وصلت المناورات الدبلوماسية للفاعلين الإقليميين والعالميين، ولغة الحرب التهديدية، وعلاقات المصالح، إلى ذروة الاستقطاب السياسي والاقتصادي، وفي هذه النقطة بالذات، وصلت الدبلوماسية الردعية والقنوات السياسية إلى طريقٍ مسدود.
السلسلة المتواصلة من الصراعات التي بدأت في الشرق الأوسط منذ عام 2023 واستمرت حتى منتصف عام 2026، غيّرت البنية الأمنية للمنطقة من جذورها. هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر لم تعد خطر انتشار، بل أصبحت واقعاً منتشراً. امتدت حرب غزة إلى جبهات إقليمية، وشهدت مواجهةً مباشرةً بالصواريخ والطائرات المسيّرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وحرب ثقيلة، ولا تزال حرب الوكالة المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات في اليمن مستمرة. ولبنان وسوريا ما زالا المربع الثاني على رقعة الشطرنج.
لم تعد هذه الأزمات تُقرأ بمعزلٍ عن بعضها كما في الماضي، لقد أصبحت جميعها متغيرات في معادلة واحدة. اسم هذه المعادلة هو الصراع على الهيمنة العالمية. التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين، وحرب موسكو في أوكرانيا، والبرنامج النووي لطهران، وادعاء الرياض للقيادة الإقليمية، وهواجس أنقرة الأمنية البحرية، واستراتيجية إسرائيل الأمنية، كلها تُلعب على رقعة الشطرنج نفسها، ولهذه الرقعة مربعين حاسمين. أوكرانيا في الشمال، وإيران في الجنوب. طاقة العالم وتجارته تمر عبر هاتين الجبهتين.
النتيجة الأكثر وضوحاً للحرب ظهرت في البحار ذات الأهمية الجيوسياسية: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وحوض بحر قزوين وغيرها. يمر ما يقارب عشرة بالمائة من التجارة العالمية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أما حجم المرور عبر مضيق هرمز فهو أقل من ثلاثين بالمائة، ومع ذلك فهو حاسم لأنه المنفذ الوحيد لخروج نفط الخليج العربي، لقد تحولت هجمات الحوثيين التي بدأت منذ تشرين الثاني 2023 بحجة ارتباط السفن بإسرائيل، بسرعة إلى أزمة في سلسلة التوريد العالمية، حيث بدأ كبار الملاك البحريين بتسيير سفنهم عبر رأس الرجاء الصالح، وأدى ذلك إلى تضاعف أسعار الشحن على خط آسيا – أوروبا ثلاث مرات، وارتفاع أقساط التأمين بشكلٍ كبير، وفي الفترة نفسها، ظل مضيق هرمز تحت تهديد مستمر بسبب تصريحات إيران تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. تجاوزت أسعار النفط مائة دولار للبرميل. أي أن الحرب لم تُحس في الميدان فقط، بل في كل دولة ومدينة، وفي فاتورة الكهرباء لكل بيت، وعلى رفوف كل متجر.
في مواجهة هذا المشهد، طورت الدول العالمية والإقليمية نهجين أمنيين مختلفين. قاد النهج الأول المملكة العربية السعودية. رأت الرياض أنها مستهدفةً مباشرةً عبر شبكة وكلاء إيران، فأعلنت في تموز 2026 عن تحالف للأمن البحري والاستقرار بمشاركة 43 دولة. هدف هذا التحالف فتح ممر البحر الأحمر كبديل لمضيق هرمز أمام حركة التجارة، وبناء ردع جماعي ضد التهديدات ذات الطابع الإيراني. تشكّل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان عامود هذا التحالف الفقري، أما النهج الثاني فقد مثلته الإمارات العربية المتحدة وعُمان. لم تنضم الدولتان إلى التحالف، والسبب ليس نقص القدرات العسكرية، بل حساب جيوسياسي مختلف. أصبحت الإمارات شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون عام 2024، ووقّعت اتفاقيات بمليارات الدولارات مع الصين في الموانئ والبنية التحتية، ولديها خط أنابيب نفط يتجاوز مضيق هرمز عبر ميناء الفجيرة. وأعادت فتح السفارات مع إيران عام 2023. كان خيار الإمارات بدلاً من الدخول في استقطاب بقيادة سعوديّة، أن تكون مركزاً لوجستياً محايداً يتاجر مع الجميع.
