ليست كل الجرائم تلك التي تُرتكب بالسلاح أو بالقنابل، فهناك جرائم تُرتكب عندما يُحرم الإنسان من أبسط حقوقه وهو في أشد حالات الضعف. وقضية “ليليان شعيتو” ليست مجرد قصة ناجية من انفجار مرفأ بيروت، بل هي قضية حقوق امرأة وأم، تكشف كيف يمكن أن تتحول الضحية إلى ضحيةٍ أخرى، عندما تمتد آثار الكارثة إلى حقها في الأمومة وكرامتها الإنسانية.
في الرابع من آب 2020، أصيبت ليليان إصابة بالغة نتيجة انفجار مرفأ بيروت، ودخلت في غيبوبة طويلة وهي أم لطفل لم يمضِ على ولادته سوى أسابيع قليلة. وبينما كان الجميع ينتظر أن تستعيد عافيتها لتعود إلى طفلها، وجدت نفسها تخوض معركة أخرى لا تقل قسوة عن الإصابة نفسها، معركة الدفاع عن حقها في أن تبقى أماً.
إن حق المرأة في الأمومة ليس منحة يمنحها أحد، بل هو حق أصيل تحميه المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، واتفاقية حقوق الطفل، اللتان تؤكدان ضرورة حماية العلاقة بين الأم وطفلها، وعدم المساس بها إلا في أضيق الحدود، وبموجب قرارات قضائية تراعي المصلحة الفضلى للطفل وتحفظ حقوق الأم وكرامتها.
لقد طرحت قضية ليليان أسئلة قانونية وأخلاقية عميقة: هل يجوز أن تفقد امرأة حقها في احتضان طفلها لأنها أصبحت ضحية كارثة؟ وهل يمكن أن تتحول إصابتها الجسدية إلى سبب لسلبها أحد أكثر حقوقها إنسانية؟ إن المرض أو الإعاقة لا يسقطان صفة الأمومة، ولا ينبغي أن يكونا مبرراً لحرمان المرأة من دورها الطبيعي، بل يفرضان على الدولة والمجتمع توفير الحماية والدعم اللازمين لها.
كما كشفت القضية عن الحاجة إلى تطوير التشريعات اللبنانية المتعلقة بحماية الأشخاص فاقدي الأهلية المؤقتة، وضمان عدم استغلال أوضاعهم الصحية للمساس بحقوقهم الأسرية أو الشخصية، إلى جانب ضرورة توفير منظومة متكاملة من الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والقانونية لضحايا الكوارث.
إن مأساة “ليليان شعيتو” لا تختصر مأساة امرأة واحدة، بل تعكس واقعاً يحتاج إلى مراجعة حقيقية في كيفية تعامل القانون والمجتمع مع النساء اللواتي يجدن أنفسهن ضحايا للحروب والكوارث. فالعدالة لا تتحقق فقط بمحاسبة المسؤولين عن الانفجار، بل أيضاً بضمان ألا تُسلب الضحية حقوقاً أخرى بسبب ضعفها. فالأمومة ليست امتيازاً، وإنما حق إنساني لا يجوز أن يُنتزع، حتى في أحلك الظروف.