منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، وُلدت معه الإنسانية؛ لم تكن امتيازًا لفئة، ولا لقبًا يُمنح لأحد، بل كانت فطرةً أودعها الله في نفس كل إنسان، ليعرف بها معنى الرحمة، ويهتدي بها إلى المحبة، ويبني بها جسور الألفة مع من حوله.
فالإنسان بطبيعته كائنٌ اجتماعي، لا تكتمل حياته بالعزلة، ولا تغنيه أسباب الرفاه عن حاجته إلى المودة، والاحترام، والشعور بالانتماء.
فالاحترام، والصدق، والتقدير، والتعاون، والرفق، والثقة، والإخلاص، وحسن الظن، ليست مجرد صفاتٍ أخلاقية، بل هي الأعمدة التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، وهي التي تمنح الحياة معناها الحقيقي، فإذا غابت، تحولت العلاقات إلى أجسادٍ بلا روح، وأماكن تجمعها الجدران وتفرّقها القلوب.
ولطالما شُبِّهت العلاقات التي تخلو من الإنسانية بالأرض الجافة؛ فكما يذبل الزرع حين ينقطع عنه المطر، تذبل القلوب حين يغيب عنها الحب والرحمة، وما أقسى أن يجتمع الناس تحت سقفٍ واحد، بينما أرواحهم متنافرة، وقلوبهم متباعدة، وكلماتهم جارحة، حتى يتحول القرب إلى غربة، والمعرفة إلى خصومة، والمحبة إلى عداوة. وتبقى الإنسانية حاضرة في كل تفاصيل الحياة، فلا تقتصر على علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، بل تمتد لتشمل كل مخلوقٍ من حولنا؛ فالرحمة بالحيوان، والرفق بالضعيف، والإحسان إلى كل كائن حي، ليست مظاهر ترف، بل دليل على حياة القلب ورقته، فالقلوب التي ترحم كل ما حولها، هي الأقرب إلى رحمة الله.
ولا أقصد بهذا الحديث التعميم، فمجتمعاتنا ما زالت تزخر بالنفوس الطيبة والقلوب الرحيمة، لكن القلة التي تتجرد من الإنسانية قد تترك أثرًا مؤلمًا يفوق عددها، لأن الشر غالبًا ما يكون أعلى صوتًا، بينما يعمل الخير بصمت.
والحقيقة أن الإنسانية لا تحتاج إلى دوراتٍ تدريبية، ولا إلى شعاراتٍ تُرفع، فهي تنبع من قلبٍ حي، يرى في الآخر إنسانًا يستحق الاحترام، مهما اختلف عنه في الفكر أو الدين أو الثقافة أو اللون، إنها أن تشعر بوجع غيرك، وأن تفرح لفرحه، وأن تعفو إذا قدرت، وأن تحسن وإن أسيء إليك، وأن تترك في كل قلبٍ تمر به أثرًا طيبًا.
وإذا أردنا أن نغيّر العالم، فلنبدأ بإحياء الإنسان في داخلنا؛ فكل قلبٍ يفيض رحمةً، هو وطنٌ صغيرٌ تتسع به الحياة، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الآخرين، بل من تهذيب النفس، وإحياء الضمير، وترسيخ قيم الرحمة والعدل في تعاملنا اليومي.
إن الإنسانية ليست حلمًا بعيدًا، بل قرارٌ نتخذه كل صباح، وكلمةٌ طيبة ننطق بها، ورحمةٌ نهديها لمن حولنا، وعدلٌ نلتزمه في تعاملنا مع الجميع، فبقدر ما نزرع من خير في قلوب الناس، نكون قد أسهمنا في بناء عالمٍ أكثر أمنًا، ومحبةً، وسلامًا.
فلنبنِ علاقاتنا على الصدق، والرحمة، والاحترام، ولنجعل الإنسانية لغتنا المشتركة، فهي الجسر الذي تعبر عليه القلوب، والضمانة الوحيدة لبقاء المحبة، وازدهار الحياة، وسلام المجتمع.
إذا فرّقتنا الانتماءات… جمعتنا الإنسانية.