كان وضع عُمان أكثر وضوحاً. الضفة الجنوبية لمضيق هرمز تابعة لعُمان. لا تستطيع إيران السيطرة على المضيق وحدها، كما لا تستطيع عُمان ذلك وحدها. الاثنتان أسيرتان لبعضهما. تقوم عُمان بالوساطة بين الولايات المتحدة وإيران منذ أربعين عاماً، وأُجريت الجولة الأولى من المفاوضات النووية عام 2015 في مسقط، لم تدخل حرب اليمن، ولم تنحز في أزمة قطر. هذا الحياد هو أكبر رأس مال لعُمان. ماذا تريد عُمان أن تفعل؟ إنها تتبع خارطة طريق مرنة في القنوات السياسية والدبلوماسية. لكن؛ هذه المرونة لا تجيب على مطالب إيران وأمريكا وإسرائيل الذين يخوضون حرب وجود ضد بعضهم، لأن الأطراف الآن تسعى للفرض أكثر من التوافق. لذلك؛ دور عُمان يقتصر حالياً على إبقاء الطاولة جاهزة.
السؤال الحاسم هنا هو: هل تستطيع دول المنطقة اتخاذ القرار بمفردها؟ الجواب لا، لأن خلف كل دولة الآن قوة عالمية، حيث تتكئ السعودية ومصر على المظلة الأمنية الأمريكية، وتحصل إيران على دعم اقتصادي وعسكري من روسيا والصين، وتمتلك الإمارات اتفاق دفاع مع الولايات المتحدة واتفاقيات تجارة مع الصين، وتركيا عضو في الناتو لكنها في الوقت نفسه تتعاون في الطاقة مع روسيا وإيران، هذا الاعتماد متعدد الأقطاب جعل القرارات الإقليمية مرتبطة بتوافق واشنطن وبكين.
الآن ساحة الحرب للفاعلين العالميين والإقليميين هي دولتان، أوكرانيا في الشمال، وإيران في الجنوب. في أوكرانيا تواجه الولايات المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي روسيا، هذه الحرب بالنسبة للناتو والاتحاد الأوروبي هي أيضاً تأمين لأوراسيا وحوض بحر قزوين، وفي الجنوب تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج إيران. في الجبهتين تقف الصين وروسيا كداعمٍ اقتصادي يبقي إيران على قيد الحياة، والولايات المتحدة هي الطرف الذي يزود الجبهتين بالسلاح والمال والاستخبارات؛ تغذي الحربان بعضهما.
عندما تخصص أمريكا موارد لأوكرانيا، يقل المخزون المتاح للخليج. وتعطي إيران طائرات مسيّرة لروسيا وتحصل بالمقابل على تكنولوجيا نووية، وعندما يضرب الحوثيون البحر الأحمر، ينتقل الأسطول الأمريكي إلى هناك وترتاح الصين في المحيط الهادئ. أي أن ما يحدث في الشمال يؤثر مباشرةً على الجنوب، وما يحدث في الجنوب يؤثر على الشمال، محقاً كان أم ظالماً، تعرف كل دولة تخوض حرباً حربها على أنها مسألة أرض ووجود، لذلك لم تعد المسألة أرضاً فقط، بل أصبحت مسألة بقاء الأنظمة.
