روناهي/ قامشلو ـ سبع مرات وأكثر من عقد من التهجير والنزوح وعدم الاستقرار، وما يزال آلاف من أهالي الشهباء يعيشون بعيداً عن قراهم ومدنهم، في وقت تتجدد فيه معاناتهم اليوم مع مطالبتهم بإخلاء المدارس التي يقيمون فيها بمدينة قامشلو، وسط غياب مكان بديل وغياب ضمانات حقيقية تتيح لهم العودة الآمنة إلى مناطقهم.
منذ عام 2013، لم يعرف كثير من أبناء الشهباء استقراراً دائماً، إذ تنقلوا بين مناطق عدة هرباً من الحرب والهجمات، قبل أن تصل موجة التهجير الأخيرة إلى مناطق الجزيرة والرقة والطبقة والحسكة، واليوم، تقيم 1350 عائلة من مهجري الشهباء الذين تعرضوا للتهجير خلال أعوام 2013 و2018 و2024 في مناطق قامشلو وكوباني والحسكة، فيما تقيم 210 عائلات داخل 17 مدرسة في مدينة قامشلو، بانتظار حل يضع حداً لسنوات طويلة من التهجير القسري.
رحلة تهجير بدأت عام 2013
وفي السياق، قالت الإدارية في مجلس الشهباء “رحاب جوكو”: “مر أهالي المنطقة بموجات تهجير متتالية، بدأت مع تصاعد الأزمة السورية عام 2013، لتتحول مع مرور السنوات إلى واحدة من أطول تجارب التهجير التي عاشتها العائلات”.
وأوضحت، أن أولى موجات التهجير بدأت من مناطق كفر صغير وتل عرب وتل حاصل عام 2013، قبل أن تتوسع لاحقاً مع دخول مرتزقة داعش إلى المنطقة، الأمر الذي أجبر الأهالي على التهجير مرات عدة: “بدأت رحلة التهجير عام 2013 من كفر صغير وتل عرب وتل حاصل، وبعدها من مناطق أخرى، ومع دخول داعش اضطر الأهالي إلى التهجير أكثر من مرة”.
وفي عام 2016، تحررت مدينة تل رفعت وعدد من المناطق الأخرى في الشهباء من مرتزقة داعش، الأمر الذي أتاح لعدد من العائلات العودة إلى مناطقها والاستقرار من جديد، إلا أن هذه العودة لم تكن نهاية رحلة التهجير.
فمع احتلال عفرين عام 2018، تعرض آلاف السكان للتهجير، واضطر عدد كبير منهم إلى مغادرة مناطقهم، لتبدأ مرحلة جديدة من حياة التهجير القسري امتدت سنوات طويلة.
وأشارت “رحاب”، إلى أن التهجير المتكرر لم يكن مجرد انتقال من منطقة إلى أخرى، بل أدى إلى فقدان كثير من الأهالي منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم، وجعل العائلات تبدأ حياتها من جديد في كل مرحلة.
وأضافت: “إن سنوات التهجير تركت آثاراً عميقة على جميع أفراد المجتمع، في ظل الظروف المعيشية الصعبة وفقدان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي”.
التهجير إلى مناطق الجزيرة
ومع سقوط نظام البعث عام 2024، تعرض أهالي الشهباء ومهجرو عفرين لموجة تهجير جديدة، فتوجهوا إلى مناطق الجزيرة والرقة والطبقة والحسكة، بحثاً عن الأمان والاستقرار. ورغم تغير المشهد في سوريا، بقيت قضية عودة المهجرين من دون حل واضح، الأمر الذي دفع آلاف العائلات إلى الاستمرار في حياة التهجير.
وقالت “رحاب”: “إن هناك أملاً كبيراً ساد بين الأهالي بعد سقوط النظام السوري السابق، بأن تكون المرحلة الجديدة بداية لعودة المهجرين إلى مناطقهم، إلا أن هذه التوقعات لم تتحول، وفق قولها، إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع”.
