هناك رجال لا تنتهي سيرتهم عند حدود حياتهم، لأنهم يتحولون، مع مرور الزمن، إلى جزء من ذاكرة شعبهم، والدكتور “نوري ديرسمي” واحد من هؤلاء، طبيب بيطري ومؤرخ ومناضل وشاهد على واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في التاريخ الكردي الحديث.
عاش نوري ديرسمي سقوط الدولة العثمانية، وصعود الدولة التركية الحديثة، وشارك في بدايات الحركة الوطنية الكردية، وكان من أبرز الشخصيات المرتبطة بانتفاضة كوجكيري ومقاومة ديرسم، وبعد أن اضطر إلى مغادرة وطنه، حمل قضية ديرسم معه إلى المنفى، وانتقل من النضال الميداني إلى العمل السياسي والثقافي والتوثيق التاريخي، لكن أكثر ما يختصر علاقته بوطنه ربما كان وصيته الأخيرة: “حفنة من تراب ديرسم تحت رأسه، وكتاب عن تاريخها إلى جواره”.
من جبال ديرسم بدأت الحكاية
وُلد “محمد نوري إبراهيم ديرسمي” في آذار 1893 في قرية آخزونيك التابعة لقضاء خوزات في ولاية ديرسم، نشأ في أسرة كردية تنتمي إلى عشيرة ملان، وكان والده الملا إبراهيم من الشخصيات المعروفة في المنطقة، فيما تنحدر والدته زليخة من عائلة دينية عريقة، فقد والداه في سن مبكرة، فتولى عمه الملا حسن رعايته وتربيته، وفي البيئة الجبلية لديرسم تشكل وعيه الأول، تلك البيئة التي كانت بالنسبة إليه أكثر من جغرافيا، إذ ارتبطت منذ طفولته بالحرية والهوية والكرامة، درس في خوزات، ثم انتقل إلى خاربوط، حيث تابع تعليمه الإعدادي والثانوي، وهناك بدأت اهتماماته السياسية والثقافية بالظهور، فانخرط في النشاط الطلابي الكردي في مرحلة كان فيها مجرد التعبير العلني عن الهوية الكردية محفوفاً بالمخاطر.
إسطنبول.. حين التقى العلم بالسياسة
وفي عام 1911 انتقل “نوري ديرسمي” إلى إسطنبول لدراسة الطب البيطري، غير أن العاصمة العثمانية لم تكن بالنسبة إليه مجرد محطة علمية، بل كانت فضاءً للتعرف إلى النخب الكردية الناشئة والانخراط في النشاط السياسي والثقافي، انضم إلى جمعية “هيفي” الطلابية، ثم أصبح عام 1912 سكرتيراً لجمعية “محبي كردستان”.
كان يؤمن بأن أي مشروع للتحرر يحتاج أولاً إلى بناء الوعي والهوية والثقافة، ولم يكن اهتمامه بالقضية الكردية منفصلاً عن اهتمامه بالفن والثقافة؛ فقد كان يعزف على الطنبور في اللقاءات الثقافية، مدركاً أن الموسيقى واللغة والأدب أدوات أساسية في حماية الذاكرة الجماعية، وخلال الحرب العالمية الأولى خدم طبيباً بيطرياً عسكرياً على الجبهة الشرقية، وشاهد عن قرب مآسي الحرب وما رافقها من مذابح وتهجير، تركت تلك التجارب أثراً عميقاً في شخصيته، وزادت ارتباطه بقضايا الشعوب وحقها في الحياة والكرامة، وبعد تخرجه، واصل نشاطه السياسي، وانضم إلى جمعية “تعالي كردستان”، قبل أن يتعرض للاعتقال بسبب نشاطه الوطني.
من كوجكيري إلى ديرسم
وبرز اسم “نوري ديرسمي” بصورة أكبر خلال انتفاضة كوجكيري بين أعوام 1919 ـ1920 ـ 1921، كان من الشخصيات التي شاركت في تنظيمها، وهي من الانتفاضات الكردية المبكرة في مواجهة السلطة التركية الجديدة، وبعد فشل الانتفاضة، صدر بحقه حكم بالإعدام، الأمر الذي دفعه إلى مغادرة المنطقة واللجوء إلى ديرسم، حيث التقى بسيد رضا، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز رموز مقاومة ديرسم، في ديرسم، جمع نوري ديرسمي بين المعرفة السياسية والخبرة التنظيمية، وأسهم في جهود المقاومة وتنظيم الصفوف في مواجهة السياسات التي استهدفت المنطقة وسكانها، وهناك أيضاً عاش واحدة من أكثر مراحل حياته ارتباطاً بديرسم، قبل أن يتحول الوطن الذي دافع عنه إلى المكان الذي سيضطر إلى مغادرته.
