رغم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة والتقاطعات الإقليمية والدولية التي تعيد تشكيل موازين القوى.
نجح القائد عبد الله أوجلان من خلال مبادرته السلام والمجتمع الديمقراطي في كسر حالة الانسداد التي بلغها العقل السياسي الكردي خلال العقود الماضية فقد ظل هذا العقل أسير منطق رد الفعل يتعامل مع التطورات بعد وقوعها بدلا من المبادرة إلى صناعة الوقائع السياسية نفسها.
تكمن أهمية ما يطرحه القائد عبد الله أوجلان في أنه لا يحاول تغيير موازين القوى العسكرية القائمة بل يسعى إلى إعادة توظيفها سياسيا فهو ينطلق من حقيقة أن الرهان على الدعم الخارجي لا يمكن أن يشكل أساسا ثابتا لمشروع سياسي كردي ليس فقط لأن القوى الدولية تتحرك وفق مصالحها المتغيرة وإنما أيضا لأن التاريخ نفسه يفرض على الكرد التعامل بحذر مع هذا الرهان، فالكرد الذين يعيشون حتى اليوم نتائج التقسيمات التي فرضتها القوى الدولية على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى والتي ارتبطت باتفاقيات ومشاريع مثل سايكس بيكو وتفاهمات القوى البريطانية والفرنسية والروسية حول المنطقة لا يمكنهم أن يتعاملوا مع القوى نفسها باعتبارها ضامنا لوحدة قضيتهم أو لتحقيق مشروعهم السياسي، فالقوى التي ساهمت سياساتها في رسم الحدود التي قسمت كردستان بين عدة دول لا يمكن افتراض أنها ستضع مصالح الكرد فوق مصالحها الاستراتيجية كلما تغيرت موازين القوى، والدعم الخارجي في النهاية ليس التزاما أخلاقيا أو تاريخيا. ولذلك؛ فإن بناء المشروع السياسي الكردي على قوة ذاتية وعلى القدرة على إنتاج التفاهمات السياسية والإقليمية أكثر استقرارا من ربط مستقبله بإرادة قوى خارجية تتغير حساباتها بتغير مصالحها ولهذا فإن جوهر الاستقلال السياسي لا يكمن في رفض الدعم الخارجي وإنما في ألا يصبح المشروع السياسي رهينة له فالقوى الدولية يمكن أن تكون شريكا في لحظة وخصما أو متخليا في لحظة أخرى بينما القوة التي يصنعها الكرد بأنفسهم سياسيا واجتماعيا ومؤسساتيا هي وحدها التي يمكن أن تتحول إلى أساس مستدام لأي مشروع، وربما هنا أيضا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في رؤية القائد أوجلان أن يصبح الكرد أصحاب قرار في صناعة التوازنات.
ومع ذلك ترسخ العامل العسكري بفعل عقود الصراع في الوعي الجمعي الكردي باعتباره شرطا لا غنى عنه لأي مواجهة أو مكسب سياسي حتى أصبح هناك تناقض واضح بين إدراك حدود القوة العسكرية وبين الاعتقاد باستحالة المواجهة من دونها ومن هنا جاءت محاولة القائد أوجلان لكسر هذه القاعدة عبر إعادة وضع القوة العسكرية في موقعها الوظيفي لا باعتبارها شرطا دائما للفعل السياسي وإنما أداة تخضع للظروف مع إعادة السياسة إلى موقعها كوسيلة أساسية لتحقيق المكاسب. ومن هنا جاءت دعوته إلى الانتقال من الحرب إلى السياسة ومن السلاح إلى التفاوض ومن البحث عن انتصار طرف على حساب الآخر إلى صياغة معادلة تحقق مصالح مشتركة.