وتابعت: “كان لدينا أمل كبير بأن تتغير الظروف بعد سقوط النظام، لكننا حتى الآن لم نرَ شيئاً حقيقياً على أرض الواقع يضمن عودة الأهالي ويحفظ أمنهم”.
وترى، أن المشكلة الأساسية اليوم لا تتعلق فقط بالسماح للأهالي بالعودة، بل بغياب الضمانات التي تحميهم بعد العودة.
العودة بين الوعود والضمانات الغائبة
وحول الجهود المبذولة لإيجاد الحل، أكدت “رحاب”، أن مجلس الشهباء تواصل مع جهات في الحكومة السورية الانتقالية، وأجرى لقاءات عدة لشرح أوضاع المهجرين، إلا أن قضية العودة لا تزال من دون ضمانات واضحة.
وقالت: “إن الجواب الذي تلقوه من بعض الجهات هو أن المدنيين بإمكانهم العودة. لكن؛ من دون وجود ضمانات فعلية تحفظ حقوقهم وأمنهم، الأمر الذي يزيد من تخوف العائلات”.
وأضافت: “يقال لنا إن الأهالي يمكنهم العودة كمدنيين، لكن لا توجد ضمانات حقيقية تحفظ حقوقهم وتحميهم، وهذا هو أساس التخوف الموجود اليوم”.
كما أشارت، إلى لقاءات جرت مع نائب محافظ حلب، تم خلالها عرض أوضاع المهجرين ومطالبهم، إلا أن قضية المقاتلين بقيت من دون حل واضح.
وأوضحت، أن عدداً من أبناء الشهباء شاركوا في المقاومة ضمن جبهة الكرد وقوات أخرى، ولم تندمج جميع هذه القوى ضمن قوات سوريا الديمقراطية، ما جعل مستقبلهم أحد أبرز الملفات التي تؤثر في عودة عائلاتهم. وقالت: “أبلغونا أنه بإمكاننا العودة كمدنيين، أما بالنسبة للمقاتلين فقالوا إن الأمر ليس بأيديهم، ولذلك لم نجد حتى الآن حلاً واضحاً لمقاتلي لواء عفرين أو مقاتلي الشهباء”.
وترى “رحاب”، أن العودة يجب أن تشمل معالجة أوضاع جميع أبناء المنطقة، وأن أي حل جزئي لا يقدم ضمانات للعائلات والمقاتلين سيبقي الخوف من العودة قائماً.
انتهاكات ومخاوف مستمرة
ولا يرتبط تخوف المهجرين بغياب الضمانات السياسية والأمنية فقط، بل أيضاً بما شهدته بعض مناطقهم من اعتقالات ومداهمات وانتهاكات خلال السنوات الماضية.
وأشارت “رحاب”، إلى أن مناطق تل عرن والنيربية وتل حاصل شهدت خلال مراحل مختلفة اعتقالات ومداهمات، مؤكدةً، أن استمرار هذه الممارسات يزيد من قلق الأهالي بشأن العودة.
وقالت: “إن بعض أبناء المنطقة لم يتهجروا منذ بداية الأزمة، لكنهم ما يزالون يعيشون في ظروف صعبة، بينما يتردد كثير من المهجرين في العودة بسبب المخاوف من التعرض للملاحقة أو التضييق”.
وأشارت، إلى أن وجود مجموعات مسلحة في بعض المناطق وعدم وضوح مستقبلها يمثلان عائقاً آخر أمام العودة، خصوصاً أن العائلات تريد التأكد من أن ما حدث خلال السنوات السابقة لن يتكرر.
وترى، أن العودة الحقيقية لا تعني فقط الوصول إلى المنزل، وإنما العودة إلى حياة آمنة يستطيع فيها الإنسان ممارسة حياته من دون خوف، مع حماية الحقوق والممتلكات وضمان عدم التعرض للعائدين.
مشكلة إخلاء المدارس
وفي الوقت الذي ما تزال فيه العودة إلى الشهباء غير ممكنة بالنسبة للكثير من المهجرين، تواجه العائلات المقيمة في مدينة قامشلو مشكلة جديدة تتمثل في مطالبتها بإخلاء المدارس التي تقيم فيها.
