معبد بعل شمين هو معبد قديم في مدينة تدمر السورية بني عام 32م مخصص لإله الكنعانيين (رب السماوات) بعل شمين. اكتشفه علماء آثار سويسريون في الفترة ما بين 1954 و1956، حيث يتواجد المعبد بقرب العديد من المنشآت الأثرية كقوس النصر ومعبد بل وغيرها.
يقع المعبد في الحي الشمالي من “تدمر” والمعبد الذي يرى الزائر أطلاله حالياً يعود بناؤه إلى القرن الثاني الميلادي، حيث أقيم في موضع معبد أقدم، يعود إلى بداية القرن الأول الميلادي، ولم يبق من آثار المعبد الأقدم إلا غرفة المائدة وبعض الأروقة ومدفن عتيق، حيث أسس المدفن عام 11ميلادي، وغرفة المائدة عام 73م، ويعتبر معبد بعل شمين من أوسع المعابد في “تدمر”، ولكن لم يبقَ منه كبناء ظاهر إلا الهيكل والأعمدة الستة أمامه.
تم تكريس المعبد للإله “بعل شمين” الذي وصفه التدمريون قديماً “بسيد السماء، وإله الخصب والنماء والنبع، الرحمن الرحيم، الذي بورك اسمه إلى الأبد”. و”بعل شمين” هو إله فينيقي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وقد سماه اليونان “زيوس”.
نقّبت في المعبد بعثة سويسرية بين عامي 1954 و1956 برئاسة البروفسور “بول كولار”، ووضعت مخططاته الأصلية وألقت الأضواء على تطوره المعماري التاريخي ونشرت نتائج أعمالها في سلسلة مجلدات عام 1969 ـ 2000.
ويتألف المعبد من حرم وباحتين شمالية وجنوبية فيهما أروقة، وأمام الحرم عتبة تحمل ستة أعمدة، وجبهته مثلثة وعلى حاملة العمود الثاني كتابة تدمرية مؤرخة عام 130 ـ 131 تذكر أن “مالئ بن يرحاي”-وهو الذي نظم استقبال الإمبراطور هادريان عام 129م-قد أقام هذا الحرم لبعل شمين “سيد السماوات وإله المطر والخصب في تدمر”.
مراحل بناء المعبد
شُيد هذا المعبد فوق آخر أقدم منه كما ذكرنا سابقا… وقد بُني على مراحل، ابتدأ العمل فيه عام 17م، وبُنيت فيه غرفة المائدة وبعض الأروقة ومدفن عميق، وهناك كتابة يونانية وُجدت على رف عمود رُمم به الرواق الغربي تعود إلى 257م، وقد انتهى البناء في عهد “أذينة” ملك “تدمر”.
وفي المعبد باحتان تحيط بهما الأروقة، الشمالية أكبر من الجنوبية، وفي الرواق الشمالي أقدم أعمدة هذا المعبد، مرمم وعليه كتابة بالتدمرية والآرامية، تؤرخ بناء رواق هذه الباحة بتاريخ 149م، وتؤرخ أن السقف والأعمدة الأربعة والأجزاء العليا بُنيت بواسطة “حيران” وأخيه “ياملا” أبناء “تاما بن ياملا”، وقد وُهبت إلى “بعل شمين” من أجل حياتهم وحياة أولادهم. وتوجد على مذبح المعبد كتابة آرامية ويونانية من عام 115م. تعود إلى المعبد الأقدم وتكرسه لإله السماوات. وهناك كتابة تؤرخ لتجديد الرواق الشمالي وقاعة الاحتفالات بتاريخ 67 م. وهي بين الباحة والهيكل. ويستدل من معظم الكتابات الموجودة في المعبد على الدور الهام الذي لعبته قبيلة “بني معزين” التدمرية في بناء المعبد ومنشآته والتبرع له.
ومنذ القرن الخامس الميلادي حولت “أسقفية تدمر” العربية المعبد إلى كنيسة، وقد فتح له باب في الجدار الغربي للحرم وتحول مدخله الأصلي إلى مذبح للكنيسة، كما أضيف أمام المدخل الجديد رواق، وجدت تحته آثار مقبرة قديمة تعود إلى عام 11 ق.م.
