بعد سبع سنوات من التهجير، لا يزال ملف سري كانيه حاضراً، أولاً في ذاكرة أهلها بوصفها البيت الذي غادروه قسراً، لا المكان الذي اختاروا مغادرته. ومنذ الهجوم التركي والمرتزقة السورية المدعومة منه على المدينة ومحيطها في تشرين الأول 2019، حُرم عشرات الآلاف من سكانها من العودة إلى منازلهم وأراضيهم، فيما يعيش كثير منهم ظروف التهجير في المخيمات ومناطق أخرى من شمال وشرق سوريا.
اليوم، يتجدد مطلب العودة. ففي 26 آب الجاري، نظم مهجرو سري كانيه وقرى ريفها وقفة في مخيم واشوكاني، مطالبين بتسريع إجراءات العودة وتأمين عودة آمنة وطوعية وكريمة، وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، وحماية العائدين، وتعويض المتضررين وإعادة إعمار المنازل المدمرة.
لكن خلف الأرقام والبيانات، تقف النساء في مقدمة من دفعن الثمن الاجتماعي والإنساني للتهجير. فالمرأة المهجّرة لا تحمل فقط فقدان بيتها وممتلكاتها، وإنما تحمل معها مسؤولية الأسرة والأطفال، وتتحمل أعباء التهجير الطويل، من تأمين الاحتياجات اليومية إلى متابعة تعليم الأطفال ورعايتهم في ظروف تفتقر إلى الاستقرار. وفي بعض الحالات، وجدت النساء أنفسهن المعيلات الرئيسيات لأسرهن بعد استشهاد أو اعتقال الكثير من الشباب والشابات.
كما أن التهجير يضاعف تعرض النساء للعنف والاستغلال وانعدام الأمان. وتشير توثيقات حقوقية إلى أن النساء كن بين ضحايا الاعتقال والانتهاكات منذ السيطرة على المنطقة؛ فقد وثقت منظمة «تآزر» اعتقال 92 امرأة ضمن مئات حالات الاعتقال التي وقعت منذ 2019.
ولا تنتهي معاناة المرأة بمجرد فتح طريق العودة. فالعودة بالنسبة إليها تعني استعادة منزل وممتلكات وأماناً ومستقبلاً لأطفالها. لذلك؛ لا يمكن اختزال العودة في نقل الناس من المخيم إلى المدينة؛ بل يجب أن تكون عودة آمنة وكريمة، تضمن حماية النساء والأطفال، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وتحمي الممتلكات، وتوفر الخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية.
إن أصوات النساء المهجّرات من سري كانيه تقول بوضوح: نريد أن نعود، ولكن لا نريد أن نعود إلى الخوف. نريد أن نعود إلى بيوتنا بكرامة، وأن يستعيد أطفالنا حقهم في أن يكبروا في مدينتهم، لا في مخيم مؤقت تحوّل مع مرور السنوات إلى واقع قسري.
إن ضمان عودة أهالي سري كانيه ليس قضية إنسانية فحسب، بل اختبار حقيقي لاحترام حقوق النساء والمهجرين والعدالة وحق الإنسان في العودة إلى أرضه وبيته بأمان وكرامة.