ديرسم المحترقة.. وفقدان الابن
ومع اندلاع مقاومة ديرسم وتصاعد العمليات العسكرية التركية عامي 1937 و1938، تعرضت المنطقة لحملة عسكرية واسعة رافقها قصف جوي وعمليات تهجير وقتل طالت أعداداً كبيرة من السكان، وفي خضم تلك المأساة، فقد نوري ديرسمي ابنه الوحيد علي، الذي قضى جراء القصف الجوي التركي، كانت خسارة الابن جرحاً شخصياً عميقاً تضاف إلى جرح الوطن، وبينما كانت ديرسم تتعرض للتدمير، وجد نوري نفسه أمام خيار الرحيل، وفي صيف 1937 غادر المنطقة في مهمة خارجها، قبل أن يعبر في 11 أيلول من العام نفسه إلى سوريا، منهياً بذلك مرحلة طويلة من حياته، لم يكن خروجه تخلياً عن ديرسم، بل كان بداية لمنفى طويل حمل خلاله ديرسم معه في الذاكرة والكتابة والعمل السياسي.
المنفى.. حين يصبح الوطن ذاكرة
وصل “نوري ديرسمي” إلى سوريا حاملاً معه تاريخاً ثقيلاً من الحرب والمقاومة والفقدان، انتقل فترة الى الأردن، حيث عمل رئيساً للأطباء البيطريين في عمّان، قبل أن يعود إلى سوريا ويستقر في حلب مطلع أربعينيات القرن العشرين، وفي حلب وجد بيئة احتضنت عدداً من المثقفين والسياسيين الكرد، فأصبح منزله لاحقاً واحداً من الأماكن التي يلتقي فيها المهتمون بالشأن الكردي، ويتناقشون في التاريخ والسياسة والثقافة ومستقبل الحركة الوطنية، كان المنفى قد أبعده عن جبال ديرسم، لكنه لم يستطع أن ينتزعها من وجدانه، ظلت ديرسم حاضرة في حديثه وكتاباته، وكأن المسافة الجغرافية لم تكن قادرة على قطع الصلة بين الإنسان وأرضه.
شريكة العمر والمنفى
وفي حلب تعرّف نوري ديرسمي إلى فريدة، آب آغا من عشيرة شيمكان الديرسمية، وكانت معلمة ومثقفة عُرفت برجاحة العقل، تزوجا، وبدأت بينهما شراكة إنسانية امتدت حتى نهاية حياته، وقفت فريدة إلى جانبه في سنوات المنفى، وشاركت في استقبال الضيوف والناشطين والمثقفين، وساعدته في إدارة شؤون حياته اليومية. ورغم أنهما لم يُرزقا بأطفال، فتحا بيتهما أمام عدد من الأطفال الأيتام والفقراء، وتكفلا برعايتهم، ومن بينهم طفل حمل اسم «سيد رضا»، في إشارة إلى عمق الوفاء الذي ظل نوري ديرسمي يحمله للقائد الذي رافقه في مرحلة ديرسم.
بيت في حلب.. ومدرسة للذاكرة
وتحول منزل نوري ديرسمي في حي محطة بغداد بحلب إلى ما يشبه المنتدى الثقافي والسياسي، كان الأدباء والشعراء والسياسيون والشباب الكرد يقصدونه، وكانت النقاشات تتناول تاريخ كردستان وقضايا المجتمع الكردي ومستقبله، ولم يكن نوري ديرسمي يتعامل مع المعرفة بوصفها ترفاً ثقافياً، بل كان يرى فيها شرطاً للنهوض، كان يقرأ ويكتب باستمرار، ويحث الشباب على معرفة تاريخهم، مدركاً أن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لأن يُعاد إنتاج مآسيها.
المؤرخ الذي عاش التاريخ وكتبه
وتكمن أهمية “نوري ديرسمي” أيضاً في أنه لم يكتب عن الأحداث من بعيد، بل كان في كثير من الأحيان جزءاً منها وشاهداً مباشراً عليها، وفي عام 1952 صدر كتابه المعروف (ديرسم في تاريخ كردستان)، الذي أصبح من أبرز المؤلفات التي تناولت تاريخ المنطقة وجغرافيتها وتركيبتها الاجتماعية ومقاوماتها، وما تعرض له سكانها من حملات عسكرية وسياسات قمع وتهجير، كما دوّن تجربته الشخصية في مذكراته “هاتراتم”، مقدماً شهادة تجمع بين الذاكرة الشخصية والتوثيق السياسي والتاريخي، وهنا تكمن قيمة إرثه، فهو لم يترك للأجيال صورة ديرسم في الكتب الرسمية، بل حاول أن يحفظ رواية أهلها وذاكرتهم وتجربتهم من الضياع.