يرى القائد أوجلان أن استمرار الصراع التركي الكردي في ظل التحولات الإقليمية قد يقود الطرفين إلى موقع بالغ الخطورة؛ فالتاريخ التركي الحديث لا يزال يحمل ذاكرة تفكك الإمبراطورية العثمانية وما رافقه من حروب وتقسيمات وإعادة رسم للحدود وإن عودت المنطقة إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى< فإن بقاء الكرد في مواجهة تركيا قد يجعلهم جزءا من عملية جيوسياسية أوسع يمكن أن تكون لها تداعيات عميقة على مستقبل الدولة التركية نفسها. وفي هذه الحالة قد يجد الأتراك أنفسهم أمام واقع مختلف عن ذلك الذي عرفوه في محطات تاريخية سابقة حين قاتل الكرد إلى جانبهم في لحظات مصيرية كما حدث في معركة “جناق قلعة” أما في صراع إقليمي واسع جديد فقد يجد الطرفان نفسيهما على ضفتين متقابلتين ولن يكون ذلك انتصارا حقيقيا لأي منهما بل خسارة مشتركة ذات كلفة بشرية واقتصادية واجتماعية وسياسية واستراتيجية هائلة وهذا ما يفسر مفهوم النصر البيروسي الذي يستند إليه القائد عبد الله أوجلان انتصار يتحقق بثمن يفوق المكاسب التي يمكن أن يحققها، فمنذ تأسيس الجمهورية التركية في ظل النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى ولوزان لم تنظر أنقرة إلى المسألة الكردية باعتبارها قضية داخلية منفصلة عن محيطها بل تطور تدريجيا تصور أمني يرى في صعود أي قوة كردية مستقلة أو مسلحة خارج الحدود امتدادا محتملا للمشكلة الكردية داخل تركيا، ولذلك تعاملت تركيا بدرجات مختلفة وحسب كل مرحلة مع الحركات والقوى الكردية في العراق وسوريا باعتبارها جزءا من أمنها القومي وانتقلت في مراحل لاحقة إلى التدخل المباشر عندما رأت أن هذه القوى باتت قادرة على تشكيل واقع سياسي أو عسكري دائم على حدودها، أما إيران فعلى الرغم من اختلاف طبيعة العلاقة التركية معها فقد بقيت الحركات الكردية الإيرانية جزءا من الحسابات الأمنية الإقليمية المرتبطة بالمسألة الكردية العابرة للحدود وبذلك تحولت القضية الكردية من مسألة داخلية تركية إلى واحدة من أكثر القضايا الإقليمية ارتباطا بالأمن القومي التركي، ومن هنا تحديدا يمكن فهم حجم التحول الذي يحمله نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي”، فإذا كانت الحركة الكردية في أي مكان من المنطقة تدخل بدرجات مختلفة ضمن الحسابات التركية باعتبارها احتمالا أو مصدرا لتهديد الأمن القومي التركي؛ فإن أي تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين تركيا والحركة الكردية داخل تركيا لن يبقى محصورا داخل الحدود التركية بل ستكون له بالضرورة انعكاسات على طريقة أنقرة في مقاربة المسألة الكردية في سوريا والعراق وحتى إيران، فحين تنتقل العلاقة من منطق المواجهة والاحتواء إلى منطق السياسة والحوار؛ فإن الأمر لا يتعلق فقط بإنهاء صراع تركي كردي عمره عقود وإنما بإعادة تعريف واحدة من أهم القضايا التي حكمت الأمن القومي التركي في محيطه الإقليمي، ومن هذه الزاوية يصبح نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي” أكبر من مبادرة لإنهاء حرب لأنه يفتح إمكانية تغيير المعادلة التي تعاملت من خلالها تركيا مع القضية الكردية في المنطقة كلها وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن زلزال إمرالي وصفا سياسيا يتجاوز البلاغة؛ لأن أثر الزلزال الحقيقي لا يقاس بمكان وقوعه وإنما بحجم الدوائر التي يمكن أن تمتد منه، ففي الداخل التركي تقوم الفكرة على بناء سلام دائم بين الكرد والأتراك يقوم على الأخوة التاريخية والاجتماعية بالتوازي مع الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والمحلية للكرد، وبذلك لا تعود حقوق الكرد مشروعا يستهدف الدولة التركية ولا يصبح الحفاظ على وحدة تركيا مبررا لإنكار هذه الحقوق، أما على المستوى الإقليمي فتتجاوز الرؤية حدود العلاقة الثنائية بين الكرد وتركيا لتقترح توظيف الإمكانات الكردية ضمن معادلة أمنية وسياسية جديدة في الشرق الأوسط في مواجهة التحولات التي تدفع بها القوى الإقليمية والدولية بما فيها المشاريع المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل. ويستند هذا التصور إلى قراءة تاريخية تعتبر أن مصير الكرد والأتراك ظل متشابكا في مراحل عديدة وأنهما لم يكونا دائما خصمين بل إن محطات تاريخية مهمة شهدت تعاونا بينهما وأن هذا الترابط يمكن أن يشكل أساسا لبناء علاقة جديدة تتجاوز منطق الصراع القومي التقليدي. ومن هنا أيضا يمكن فهم موقفه من السلاح فالقائد عبد الله أوجلان لا ينكر أهمية امتلاك الكرد لعناصر القوة