عبد الرحمن ربوع
لم يعد الإيرانيون يملكون رفاهية إطالة أمد الحرب مع الأمريكان والإسرائيليين، وتشير التحليلات إلى أن إيران تحولت إلى ما يمكن تسميته “اقتصاد البقاء”، وإنها تستغل فترات التهدئة والدبلوماسية لتعزيز قدراتها العسكرية، وسط صراع داخلي متصاعد بين الحرس الثوري وتيارات متشددة صعدت لمواقع أمنية عُليا من جهة، وتيارات إصلاحية مدنية كانت ومازالت تراهن على الحلول الدبلوماسية لإنهاء الحرب من جهةٍ أخرى.
التحول نحو “اقتصاد البقاء” والاستنزاف الداخلي يشيران إلى أن إيران تدير أزمتها الاقتصادية المتفاقمة جراء الحصار البحري عبر تقنين الخدمات والسلع الضرورية، وتوجيه الموارد لدعم مفاصل الدولة الأساسية بما فيها المجهود الحربي. ولا تنظر طهران إلى مُهَل التهدئة الدبلوماسية سوى كفرصةٍ للخصوم لكسب الوقت، مما يدفعها بالمقابل للاستعداد لمواجهة ممتدة بدلاً من تقديم تنازلات كبرى.
هذا فيما يتصاعد صراع سياسي، ونفوذ أوسع للحرس الثوري، وانقسام سياسي، واستبعاد مؤقت لأجنحة التفاوض لصالح الصقور التواقين لمواصلة الحرب من الحرس الثوري والشخصيات الأمنية المتشددة المعينة مؤخرًا خلفًا لمن قتلتهم الغارات الأمريكية والإسرائيلية، لإيصال رسالة صلابة وتهديد للجانب الأمريكي ودول الجوار، فيما تُراهن القيادة الإيرانية على إطالة أمد الصدامات الإقليمية لرفع التكلفة على واشنطن وحلفائها، بغض النظر عن الضغوط المعيشية المتزايدة في الداخل.
كما أشارت اتصالات تم اعتراضها، ومعلومات أخرى استخباراتية، بحسب ما نشرت مجلة منارة التابعة لمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENAF، إلى تحول استراتيجي من جانب قادة إيران المتشددين لرفع التكاليف على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. حيث اعتبر هؤلاء القادة الاتفاق المزمع مع الأمريكان، على الأرجح، مجرد محاولة من واشنطن وتل أبيب لتخفيف الضغط عن الاقتصاد العالمي، وأن الحرب مستمرة وعليهم حشد المزيد من الموارد لأجلها.
وبحسب تقارير استخباراتية أمريكية، فقد انتهى الجناح المتشدد في القيادة الإيرانية إلى أن مُذكرة السلام الأمريكية الإيرانية التي صدرت في منتصف حزيران لم تكن سوى مناورة تكتيكية من جانب واشنطن وتل أبيب، وبدلاً من اتباع الدبلوماسية، استغلت طهران فترة الستين يوماً للتحضير لهجوم موسع بهدف زيادة الخسائر على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
وتبلورت العناصر الأساسية لخطة التصعيد الإيرانية بإعادة الهيكلة العسكرية، ومنح الحرس الثوري سيطرة أكبر على الجيش النظامي، وتعيين محاربين مخضرمين في مناصبٍ قيادية رئيسية، فضلاً عن تعزيز الإنتاج وتسريع وتيرة التصنيع المحلي للصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة الهجومية وتوسيع نطاق عمليات مكافحة التجسس المحلية.
علاوةً على ذلك اقتضت الاستراتيجية الإيرانية “التوسع إقليميًا” بالتنسيق مع الميليشيات الحليفة في اليمن والعراق لتوسيع نطاق الصراع، واستهداف خطوط الملاحة، والضغط على البنية التحتية للطاقة الإقليمية، بالإضافة إلى تشديد السيطرة على مضيق هرمز والتحضير لضربات دقيقة لكسر الحصار البحري الأمريكي في حال انهيار الشروط الدبلوماسية النهائية.
ومع إحكام الحرس الثوري وتيار المتشددين قبضتهم الأمنية وقمعهم لأي تحركات داخلية، أظهر النظام الإيراني قدرة عالية على “تحمّل الصدمات الكبرى”، كذلك نجحت إيران عبر استراتيجية “إغلاق مضيق هرمز” واستهداف السفن التجارية ومنشآت النفط الخليجية في إحداث أكبر صدمة في سوق الطاقة العالمي في التاريخ الحديث. كما أن تراجع عبور السفن عبر المضيق إلى مستوياتٍ قياسية، خلال آب الجاري، أثبت عجز القوة العسكرية الأمريكية الوفيرة عن تأمين حركة التجارة الدولية وتأمين حلفائها.
أيضًا أدت الاستراتيجية الإيرانية إلى رفع الكلفة على واشنطن، حيث كبدت الحرب الميزانية الأمريكية مبالغ طائلة تخطت 113 مليار دولار حتى اليوم، ودفعت إدارة ترامب لطلب ميزانية دفاع قياسية بلغت 1.5 تريليون دولار، مما أثار غضباً في الرأي العام الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي، وأجبرت هذه الاستراتيجية التصعيدية واشنطن على الجلوس للتفاوض وتوقيع مذكرة تفاهم “سلام” لرفع الحصار المتبادل مؤقتاً، حيث أعلنت القيادة الإيرانية يومئذ تحقيق “انتصار سياسي وعسكري”.
لقد حققت الاستراتيجية الإيرانية، حتى الآن، نتائج كارثية على الصعيد الداخلي والحيوي لطهران وحلفائها من حيث الأرواح والبنية التحتية والاقتصاد، إلا أنها في المقابل، منعت واشنطن، حتى الآن، من تحقيق أهدافها النهائية بتغيير النظام أو الاستسلام المطلق. كما حوّلت الصراع إلى معركة استنزاف دولية باهظة الثمن للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، ومازالت الولايات المتحدة وغيرها من قوات الحلفاء الغربيين المرابضة في الخليج عاجزة عن تمريق سفينة واحدة بدون إذن إيران. ليبقى السؤال: إلى متى ستصمد إيران؟ وإلى متى ستظل دول الإقليم تعاني وتستنزف وهي تتفرج؟