حضور في الحياة السياسية الكردية في سوريا
ولم يكتف “نوري ديرسمي” بالكتابة والتوثيق، بل واصل حضوره في الحياة العامة، شارك عام 1956 في تأسيس جمعية المعرفة والتعاون الكردي، التي اهتمت بنشر الثقافة والوعي بين الكرد في سوريا، ثم انضم إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا بعد تأسيسه عام 1957، وأدى دوراً استشارياً مستفيداً من خبرته الطويلة في العمل الوطني، ومع تقدمه في السن، تحول أكثر فأكثر إلى مرجع فكري وتاريخي يقصده الشباب للاستماع إلى تجربته، وكان يؤكد أن النضال لا يقوم على الشجاعة وحدها، بل يحتاج إلى المعرفة والحكمة ووحدة الصف.
حفنة من تراب ديرسم
وفي سنواته الأخيرة، اختار “نوري ديرسمي” مزار زيارة حنان في منطقة عفرين مكاناً لدفنه، وأشرف بنفسه على إعداد قبره، كان يعرف أن الإنسان قد لا يستطيع العودة إلى وطنه في حياته، لكنه يستطيع أن يجعل وطنه حاضراً في رحيله، وفي وصيته الأخيرة طلب أن توضع تحت رأسه نسخة من كتابه «ديرسم في تاريخ كردستان»، وأن ترافقه حفنة من تراب ديرسم إلى قبره، كما أوصى بأن يمر موكب جنازته أمام القنصلية التركية في حلب، في رسالة رمزية تؤكد أن مواقفه السياسية لم تكن قابلة للتراجع حتى بعد الموت، وفي 22 آب 1973، رحل نوري ديرسمي في عفرين، بعيداً آلاف الكيلومترات عن جبال ديرسم، لكن قريباً منها أكثر من أي وقت مضى؛ فقد حمل ترابها معه إلى مثواه الأخير، وبعد سنوات، دُفنت زوجته فريدة إلى جواره.
قبرٌ لم يسلم من الاعتداء
ولم تنته قصة نوري ديرسمي برحيله، فقد تعرض ضريحه في عفرين للاعتداء والتخريب بعد احتلال الدولة التركية والمرتزقة التابعة لها للمنطقة عام 2018، الأمر الذي أثار استنكاراً واسعاً لدى الكرد، باعتبار أن استهداف قبره لم يكن مجرد اعتداء على مكان للدفن، بل مساساً برمز من رموز الذاكرة التاريخية الكردية، فحتى بعد عقود من وفاته، ظل اسم نوري ديرسمي مرتبطاً بذاكرة ديرسم ومأساة التهجير والمنفى، وانتقلت قصته من جيل إلى آخر.
الذاكرة التي لا تُنفى
وتختصر حياة “نوري ديرسمي” حكاية جيل كامل من الكرد عاش انهيار الإمبراطوريات، وصعود الدول القومية، والثورات والمجازر والمنافي، لكنه رفض أن تتحول الهزيمة العسكرية إلى هزيمة للذاكرة، كان طبيباً، لكنه لم يعالج الجسد وحده، كان مؤرخاً، لكنه لم يكتب التاريخ من وراء مكتب؛ وكان مناضلاً، لكنه أدرك مبكراً أن البندقية وحدها لا تكفي لحماية قضية، وأن الكتاب يمكن أن يكون شكلاً آخر من أشكال المقاومة.
غادر ديرسم جسداً وليس روحاً
وحين وضع حفنة من ترابها تحت رأسه، كان يختصر في تلك الوصية عقوداً من المنفى والحنين والفقدان: “يمكن للإنسان أن يُبعد عن وطنه، لكن لا أحد يستطيع أن ينتزع الوطن من قلبه”، من جبال ديرسم إلى تراب عفرين، امتدت حياة “نوري ديرسمي” بين المقاومة والمنفى والكتابة، وبين البداية والنهاية بقيت ديرسم حاضرة؛ في ذاكرته، وفي كتبه، وفي وصيته، وفي قبره، ولذلك لا تُقاس حياته بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تركه من أثر في ذاكرة شعبه، فالإنسان قد يموت، وقد يُهدم قبره، وقد تتغير الخرائط، لكن الذاكرة التي حملها بإخلاص لا تموت بسهولة.