كيف تنتهي هذه الحرب؟
لا تنتهي الحروب بتنبؤات مجردة، بل بإنهاك الأطراف، إذا اضطرت الأطراف في الجبهة الإيرانية للجلوس إلى الطاولة فسيكون السبب انسداداً ثلاثياً. تعاني إيران أزمة اقتصادية بسبب العقوبات وخطر المواجهة المباشرة. واضطرت السعودية والإمارات إلى تأجيل مشاريعها الرؤية بسبب حرب اليمن المستمرة منذ عشر سنوات وهجمات الحوثيين، ودخلت الولايات المتحدة في حربٍ واسعة مع إيران بينما كانت تنقل الموارد إلى أوكرانيا. وترامب يريد على وجه الخصوص إنهاء الحرب في جبهةٍ واحدة على الأقل، والصين تحتاج نفط إيران لكنها لا تريد إغلاق البحر الأحمر، هذا الانسداد المشترك يدفع الأطراف للبحث عن تجميد. أي أن وقف إطلاق النار لن يكون إعلان انتصار، بل سيكون حاجة للتنفس.
إذا جُمّدت الجبهة الإيرانية، فستكون الخطوة الأولى مطلب دورية مشتركة في مضيق هرمز؛ لأن هرمز هو المفتاح لكل شيء. إذا أرادت إيران إغلاق المضيق وحدها سينهار الاقتصاد العالمي وتُدفن إيران تحت الحصار، وإذا أرادت عُمان فتحه وحدها ستتعرض للتهديد من إيران، وتجد الولايات المتحدة صعوبةً في السيطرة عليه وحدها. التاريخ أثبت ذلك ثلاث مرات. في حرب الناقلات 1980-1988 حاولت إيران وحدها وخسرت نصف أسطولها، وفي 2019 شكّلت أمريكا تحالفاً لكن الإمارات وعُمان لم تدخلا، وفي 2023 أغلق الحوثيون باب المندب، وتحوّل الحمل إلى هرمز ولم يتحمله النظام. النتيجة واضحة، لا تستطيع دولة واحدة السيطرة على هرمز.
مطلب الدورية المشتركة يريد أن يتشكل على النحو التالي. تريد إيران القيام بدوريات في شمال المضيق، وتريد عُمان أن تكون في الجنوب وأن تؤسس مركز التنسيق في مسقط، وتريد الإمارات تقديم الدعم اللوجستي والاستخباري عبر الفجيرة، وتريد السعودية توفير التمويل وربط البحر الأحمر، وتريد الصين وأمريكا تقديم ضمانات بالأقمار الصناعية والردع من الخلف، ويراد أن يكون الفاعلون الإقليميون في الصف الأمامي، هذه صيغة تنقذ وجه إيران وتضمن أمن دول الخليج، وتطرحها الصين والدول الوسيطة على الطاولة، لكن يجب التأكيد، هذه حالياً رغبات وشروط تُناقش على الطاولة. عملياً لا يوجد شيء تم قبوله أو توقيعه بعد.
إذا بُحث عن تفاهم في هرمز، سيأتي الدور على باب المندب. المنطق نفسه؛ مطلب سيادة مشتركة، هناك أيضاً تريد مصر والسعودية واليمن وجيبوتي الجلوس إلى الطاولة، تريد مصر أن تكون مركز القيادة بصفتها صاحبة قناة السويس، وتريد السعودية تقديم المال والبحرية، ويراد إشراك الحكومة والحوثيين في اليمن معاً في النظام، وإلا سيضرب أحدهم حتماً، وتريد جيبوتي، التي تستضيف قواعد أمريكا والصين وفرنسا واليابان، أن تكون مركز استخبارات ولوجستيات محايداً؛ وتريد عُمان والإمارات نقل تجربة هرمز إلى هناك. وتريد أمريكا والصين أن تكونا ضامنتين من الخلف. بدون هذا النموذج، يبدو من غير الممكن فتح البحر الأحمر بشكلٍ دائم؛ لأن ضرب أمريكا، أو دخول إسرائيل، أو حرب السعودية وحدها في اليمن لم تأتِ بنتيجةٍ منذ عشر سنوات.
