أحمد حسن
أعلنت الدائرة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارها بشأن رجل الأعمال عثمان كافالا المعتقل منذ تسع سنوات. القرار لا يتعلق بشخصٍ واحد فقط، بل هو وثيقة لكيفية تعطيل تركيا لقانون حقوق الإنسان عبر شفرات سياسية منذ عام 2013.
أحداث غيزي؟ ولماذا رُبطت بكافالا؟
بدأت أحداث حديقة غيزي في أيار 2013 في إسطنبول بقطع الأشجار، وهي احتجاج قُلل من شأنه بعبارة “3-5 أشجار” لكنه انتشر في 80 ولاية، وكان في جوهره اعتراض المجتمع ضد مجزرة طبيعية.
أحداث حديقة غيزي والخلفية التاريخية
– 27 أيار 2013: دخلت الجرافات إلى حديقة غيزي في تقسيم.
– 31 أيار: انتشرت صور حرق الشرطة لخيام المتظاهرين على وسائل التواصل، فتحولت القضية من احتجاج بيئي إلى مظاهرة جماهيرية ضد سياسات الحكومة.
– حزيران 2013: خرج 2.5 مليون شخص إلى الشوارع. 5,532 احتجاج وفقاً لوزارة الداخلية.
– النتيجة: ثماني قتلى وأكثر من ثمانية آلاف جريح، حصيلة مأساة اجتماعية كبيرة.
يومها قرأت الدولة الحدث بطريقتين:
القراءة الرسمية: “القضية ليست قضية شجرة، بل محاولة إسقاط الحكومة”.
القراءة السوسيولوجية: لأول مرة منذ 2002، اجتمعت هويات مختلفة – كماليون، كرد، إسلاميون، قوميون، يسار اشتراكي وبيئيون – جنباً إلى جنب في الميدان نفسه.
لماذا وُضع كافالا في مركز هذا الملف؟
وفقاً لادعاء النيابة، قام كافالا بـ “تمويل وتنظيم” غيزي، أما وفقاً للمحكمة الأوروبية، فكان كافالا يعقد اجتماعات في مكتبه في مؤسسة الأناضول للثقافة خلال غيزي، وتزعم الدولة أنه نظم مساعدات غذائية وأقنعة للمتظاهرين، هذه الأنشطة ليست دعوة للعنف، بل تندرج ضمن حرية التجمع (المادة 11) وحرية التعبير (المادة 10).
وصفت المحكمة تطبيق المادة 312 من قانون العقوبات التركي على غيزي بأنه “توسيع غير متوقع”. أي أن القانون ينص على “محاولة إسقاط الحكومة باستخدام القوة والعنف”، لكن في التطبيق يُراد إدراج “الجلوس في الحديقة، كتابة تغريدة” ضمن هذه المادة، وتسمي المحكمة الأوروبية لائحة الاتهام هذه “تفسيراً تعسفياً”.
جوهر القرار
اجتمعت الدائرة الكبرى في 25 آب 2026 في ستراسبورغ.
مواد الإدانة:
– المادة 5/1: لا يوجد حق في الحرية والأمن. الاحتجاز بعد الإدانة غير قانوني.
– المادة 6/1: لا توجد محاكمة عادلة. المحاكمة تشكل “إنكاراً صارخاً للعدالة”.
– المادة 10 و11: وجوده في غيزي ليس جريمة، بل حق.
– المادة 18: وهي الأخطر. تقول المحكمة: الاعتقال ليس من أجل القانون، بل لـ “غرض خفي” – لإسكات كافالا كمدافع عن حقوق الإنسان.
– المادة 3: الحق في الأمل. السجن المؤبد المشدد بدون إمكانية الإفراج المشروط هو تعذيب.
القرار: “يجب الإفراج عنه في أقرب وقت ممكن واعتبار إدانته لاغية وباطلة.” أُدينت تركيا بدفع 70 ألف يورو تعويض معنوي و43,342 يورو مصاريف محاكمة.
موقف تركيا من حقوق الإنسان: لماذا لا يعمل القانون؟
هناك ثلاث شفرات سياسية تقفل القانون:
الشفرة 1: شفرة “السيادة”. المادة 90 من الدستور تقول “الاتفاقيات الدولية تعلو على القانون”. لكن الخطاب السياسي يقول “قرارات المحكمة الأوروبية لا تلزمنا”. وعندما لم تُنفذ قرارات 2019 و2020 و2022، تم تفعيل آلية إجراء الانتهاك (46/4) وهي أشد آلية في تاريخ المحكمة، للمرة الثانية ضد تركيا. القانون موجود، لكنه لا يُطبق بخطاب السيادة.
الشفرة 2: شفرة “تغيير التسمية”. بُرئ كافالا من غيزي في 2019. بينما كان يجب الإفراج عنه، أُضيف ملف 15 تموز في نفس الليلة، ثم أُضيفت تهمة التجسس. تسميها المحكمة الأوروبية “تسييس القانون الجنائي”. أي فتح ملف آخر لعدم الإفراج من ملف. نفس الشفرة عملت في قضية دميرتاش. ليست عملية قانونية، بل عملية كسب وقت سياسي.
الشفرة 3: شفرة “عدم الاعتراف بالحق في الأمل”. في أوروبا لا يمكن الحكم على أي شخص بـ “البقاء في الداخل حتى الموت”. يجب أن تكون هناك مراجعة كل 25 سنة. تركيا لا تعترف بذلك في المادة 312، لهذا يعتبر المؤبد المشدد الممنوح لكافالا تعذيباً في المحكمة الأوروبية، ولأن القانون لا يتغير، فإن كل حكم بالمؤبد المشدد يجلب إدانة تلقائية في المحكمة الأوروبية.
الخلاصة: غيزي لم تنتهِ في 2013، بل تستمر في القانون
كانت حديقة غيزي في 2013 عملاً بيئياً. عملاً لحساسية اجتماعية لمحبي البيئة والطبيعة ضد قطع الأشجار. بعد 2017 تحولت إلى ملفٍ جنائي. وقرار المحكمة الأوروبية في 2026 يقول: إظهار غيزي كـ “انقلاب” بالمادة 312 غير متوقع قانوناً.
حصلت تركيا على أكثر من 3800 إدانة في المحكمة الأوروبية منذ 1980. لكن في ملفي كافالا ودميرتاش تم تسجيل المادة 18 لأول مرة، أي “استخدام القضاء لغرض سياسي”، هذه لم تعد مسألة احتجاز، بل مشكلة نظام.
الدولة توجه رسالةً للمجتمع بمعاقبة غيزي: “لا تخرج إلى الشارع”. والمحكمة الأوروبية توجه رسالةً للدولة: “التجمع حق، لا يمكنك معاقبته.” ولأن الرسالتين تتصادمان، لا يعمل القانون، يوجد قرار، ولا يوجد تنفيذ.