يعتبر الأدب الكلاسيكي قيمة ثابتة في كل الآداب اللاحقة، على اختلاف أشكالها وشدّة رواجها بين الجمهور وخاصة من عنصر الشباب، الذي بات يبحث عن القيمة الجاهزة ويبني عليها فكره ومقاصده ويجد فيها ضالته التي يبحث عنها ليكمل بناء الشخصية، ويعرّف الذات وإن كان الأمر يواجه رأياً آخراً لا يرتكز إلى القيمة الأكاديمية فقط، بل يبحث عن التجديد من خلال النصوص الحديثة التي يعتبرها بعض النقاد انقلاباً كاملاً على مفهوم الكلاسيكية
الكلاسيكية والحداثة
وفي حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” مع الإعلامية “بتول محمد” أشارت إلى أن الأدب بمفهومه ينقسم بحسب النقاد إلى الكلاسيكية والحداثة، ولكن لا يعني هذا التقسيم أنهما ينفصلان عن بعضهما البعض أبداً، فإن القصيدة الحديثة ضمن شعر التفعيلة أو حتى قصيدة النثر لا يمكن بناؤها بشكل منفصل عن القصيدة الكلاسيكية التي تعتبر القاعدة الثابتة في بناء أي نص أدبي حديث على مستوى الشكل والمضمون في مختلف أدوات هذا البناء من العروض إلى البلاغة والعاطفة، ومن هنا تبدو العلاقة بنيوية وقوية بينهما، إلا أن هذا لا يعني أن تتوقف القصيدة عن التطور، وتبقى حبيسة الماضي بالفكرة والصورة والبناء اللغوي والشعري، بل تتطور كما يتطور الإنسان، ولابد للقصيدة أن تنسجم مع معطيات الزمن الذي تعاصره، الأمر الذي يثبت مرونتها وقدرتها على التطور كما ينبغي لها أن تتطور
الرواج بين الشباب
ولدى سؤالها عن رواج القصيدة الكلاسيكية في أوساط الشباب، تابعت الإعلامية “بتول محمد”: “الكثير من الأدباء الشباب اليوم في الجزيرة السورية لا يشعرون باكتمال الحالة الشعرية لديهم إلا عندما تستقيم أبيات القصيدة على وزن موسيقي واحد ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية، ثم يبدأ الشاعر أو الشاعرة بالبحث عن شخصيته أو شخصيتها الخاصة التي يتحرر من خلالها من عباءة التقليد”.
بتول وبناء على ما سبق تؤكد أن الكلاسيكية لاقت رواجاً كبيراً عند فئة الشباب من الكتّاب والجمهور، ومن الجمهور من لا يستسيغ النص الحديث الذي يعتمد على الموسيقا الداخلية متحرراً من ضوابط الوزن والقافية، ويرى به ضعفاً عند الأديب
مرونة النص الأدبي
وفي الوقت نفسه نوّهت “بتول محمد” إلى أن الأوزان الخليلية نفسها تعتبر قيوداً شديدة على النص وبالتالي تلك التراتبية الموسيقية التي يفرضها الإيقاع العروضي الموحد والقافية الواحدة والروي الواحد تصنع شيئاً من التكرار والتكلف في كثير من النصوص الشعرية، ولا تفسح المجال للشاعر أن يكون حراً إلى فضائه، وأن يستطيع التعبير عن جميع تفاصيل مكنونات الذات وتقلباتها وانكساراتها وعاطفتها بجميع أشكالها، ومن هنا نستطيع القول بأن الكلاسيكية والحداثة ليسا ضدين بل هما كجناحي الطائر لا يستطيع التحليق بدون أحدهما، فليأخذ الأديب من هذا وذاك وينتج لنا أدباً رصيناً يعالج فيه قضايا المجتمع ويمسح عن جبين القلوب همومها وأوجاعها التي تضيق بها بدون أساليب التعبير الأدبية التي لا تنفصل عن الوجود الإنساني بكافة مستوياته وأفكاره
وفي ختام حديثها دعت الإعلامية “بتول محمد” جميع الشباب إلى القراءة بعمق وموازنة كل ما يقرؤونه والخروج منه بنتيجة محايدة وموضوعية، كما طالبت جميع الكتّاب بالمضي بكتاباتهم والارتقاء بها على مستوى المواضيع التي تلامس هموم المجتمع ولواعج الذات والابتعاد عن الغث منها، وتحمل المسؤولية الثقافية الملقاة على عاتقهم ضمن المرحلة التي تمر بها البلاد من فوضى الأدب والثقافة والإبداع في سبيل إنقاذ هذا الإرث العظيم والعبور به إلى المستقبل بما يليق بطموح الشباب المبدع.