وتتواصل المحادثات واللقاءات بين مجلس الشعب في قامشلو ومجلس الشهباء المدني ومديرية التربية والتعليم بشأن إخلاء 17 مدرسة تقيم فيها 210 عائلات من مهجري الشهباء. وعقد لقاء يوم الأربعاء 26/8/2026، بين الأطراف المعنية في محاولة لمعالجة المشكلة، إلا أن اللقاء لم يسفر حتى الآن عن التوصل إلى حل أو مخرج نهائي للقضية. وطالب مجلس الشعب في قامشلو ومديرية التربية والتعليم بإخلاء المدارس حتى ساعات المساء، فيما طالب مجلس الشهباء المدني بتجهيز مكان بديل للعائلات قبل مطالبتها بمغادرة المدارس.
وتؤكد العائلات، أن إخلاء المدارس من دون توفير بديل مناسب سيضعها أمام أزمة إنسانية جديدة، بعد سنوات من التنقل والتهجير.
ولا تزال المحادثات مستمرة بين الأطراف المعنية، في محاولة للتوصل إلى حل يحفظ حق الطلاب في متابعة تعليمهم مع ضمان عدم ترك العائلات المهجرة من دون مأوى.
1350 عائلة تنتظر الحل
ويبلغ عدد العائلات المهجرة من الشهباء التي هجرت خلال أعوام 2013 و2018 و2024 نحو 1350 عائلة تقيم حالياً في مناطق قامشلو وكوباني والحسكة.
وتشير “رحاب”، إلى أن قضية هذه العائلات لا تقتصر على تأمين مكان للسكن، بل تشمل مستقبلها وأمنها وحقها في العودة إلى مناطقها.
وقالت: “نحن نتحدث عن مئات العائلات التي ما تزال تعيش ظروف التهجير، وهناك أناس مهددون وهناك مقاتلون، ولهذا لا يمكن أن يكون الحل جزئياً، بل يجب أن تكون هناك ضمانات حقيقية تحفظ أمن وسلامة الجميع”.
وترى أن سنوات التهجير تركت آثاراً واضحة على أجيال كاملة، إذ كبر الأطفال بعيداً عن مناطقهم، وعانت العائلات من التنقل المستمر وفقدان الاستقرار، الأمر الذي جعل إيجاد حل دائم ضرورة لا يمكن تأجيلها.
العودة حق ومطلب ثابت
وشددت رحاب، على أن العودة إلى الشهباء تمثل مطلباً ثابتاً للمهجرين، مؤكدةً، أن هذه العودة يجب أن تكون آمنة ومضمونة، وليست مجرد وعد.
وقالت: “العودة حق ومطلب ثابت، ولن نتنازل عنه، ضحينا ولدينا حقوق يجب أن تُحفظ، ولا يمكن أن تبقى قضية عودتنا مجرد شعارات”.
وترى، أن المرحلة المقبلة تتطلب حلاً شاملاً لملف المهجرين، يبدأ بضمان أمنهم ومعالجة أوضاع المقاتلين وحماية حقوق العائلات وممتلكاتها.
واختتمت الإدارية في مجلس الشهباء “رحاب جوكو”: “إذا كانت سوريا تتجه نحو الاستقرار، فمن حق جميع أبنائها أن يعودوا إلى مناطقهم عودة آمنة وموثوقة ومضمونة، لا أن تبقى الوعود كلاماً من دون تنفيذ على أرض الواقع”.
وبين انتظار العودة إلى الشهباء والبحث عن مأوى جديد في مناطق التهجير، يبقى مصير آلاف العائلات معلّقاً، فبعد سبع رحلات من التهجير، لا يطالب أبناء الشهباء سوى بحل ينهي سنوات طويلة من المعاناة، ويمنحهم فرصة العودة إلى بيوتهم ومناطقهم في ظل ضمانات حقيقية تحمي أمنهم وحقوقهم، وتضع حداً لحياة التهجير التي رافقتهم لأكثر من عقد.