الذاتية لكنه لا يرى أن القوة العسكرية يجب أن تكون الهدف النهائي أو الشرط الوحيد لتحقيق المكاسب السياسية فقيمتها في نظره تتحدد بوظيفتها والظروف التي تستخدم فيها، وإذا أصبح استمرار حمل السلاح عائقا أمام تحقيق الحقوق السياسية فإن التخلي عنه قد يتحول من فعل ضعف إلى قرار سياسي يعيد فتح المجال أمام السياسة. ولهذا؛ فإن دعوته إلى إلقاء السلاح لا تمثل في جوهرها تخليا عن مفهوم القوة وإنما محاولة لإخراجها من وظيفتها العسكرية التقليدية وإعادة إدماجها في معادلة سياسية جديدة فالمشكلة ليست في امتلاك القوة بحد ذاتها بل في أن تتحول إلى غاية مستقلة عن السياسة وأن تصبح الحرب الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله التفكير في القضية الكردية. لكن؛ هذا التحول يظل من أكثر التحولات صعوبة على المستوى الكردي لأنه يصطدم مع منظومة فكرية تشكلت على مدى عقود طويلة من الصراع وأصبحت ترى في القوة العسكرية ضمانة أساسية لأي مكسب سياسي، غير أن الحكم على هذه المبادرة لا يمكن أن يتم فقط من خلال مقارنتها بالشعارات التي حكمت المرحلة السابقة وإنما من خلال النتائج التي يمكن أن تنتجها على الأرض، فالمسار السياسي الذي دفع به القائد أوجلان بدأ يفتح قنوات جديدة في روج آفا وساهم في تحويل حملة الابادة في 2026 إلى اتفاق ومن الاتفاق إلى الدمج وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للحوار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية في دمشق في وقت كان وجود الكرد في روج آفا على المحك، وما كان يجري في باشور لم يكن أقل خطورة فقد كانت تعيش تحت ضغط أمني وسياسي متواصل نتيجة القصف والتدخل التركي العلني والتهديدات المتكررة من أطراف عراقية مرتبطة بقوى خارجية إلى جانب التهديد الإيراني والنشاط المستمر للجماعات المتطرفة بما جعل باشور كردستان أمام شبكة من التهديدات المتداخلة التي لم تأت من طرف واحد. وهكذا وجد الكرد في باشور أنفسهم أمام واقع إقليمي معقد تتقاطع فيه المصالح التركية والإيرانية والعراقية إضافة إلى مخاطر المجموعات المتطرفة الأمر الذي جعل أي تصعيد في المنطقة قابلا للتحول إلى أزمة أوسع تتجاوز حدود إقليم كردستان نفسه. ومن هنا؛ فإن انتقال الحركة الكردية من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق السياسة والحوار لا يمكن أن يقرأ فقط من زاوية العلاقة بين الكرد وتركيا بل باعتباره محاولة لإعادة ترتيب المعادلة الكردية في منطقة فيها الجغرافيا الكردية نفسها ساحة لتقاطع مشاريع وقوى متعددة فإذا كان نداء السلام والمجتمع الديمقراطي قد استطاع تخفيف منطق المواجهة في واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيدا؛ فإن تأثيره على باشور يفتح بدوره مساحة جديدة للحوار والاستقرار.
وفي تركيا نفسها تكتسب التطورات أهمية أكبر إذا انتقلت القضية الكردية من المجال الأمني إلى المجال القانوني والمؤسساتي فظهور نقاش جدي حول الإطار القانوني لمعالجة القضية الكردية وطرح إمكانية انتقال هذا المسار إلى البرلمان يعني أن القضية التي ظلت لأكثر من قرن مرتبطة إلى حد كبير بمفهوم الأمن والصراع المسلح قد تبدأ بالدخول إلى فضاء القانون والسياسة والمؤسسات.
إن الاستمرار في هذا المسار والوصول إلى خطوات قانونية وسياسية فعلية؛ فإن الكرد يكونون أمام واحدة من أكثر التحولات أهمية منذ تأسيس الجمهورية التركية فالقضية لن تعود عندها محصورة في سؤال الحرب والسلاح وإنما ستنتقل إلى سؤال الحقوق والتمثيل السياسي والاعتراف والتعايش وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالتاريخ السياسي لا يقيس الانتصارات دائما بعدد المعارك بل أحيانا بمدى القدرة على تحويل ميزان القوى القائم إلى مكاسب سياسية مستدامة. لهذا؛ فإن زلزال إيمرالي لا يتعلق فقط بما يقوله أوجلان أو بما إذا كانت مبادرته ستنجح أو تفشل وإنما يتعلق بالتغيير الذي تحاول إحداثه في طريقة التفكير نفسها إنه انتقال من سؤال كيف ننتصر على الآخر؟ إلى سؤال كيف نعيد بناء المعادلة بحيث لا يحتاج أي طرف إلى هزيمة الآخر؟
وربما يكون هذا هو جوهر التحول الذي يحاول القائد عبد الله أوجلان إحداثه ليس إلغاء الطموح الكردي وإنما إعادة صياغته بما يتناسب مع الواقع وترجمة ما كان يوما يوتوبيا سياسية إلى مشروع يمكن أن يجد طريقه إلى المؤسسات والقوانين والوقائع، في منطقة اعتادت طويلا أن ترى الحرب قدرا والانقسام مصيرا والمستحيل أفقا وحيدا قد يكون أكبر تغيير هو أن يصبح السلام نفسه مشروعا سياسيا قابلا للحياة.