وفي عام 1969 أعادت بعثة سورية بناء المحراب داخل الحرم وفق الدراسة التي قامت بها البعثة السويسرية.
ومما جاء في كتاب “تدمر، أثر، تاريخ”، لعدنان البني و”خالد الأسعد”: «نجد في هذا المعبد كل خصائص العمارة الشرقية: العضائد الخارجية، والنوافذ، عدم وجود الأساس المدرج تحت الحرم. ويشاهد في الرواق الغربي للمعبد والمعاد بناؤه عام 1955 كتابة باليونانية على حاملة تمثال مؤرخة عام 258 م تذكر إهداء “لأذينة” ملك تدمر من نقابة صائغي الذهب والفضة “بتدمر”.
وقد قامت بعثة الترميم السورية عام 1979 بإعادة بناء وترميم سبعة عشر عموداً في باحتي المعبد الشمالية والجنوبية، وفي رواق الباحة الشمالية الجنوبي، وأعيد بناء ثلاثة أعمدة عليها كتابة مؤرخة عام 63 م. وأقدم ما اكتشف فيه كتابة على فقرة عمود مؤرخة عام 23 م من المعبد الأقدم محفوظة بمتحف “تدمر”».
وظائف الهيكل
يتضمن المجمع المعماري المخصص لبعل شمين أربع باحات بأروقة لا شك في أنها استُخدمت لإقامة مختلف الاحتفالات الرسمية والطقسية، ولعرض تماثيل للمتبرعين والمحسنين. وقد أقامت فيها عدة جمعيات مهنية إهداءات تكريمية لأذينة وابنه حيران.
تجدر الإشارة إلى أن هيكلية المعبد بالحالة التي احتُفظ بها لغاية شهر آب من العام ٢٠١٥، قد شهدت عمليات ترميم وتحسين حوالي العام ١٣٠ بفضل سخاء أحد الأثرياء التدمريين وهو “مالئ” وكان يعرف أيضاً باسم أغريباس. وقد ذُكرت أفعاله الخيرية على قاعدة تمثاله المثبت على أحد أعمدة الواجهة. كما ساهم أغريباس بتغطية تكاليف إقامة الإمبراطور هادريان في المدينة (في بداية عام ١٣٠).
المعبد
يشغل المعبد واحدة من الباحات الأربع الموجودة في الهيكل، وفقاً لنموذج كان متعارف عليه في الشرق الأدنى القديم، واكتشف أيضاً في القدس وبعلبك. يتخذ معبد بعل شمين شكل معبد إغريقي – روماني ذي واجهة معمّدة مع ستة أعمدة تحيط بالجزء الأمامي (بروناوس “ماقبل الناوس”)، تعلوها تيجان كورنثية وتتخللها قواعد لحمل التماثيل والكتابات. أما الجزء المقدس من المعبد أي المصلى أو الحجرة الوسطية “الناوس”، فكان عبارة عن مبنىً صغير تبلغ مساحته ١٥x٥ متراً. وكانت تقاسيمه الداخلية أشبه بالهندسة الدينية الشرقية إذ أن المساحة منقسمة إلى ثلاثة أماكن مخصصة لقدس الأقداس، مع زينة وهمية على شكل أبواب ونوافذ.
تشتمل المساحة الداخلية كذلك على كوة ضمن حنية ذات نموذج فريد وضع فيها تمثال الإله وهو متربع تحت مظلة، حيث أن المعبد لم يكن مسقوفاً على الأرجح. قاد عالم الآثار السويسري بول كولار حملة تنقيب أثري في تدمر في خمسينات القرن الماضي دامت عدة أسابيع، توصل خلالها إلى تفكيك الإنشاءات البيزنطية التي حلت محل البقايا الحجرية التابعة لقدس الأقداس. يصنف متحف اللوفر في باريس هذا المعبد على أنه ضمن أهم المواقع في تدمر.
في عام 2015 تعرض المعبد للهدم على يد تنظيم داعش بعد السيطرة على تدمر وقد وصفت اليونسكو التدمير المتعمد للمعبد بأنه ‘جريمة حرب’.