إذا جرى الحديث عن مطلب دورية مشتركة في المضيقين، فسيُعاد تشغيل عامود فقري واحد للطاقة والتجارة يمتد من الخليج العربي إلى هرمز، ومنه إلى بحر عُمان، ثم باب المندب، والبحر الأحمر، والسويس. هذا سيؤمن أمن الطاقة لأوروبا ويريح سلاسل التوريد في آسيا، والصين التي تؤمن بذلك تلعب دور الوسيط الدبلوماسي لا دور السلاح في هذه العملية.
المفهوم الأكثر أهمية هنا هو مطلب السلام الدائم. الهدن الجزئية والاتفاقات المؤقتة لا تُجدي، لأنه في السلام المؤقت يواصل الجميع التسلح. تشتري السعودية دفاعاً لأنها تقول غداً سنُضرب مجدداً، وتواصل إيران برنامجها لأن العقوبات قد تعود. ويُسيّر المالك البحري سفينته عبر رأس الرجاء الصالح بسبب المخاطرة؛ السلام الدائم ممكن فقط بإنهاء اقتصاد الحرب وبدء اقتصاد التجارة. لذلك؛ يجب تثبيت ثلاثة أرجل في آنٍ واحد. الرجل الأولى إقليمية، ويجب على إيران والسعودية، والحكومة والحوثيين في اليمن، وإسرائيل وغزة ولبنان أن يتفقوا مباشرة.
الرجل الثانية عالمية، ويجب على أمريكا والصين التوافق على ألا تتعطل التجارة.
الرجل الثالثة بحرية، يراد تأمين هرمز وباب المندب بنماذج إدارة مشتركة.
احتمال مناقشة هذا السيناريو حتى عام 2027 مرتفع؛ لأن القوى العالمية والفاعلين الإقليميين منهكين. أمريكا لم تعد تريد حرباً لا نهائية في الشرق الأوسط لأنها فقدت هيبتها، والصين هي أكثر دولة تتضرر من عدم الاستقرار، وروسيا مقفلة على أوكرانيا، ودول المنطقة مضطرة لإنقاذ مشاريعها “الرؤية والسياحة والاستثمارات”. لذلك؛ هل يمكن أن يطرح إعلان مسقط باستضافة عُمان وبوساطة الصين وبموافقة ضمنية من أمريكا؟ الظاهر أن شروط طرح إعلان سلام بهذا الاتجاه قبل عام 2030 على الأقل غير متوفرة، قد يريد هذا الإعلان أن يتضمن دورية مشتركة في هرمز أولاً، ثم هدنة في اليمن، وأخيراً اتفاقاً محدوداً بشأن البرنامج النووي. لكن أكرر، هذه حالياً رغبات وسيناريوهات، عملياً لا يوجد اتفاق موقع.
نتيجة لذلك، لن تكون البنية الأمنية الجديدة للشرق الأوسط أحادية القطب ولا ثنائية القطب. يجب أن تكون بنية متعددة الأقطاب ومشتركة، تريد إيران وعُمان الاحتفاظ بمفتاح هرمز. وتريد السعودية ومصر الاحتفاظ بمفتاح البحر الأحمر، وتريد الإمارات وعُمان أن تكونا جسراً بين الخطين، وتريد أمريكا والصين أن تكونا الضامنتين الخارجيتين لهذا النظام. يعرفون أن لا أحد يستطيع الفوز وحده. خصوصاً في القرن الحادي والعشرين، أصبحت البحار وتجارتها العمود الفقري للاقتصاد العالمي، وبسبب تدفق النفط والأسمدة والمواد الأساسية المجمدة يخسر كل يوم، فإذا تم التوصل إلى اتفاق حول السيطرة على الممرات البحرية أولاً، فستأتي المرحلة الثانية إلى طرق التجارة البرية.
لذلك؛ السنوات القادمة حاسمة، إما أن تتعمق دوامة الصراع ويدخل العالم في ركود، أو أن تُجبر الأطراف على اختيار السلام الدائم بعد الإنهاك، والتاريخ علمنا أن الخيار الثاني كان دائماً الأرخص.