قامشلو/ ملاك علي –بالتزامن مع اليوم العالمي للمفقودين، لا تزال آلاف العائلات تنتظر إجابات عن مصير أحبائها الذين غيّبتهم الحروب والنزاعات والاختفاء القسري، وسط ألمٍ مستمر وأسئلة بلا إجابات، فيما تتواصل المطالبات بكشف الحقيقة وإنهاء معاناة المنتظرين.
في كل عام، يحل الثلاثون من آب ليذكّر العالم بواحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً، قضية الأشخاص الذين اختفوا وانقطعت أخبارهم عن عائلاتهم، تاركين وراءهم أسئلة لا تجد إجابات، وذكريات لا تستطيع السنوات محوها، فالمفقود ليس مجرد اسم في سجل، ولا رقماً يضاف إلى إحصائية، بل إنسان له عائلة تنتظر معرفة مصيره، وأم تبحث عن ابنها، وطفل يكبر وهو لا يعرف أين والده أو والدته. ويأتي اليوم العالمي للمفقودين وضحايا الاختفاء القسري هذا العام في ظل استمرار النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية في مناطق مختلفة من العالم، ما يجعل قضية المفقودين أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وتقول الأمم المتحدة إن مئات الآلاف من الأشخاص اختفوا خلال النزاعات أو فترات القمع فيما لا يقل عن 85 دولة حول العالم، فيما تؤكد أن الاختفاء القسري لا يزال يحدث في مختلف مناطق العالم.
أرقام تكشف حجم المأساة
وتكشف البيانات الحديثة للجنة الدولية للصليب الأحمر عن حجم متزايد لمشكلة المفقودين، ففي نهاية عام 2024، كان نحو 284 ألف شخص مسجلين مفقودين لدى شبكة الروابط العائلية التابعة للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، ووفق اللجنة، ارتفع عدد الأشخاص المسجلين كمفقودين بنحو 70 في المئة خلال خمس سنوات، مدفوعاً بصورة أساسية بزيادة النزاعات المسلحة والهجرة الجماعية وتراجع احترام قواعد الحرب.
لكن الرقم، على ضخامته، لا يمثل العدد الحقيقي لجميع المفقودين في العالم، فاللجنة الدولية نفسها تصف هذه الأرقام بأنها ليست سوى جزء من الصورة، لأن كثيراً من العائلات لا تتمكن من تسجيل حالات فقدان أقاربها لدى الجهات المختصة، كما أن بعض الدول والمناطق التي تشهد نزاعات لا تمتلك سجلات دقيقة أو آليات فعالة لتوثيق المفقودين.
وخلال عام 2024 وحده، سجلت عائلات أكثر من 94 ألف شخص مفقودين لدى شبكة الروابط العائلية، بينما تمكنت الجهات التابعة للحركة الدولية من تحديد أماكن نحو 16 ألف شخص، كما ساعدت في تسهيل أكثر من 2.3 مليون مكالمة هاتفية بين أفراد انفصلوا عن بعضهم بسبب النزاعات والعنف والهجرة والكوارث.
هذه الأرقام تعكس جانبًا واحداً فقط من المشكلة، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم العمل المطلوب للعثور على المفقودين وإعادة الروابط بين العائلات التي فرقتها الحروب والأزمات.
معاناة لا تنتهي
وراء كل حالة فقدان عائلة تعيش حالة مستمرة من عدم اليقين، ففي الوقت الذي يمكن فيه لعائلة فقدت أحد أفرادها أن تبدأ، بعد معرفة خبر الوفاة، رحلة الحزن والتعامل مع الفقد، تبقى عائلة المفقود عالقة بين احتمالين: أن يكون قريبها حيًا أو أن يكون قد توفي.
وتصف الأمم المتحدة هذه الحالة بأنها معاناة نفسية عميقة، إذ يعيش أقارب المفقودين وهم لا يعرفون ما إذا كان الشخص لا يزال على قيد الحياة، وأين يوجد، وما إذا كان محتجزًا، وفي أي ظروف يعيش، وتؤكد الأمم المتحدة أن الحق في معرفة الحقيقة بشأن مصير الشخص المختفي ومكان وجوده يرتبط بشكل مباشر بحقوق الإنسان الأساسية.
ومع مرور السنوات، لا تختفي المشكلة بالضرورة، بل قد تتحول إلى جزء من حياة العائلة اليومية. فالأمهات والآباء يستمرون في البحث، بينما يكبر الأطفال وهم يحملون صورة شخص لم يعرفوا مصيره. وفي كثير من الحالات، تتحول قضية المفقود من مأساة فردية إلى جرح اجتماعي يمتد من جيل إلى آخر.
