مع تصاعد حدة الاضطرابات السياسية وتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الشرق الأوسط والعالم، دخلت المنطقة مرحلةً جديدة، فرضت تطورات وظروفاً استثنائية، أجبرت العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها مع دول الجوار، وصياغة علاقاتها من جديد، بما ينسجم مع طبيعة المستجدات المتسارعة في عموم المنطقة.
قبل أيام وقّعت كل من الرياض وإسلام آباد وأنقرة اتفاقاً عُرف باسم “اتفاق مكة للدفاع المشترك” وذلك من أجل إنشاء آليات استراتيجية وسياسية وعسكرية للتنسيق فيما بينها، مع التخطيط لإجراء مناورات عسكرية مشتركة وتوسيع التعاون في الصناعات الدفاعية، فضلاً عن فتح الباب لانضمام دولٍ أخرى.
اتفاق مكة لاقى ترحيباً عربياً وإسلامياً، إذ وصفته الدول المشاركة على أنه اتفاق لتطوير التعاون العسكري وتبادل الخبرات ورفع مستوى الجاهزية العملياتية، مع الإشارة إلى أنه لا يستهدف أي دولة بعينها، على حد قولها، وبأن دلالاته تكمن في إرساء تحالف إسلامي جديد يجمع بين القدرات السعودية والتركية والباكستانية، ويعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي، بما يضمن الاستقرار ويعزز مصالح هذه الدول.
التحالف الإسلامي الثلاثي وجد بحسب مراقبين للحفاظ على وجود هذه الدول بالدرجة الأولى، ومواجهة التحالفات العالمية الجديدة التي تتشكل في المنطقة، وقد عد كمرجعيةٍ لردع الهجمات التي تستهدف اقتصاد هذه الدول ومصالحها، بما يمهد الطريق أمام آليات أمنية وعلاقات اقتصادية، وليكون سداً أمام محاولات بعض الأطراف السعي إلى رسم خرائط المنطقة دون مشاركة العرب، في عصر اتصف بالمقايضات والمصالح، وتغليب المصلحة.
بعد أيام قليلة من عقد هذه التحالف الثلاثي، اتفق كل من العراق والأردن وسوريا أيضاً على رفع مستوى التنسيق وتبادل المعلومات والخبرات وتعزيز الجاهزية العسكرية والقدرات المشتركة للتعامل مع مختلف التحديات الأمنية الراهنة والمستقبلية في المنطقة وذلك في اجتماع عسكري رفيع المستوى عُقد في عمان الأسبوع الماضي.
لتأتي هذه التحركات والآليات والتكتلات الإقليمية والتحالفات الاستراتيجية في وقتٍ تواجه المنطقة تقدماً ملحوظاً للولايات المتحدة في الصعود.
وكذلك الصين التي تحاول فرض هيمنتها وسيطرتها على العالم من خلال توسيع نفوذها أكثر في العديد من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية من حيث الموقع والنفوذ والاقتصاد أيضاً، لذا هناك هواجس لدى الكثير من الدول العربية التي تشهد منذ زمن صراعات لا تزال مستمرة.
كما تأتي أهمية هذه التحالفات والآليات المشتركة من كونها مساراً للدفاع وحماية النفوذ على المدى الطويل بما يحقق استقراراً سياسياً جماعياً في مواجهة التحديات والمتغيرات الدولية المتسارعة، بعيداً عن سياسات قوى الهيمنة العالمية وبالتالي التخلص من التبعية الخارجية، رغم صعوبة الأمر في الوقت الحالي، حيث إن الكل في حالة صراع متواصل.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكن لهذه التكتلات العربية والتحالفات الإسلامية الجديدة أن تنجح وتلعب دوراً مؤثراً على الصعيد الإقليمي والعالمي؟
الجواب نعم إذا توفرت الإرادة السياسية والعوامل الداخلية لتلك الدول، وفي حال عدم توفر هذه الإرادة فسيكون مصيره كمصير العديد من التحالفات الأخرى التي عفى عليها الزمن ولم تستطِع تغيير ما رُسِم ويُرسَم لشعوب المنطقة.