب عنه توم باراك شخصيّاً، وكان المطلوب وضع “قسد” في حصار جغرافيّ خانق بين مطرقة تقدم القوات الحكوميّة وانقلاب ما تسمى بالعشائر وسندان التهديدات التركيّة، وأسفر عن اشتباكات دمويّة وحوادث مؤسفة دفع ثمنها المدنيون على الأرض عقب دخول قوات الأمن الداخليّ إلى مدينة الحسكة في 2/2/2026، تنفيذاً لاتفاق 29/1/2026 ما أدى إلى حالةٍ فوضى وتخبّط ميدانيّ.
لكن في مقابل هذه الضغوط الشرسة، تُثبت الوقائع على الأرض أن قرار الاندماج الأخير لم يكن مجرد انكسار للمناورات الخارجيّة، بل مثّل خياراً وطنيّاً شجّاعاً ومسؤولاً اتخذته قيادة “قسد” لحقن دماء السوريين وحماية مكتسبات شعوب المنطقة من أتون فوضى جديدة. ويذكر التاريخ بإنصاف أنّ هذه القوات هي التي تحملت العبء الأكبر والتضحيات الجسام في دحر مرتزقة “داعش” وتطهير الجغرافيا السوريّة من الإرهاب؛ ومن هذا المنطلق الأخلاقيّ والوطنيّ، جاء قرار انتهاء مهام قوات سوريا الديمقراطية واندماجها ضمن وزارة الدفاع في 25/8/2026، كخطوةٍ استراتيجيّةٍ لقطع الطريق أمام أيّ مشاريع فتنة ونصب خيم الحرب أو اعتداءات خارجية.
ولم تتوقف التفاهمات عند الوعود الشفويّة، بل انتقلت سريعاً إلى لقاءات عمليّة وإعلانات رسميّة حاسمة؛ إذ صدر المرسوم الرئاسيّ رقم 164 القاضي بتعيين مظلوم عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهوريّة، بالتوازي مع خطوة سياديّة وتاريخيّة من وزير التربية والتعليم قضت بإصدار التعليمات التنفيذيّة المعدّلة للمرسوم رقم 13 لعام 2026، والتي أتاحت رسميّاً تدريس اللغة الكرديّة كلغةٍ وطنيّةٍ وإدراجها ضمن المناهج الرسميّة في المدارس الحكوميّة والخاصة.
أمام هذا المشهد التاريخيّ والتكامل العمليّ، يبرز المبعوث الأمريكيّ توم باراك كـ “مستثمر” يبحث عن العوائد الجيوسياسيّة، حيث حاول توظيف هذه الاستحقاقات الطبيعيّة والحقوق المشروعة لأبناء المنطقة ليُصيغ منها صفقات تخدم الرؤية المشتركة لواشنطن وأنقرة تحت غطاء شعاره التجاريّ “وحدة سوريا وجيشها وحكومتها. لقد تعامل منطق المقاولة السياسيّ مع الشعب الكرديّ كورقة ضغط تكتيكيّة، وكان إعلان انتهاء مهمة قسد ممر نجاة من فخ الاستنزاف الميدانيّ إلى فرصة حقيقيّة لإعادة بناء اللحمة الوطنيّة ولتبدأ بذلك مرحلة سوريّة جديدة.
عوائد المقاولة والوساطة الإقليميّة
يتماهى المبعوث الأمريكيّ توم باراك بشكلٍ كاملٍ مع السياسة التركيّة لدرجة الدخول في صدامٍ دبلوماسيّ علنيّ مع حلفاء واشنطن التقليديين كإسرائيل، وظهر هذا الانحياز جليّاً عقب إقدام سلاح الجو الإسرائيليّ في 18/8/2026، على قصف مطار أبو الظهور العسكريّ بريف إدلب الشرقيّ بذريعة وجود معدات عسكريّة تركيّة؛ فخرج باراك علناً ليكذّب تقارير الاستخبارات الإسرائيليّة مؤكداً أنّ الاستخبارات الأمريكيّة لم تجد أيّ تحركات تركيّةٍ في القاعدة، واصفاً الغارات بأنّها “تصعيدٌ غير مبرر ومحاولة لاستدراج أنقرة إلى مواجهة قد يصبّ في مصلحة إسرائيل الانتخابيّة مع اقترابِ الانتخابات في تل أبيب”، وهذا التصريح لم يأخذ بالاعتبار السيادة الوطنيّة السوريّة بقدر ما كان دفاعاً عن أنقرة.