المحرك الأكبر لأعداد المفقودين
وتُعد النزاعات المسلحة من أبرز الأسباب التي تقف وراء ارتفاع أعداد المفقودين حول العالم، ففي أثناء الحروب، يمكن أن تنقطع الاتصالات بين أفراد الأسرة، ويضطر المدنيون إلى النزوح والتهجير القسري، بينما يفقد آخرون خلال العمليات العسكرية أو الاحتجاز أو أثناء محاولات الهروب من مناطق القتال.
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن عدد المفقودين المسجلين لدى الحركة الدولية ارتفع بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد النزاعات والأزمات الإنسانية. وفي أفريقيا وحدها، كان أكثر من 82 ألف شخص مسجلين كمفقودين لدى اللجنة الدولية في عام 2025، فيما أدى الصراع في السودان إلى ارتفاع كبير في طلبات البحث عن المفقودين. وسجلت اللجنة أكثر من 7700 طلب للمساعدة في العثور على أشخاص مفقودين مرتبطين بالنزاع السوداني، بزيادة بلغت 52 في المئة مقارنة بعام 2023.
ولا تقتصر أسباب الفقدان على الحروب، فالهجرة الخطرة والكوارث الطبيعية وحالات النزوح والتهجير والانفصال الأسري يمكن أن تؤدي أيضاً إلى فقدان الأشخاص. ومع حركة ملايين البشر عبر الحدود والطرق البحرية والبرية، تزداد صعوبة معرفة مصير الأشخاص الذين ينقطع الاتصال بهم.
الاختفاء القسري
وتختلف حالات الاختفاء القسري عن حالات الفقدان التي تحدث نتيجة ظروف الحرب أو الكوارث أو الحوادث، فالاختفاء القسري، بحسب تعريف الأمم المتحدة، يحدث عندما يُحرم شخص من حريته على يد جهات رسمية أو جهات تعمل بدعم أو موافقة الدولة، ثم ترفض السلطات الاعتراف باحتجازه أو الكشف عن مصيره ومكان وجوده.
ويُعد الاختفاء القسري انتهاكاً بالغ الخطورة لحقوق الإنسان، لأنه لا يسلب الشخص حريته فحسب، بل يضعه خارج حماية القانون، وقد يعرّضه للتعذيب أو سوء المعاملة أو حتى القتل، كما أن الضرر لا يتوقف عند الضحية، بل يمتد إلى عائلته التي تُحرم من معرفة الحقيقة.
وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 آب يوماً دولياً لضحايا الاختفاء القسري بموجب القرار 65/209 الصادر عام 2010، وبدأ إحياء المناسبة عام 2011 وجاء ذلك في ظل القلق الدولي المتزايد من استمرار حالات الاختفاء والتهديدات التي يتعرض لها أقارب الضحايا والشهود والمدافعون عن حقوق الإنسان.
عشرون عاماً على الاتفاقية الدولية
تكتسب مناسبة هذا العام أهمية إضافية، إذ تصادف الذكرى العشرين لاعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتصف الأمم المتحدة الاتفاقية بأنها المعاهدة العالمية الوحيدة المخصصة بصورة مباشرة لمنع الاختفاء القسري والقضاء عليه.
وبعد مرور عقدين على اعتماد الاتفاقية، تؤكد الأمم المتحدة أن حالات الاختفاء القسري ما تزال مستمرة في مختلف أنحاء العالم، وأن الحاجة لا تزال قائمة إلى تعزيز حماية الضحايا وعائلاتهم، وضمان حقهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وتحمل فعاليات عام 2026 شعار “الضحايا أولاً.. العمل الآن”، في إشارة إلى ضرورة الانتقال من التذكير بالمشكلة إلى اتخاذ إجراءات عملية لحماية الضحايا ومنع وقوع حالات جديدة.
مفقودون بلا إجابة
وفي سوريا، تركت سنوات النزاع الطويلة وراءها أعدادًا كبيرة من الأشخاص الذين ما زال مصيرهم مجهولًا، وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها سجلت خلال السنوات الأربع عشرة الماضية أكثر من 37 ألف شخص مفقود في البلاد، مؤكدة أن هذا الرقم لا يمثل العدد الحقيقي لجميع المفقودين، وإنما الحالات التي تمكنت اللجنة من تسجيلها، ولا تزال عائلات هؤلاء الأشخاص تعيش منذ سنوات في انتظار معرفة مصير أقاربها، بعضهم فقد منذ أكثر من عقد، فيما لا تملك عائلات أخرى سوى صور ووثائق قديمة تساعدها في رحلة البحث.
