دخلت سوريا مرحلةً جديدة بعد سقوط نظام حزب البعث في سوريا، بموجب استراتيجية دولية مدروسة وقرارات جديدة تقودها الولايات المتحدة في المنطقة، متخذةً من الساحة السورية نقطة انطلاق رئيسية، في محاولة لفرض السيطرة على الإدارة الجديدة، وعلى بعض الأطراف الدولية والجهات الإقليمية التي تحاول بدورها كسب بعض الامتيازات والنفوذ.
التطورات متسارعة، والمستجدات في كثير من الأحيان لا تكون في الحسبان، لا سيما بعد الاتفاق الذي وقِّع بين كل من قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، وما رافقه من تطورات سياسية وعسكرية وعملية اندماج قسد في الجيش والمؤسسات الإدارية التابعة للدولة، وقد قوبلت هذه التطورات بردود فعل متباينة، وانقسمت الآراء في الأوساط السياسية والكردية حيالها بين رافض ومؤيد ومراقب، الأمر الذي خلق حالةً من عدم الثقة بين الجميع، وأثار استياءً واسعاً إزاء المسار الجديد الذي تشهده البلاد.
ومؤخراً، وبعد زيارة مظلوم عبدي، وإلهام أحمد، ومناقشة العديد من الملفات العالقة بين الطرفين، أعلن عبدي انتهاء مهمة قسد بعد اندماجها في الجيش بشكلٍ كامل، بموجب اتفاق 29 كانون الثاني، وبعد الإعلان من قصر الشعب بدمشق، انطلقت موجة من النقاشات والانتقادات المتباينة بشأنه، وكأن هؤلاء الذين يوجهون الانتقادات لا يعلمون أن كل ما يجري في الشرق الأوسط إنما خُطِّط له وفق استراتيجية ورؤية دولية، من أجل رسم ملامح مستقبل المنطقة بما يتوافق مع أهدافها ومصالحها.
كانت هناك آراء ترى أن قادة الكرد في روج آفا تخلوا عن النضال من أجل الكرد، لكن النقطة الأهم التي يجب على الجميع أن يدركها هي أن نضال الشعب الكردي دخل مرحلة جديدة، ستكون لها أساليبها وأداؤها وأدواتها وفكرها وذكرها. فالشرق الأوسط يمر بمرحلة جديدة، ولا بد أن يكون للكردي دوراً فيه، باعتباره قوة لا يمكن لأي قوة أو دولة تجاهلها.
والأمر الأهم الذي يجب الوقوف عنده هو أهمية أن يكون هذا الاندماج ديمقراطياً؛ أي أن يشارك الجميع في مؤسسات الدولة، كلٌّ بثقافته وهويته وفكره، وألا تُفرض عليه قوالب تلغي هويته وثقافته، باعتبار أن سوريا دخلت مرحلةً جديدة تتطلب من الجميع أن يؤدي الدور الذي يقع على عاتقه لحماية وحدتها وسيادتها.
إن الاندماج الديمقراطي الحقيقي لا يعني ذوبان الهويات أو إلغاء الخصوصيات، بل يعني أن تكون الدولة إطاراً جامعاً لجميع شعوبها، وأن يجد كل شعب فيها مكانه ودوره وحقوقه، وأن تكون المشاركة في مؤسساتها قائمة على الاعتراف بالتنوع واحترام الهوية والثقافة. ومن هنا، فإن نجاح أي مسار جديد في سوريا لن يقاس فقط بمدى القدرة على جمع المؤسسات والقوى ضمن هيكل واحد، وإنما بمدى قدرة هذا المسار على بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء فيها، لا تابعون لها.
لقد دخلت سوريا مرحلةً مختلفة، وما تحتاجه اليوم هو الانتقال من منطق الصراع والانقسام إلى منطق الشراكة والمسؤولية المشتركة. وفي هذه المرحلة، يبقى الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، بالتوازي مع حماية حقوق جميع شعوبها وهوياتها وثقافاتها، مسؤولية تقع على عاتق الجميع. أما الكرد، فإن دخول نضالهم مرحلةً جديدة لا يعني التخلي عن قضيتهم، بل قد يعني الانتقال بها إلى أدوات وأساليب جديدة تتناسب مع التحولات الكبرى التي تشهدها سوريا والمنطقة عامة.