وفجّر باراك أزمة دبلوماسيّة أعمق في مقابلة له في 21/8/2026 مع رجل الأعمال ماريو نوفال حين انتقد السيطرة الإسرائيليّة على هضبة الجولان ووصفها بأنّها “احتلال يخالف قرارات الأمم المتحدة والنظام الدولي بأسره”، مما أثار غضب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي اتهمه بنشر مغالطات تتناقض مع موقف ترامب، الذي وقّع رسميّاً في 25/3/2019، في البيت الأبيض، وبحضور رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، مرسوماً رئاسيّاً يعترف بالسيادة الإسرائيليّة على هضبة الجولان السوريّ المحتل. الأمر الذي دفع باراك للتوضيح لـ”أسوشيتد برس” بأن حديثه كان توصيفاً تاريخيّاً للوضع.
ولم يتوقف هذا الحراك عند ذلك، بل أكد باراك في تصريحات لاحقة بتاريخ 24/8/2026، دعم بلاده للتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا لرسم الخرائط بالتفاهم وليس بفرض الأمر الواقع بالقوة، معتبراً أن الأرض المنتزعة عنوة تظل محل صراع بين الأجيال؛ وهو ما عكس رغبته في بناء آلية دبلوماسية دقيقة لفض النزاعات ومنع الصدام التركيّ ــ الإسرائيليّ على الأراضي السوريّة.
هذا التماهي والهدوء الميدانيّ الممنهج أثمرا عن حصد عوائد جيواقتصاديّة ضخمة بدأت ملامحها منذ صيف عام 2025 حين أُدمجت سوريا في التحالف الدوليّ، وتكللت لاحقاً برفع العقوبات الاقتصاديّة وفتح الباب على مصراعيه أمام شركات الطاقة الأمريكيّة الكبرى، وفي مقدمتها شركة “مارك رولينز”، لتطوير حقول النفط والغاز واحتكار عقود إعادة الإعمار الضخمة، وترجمت هذه الخطوات العقيدة البراغماتيّة لباراك الذي ردّد مراراً أنّ “الاستقرار الاقتصاديّ هو الأرضية الحقيقيّة للوحدة السياسيّة”.
تؤكد تجربة توم باراك في الملف السوريّ أنّ لغة الأرقام والمصالح في عالم “المقاولين السياسيين” تعلو دائماً على اعتبارات التحالفات الميدانيّة والمبادئ الإنسانيّة؛ ليقف المشهد السوريّ المعاد صياغته اليوم شاهداً حيّاً على فصلٍ متجددٍ من فصول البراغماتيّة الدوليّة التي تؤكّد مجدداً أنّ إرادة الشعوب وحرصها على السلم الأهليّ قادرة في النهاية على استيعاب الضغوط وتجاوز مناورات الصفقات الكبرى التي تُطبخ خلف الأبواب المغلقة.
وبالنتيجة؛ نجد أنّ مواقف توم باراك تحركت في مساحةٍ دقيقة تتماهى استراتيجيّاً مع مصالح تل أبيب وأنقرة على حدٍ سواء، لكنها أظهرت بوضوح أنّه عند تضارب المصالح بين الطرفين، يميل باراك ليكون أقرب إلى المقاربة التركيّة لحماية تفاهماته الميدانيّة. ومع ذلك، فإنّ إجباره السريع على التراجع وتوضيح تصريحاته المنتقدة لتل أبيب، يكشف بوضوح عن سقفِ المناورة المتاحة له؛ حيث اصطدمت براغماتيته الميدانيّة بوطأة الضغوط السياسيّة وبطبيعة السياسة الأمريكيّة العميقة والثابتة في دعم إسرائيل، والتي لا تملك أيّ إدارة تغيير خطوطها الحمراء.
لقد أثبتت هذه التجربة أن باراك لم يكن سوى المترجم الأمين لعقلية “المقاول السياسي” التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب نفسه، وهي السياسة التي أخرجت الدبلوماسيّة من أروقتها التقليديّة لتربط المواقف السياسيّة، ومصائر التحالفات، وتطلعات الشعوب بصفقات الاقتصاد ومحفظة العوائد الجيواستثماريّة.