ومع انتقال البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة منذ نهاية عام 2024، برزت مخاوف جديدة بشأن حالات الاختطاف والاختفاء في الساحل السوري. وأفادت آليات أممية بتلقي معلومات حول اختطاف واختفاء قسري لنساء وفتيات علويات في المناطق الساحلية منذ شباط 2025، في ظل تقارير عن انتهاكات استهدفت أشخاصًا على أساس هويتهم، فيما لا تزال الأرقام الإجمالية لهذه الحالات غير محسومة بشكل رسمي.
وبين مفقودي سنوات الحرب وحالات الاختفاء التي ظهرت خلال المرحلة الجديدة، تبقى العائلات السورية عالقة في دائرة الانتظار، تبحث عن إجابة قد تضع حدًا لسنوات من القلق والغموض، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى كشف مصير المفقودين وتحديد أماكنهم وضمان حق عائلاتهم في معرفة الحقيقة.
ولا تختلف الصورة في العراق، الذي مر خلال العقود الماضية بسلسلة طويلة من الحروب والنزاعات والعنف والنزوح، فقد خلفت هذه الأحداث أعداداً كبيرة من المفقودين، بعضهم يعود فقدانه إلى سنوات بعيدة، فيما ظهرت حالات أخرى خلال موجات العنف والنزوح التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وتبقى قضية المفقودين في العراق مرتبطة ليس فقط بالبحث عن الأشخاص، وإنما أيضاً بعمليات التعرف على الرفات وحفظ الأدلة والسجلات والاستعانة بالطب الشرعي وتحليل الحمض النووي، فالعثور على رفات مجهولة الهوية لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة البحث، لأن الخطوة الأصعب في كثير من الأحيان هي معرفة هوية صاحب الرفات وإبلاغ أسرته بالحقيقة.
معركة ضد الزمن
كل يوم يمر دون معلومات قد يجعل عملية البحث أكثر تعقيداً، فالوثائق قد تضيع، والشهود قد يرحلون، والذاكرة قد تتغير، ومواقع الدفن قد تتعرض للتدمير أو التغيير، ولهذا أصبحت عمليات البحث الحديثة تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والطب الشرعي وقواعد البيانات وتحليل الحمض النووي.
وتعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وشركاؤها على مساعدة العائلات في تسجيل حالات المفقودين، واستعادة الاتصال بين أفراد الأسرة، وتوضيح مصير الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم، ووفق بيانات اللجنة، تساعد فرقها في المتوسط على توضيح مصير ومكان وجود شخصين مفقودين كل ساعة، فيما تسهّل يومياً لمّ شمل نحو 20 شخصاً مع عائلاتهم. لكن؛ التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فالوصول إلى المعلومات الرسمية والسجلات، والتعاون بين السلطات، وحماية مواقع الرفات، واحترام القانون الدولي، كلها عوامل ضرورية للوصول إلى نتائج حقيقية.
عائلات تنتظر…
وقد يبدو 30 آب في التقويم يوماً عالمياً آخر، لكنه بالنسبة إلى عائلات المفقودين يحمل معنى مختلفاً، إنه اليوم الذي تُرفع فيه صور الغائبين، وتُروى قصصهم، وتُسمع أصوات عائلاتهم التي ترفض أن تتحول قضية أحبائها إلى ذكرى منسية. فالهدف من إحياء هذا اليوم ليس فقط تذكر الأشخاص الذين فقدوا، بل التأكيد على أن لكل مفقود قصة، ولكل عائلة حقاً في معرفة الحقيقة، وتشدد الأمم المتحدة على أن عائلات ضحايا الاختفاء القسري والمجتمعات التي ينتمون إليها لها حق في معرفة ما حدث، بينما تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن وراء كل حالة مفقود عائلة تعيش في حالة من عدم اليقين.
وفي عالم يشهد تصاعداً في أعداد النزاعات وحركات النزوح والتهجير والهجرة، يبدو أن قضية المفقودين ستبقى تحدياً إنسانياً وقانونياً لسنوات طويلة، لكن بالنسبة للعائلات، لا يتعلق الأمر بالأرقام أو الإحصائيات، فكل رقم يعني شخصًا له اسم ووجه وبيت ينتظر عودته أو خبراً يضع حداً للانتظار.
ولهذا يبقى السؤال الأهم في اليوم العالمي للمفقودين بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في معناه: أين هم؟ وما دامت العائلات لا تملك إجابة، فإن البحث يجب أن يستمر؛ لأن معرفة مصير المفقود ليست مجرد خدمة إنسانية، بل حق أصيل لا ينبغي أن يسقط بمرور الزمن.