في المجتمعات التي تسعى إلى البناء الحقيقي، لا يكون الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل شريكاً في صناعة الوعي، ورقيباً على الأداء، ومنبراً يعكس نبض الشارع وهموم الناس، أما حين يتحول إلى وسيلة لتمجيد الأشخاص، والإفراط في إبراز المسؤولين، وتكرار صورهم وخطاباتهم، فإنه يفقد تدريجياً رسالته الأساسية، ويبتعد عن المواطن الذي وُجد الإعلام من أجله.
فالمواطن البسيط لا يستيقظ صباحاً وهو ينتظر خبراً عن عدد الاجتماعات التي عُقدت، أو عن حجم عبارات الثناء التي قيلت في مسؤول أو شخصية عامة، ما يشغل باله هو سؤال أكثر بساطة وأكثر إلحاحاً: هل وصلت المياه إلى منزله؟ هل تتوفر الكهرباء؟ هل يجد دواءً في المستشفى؟ هل أطفاله يتلقون تعليماً جيداً؟ وهل يستطيع أن يعيش بكرامة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تكون في صدارة المشهد الإعلامي، لأنها تمثل الواقع الذي يعيشه الناس كل يوم، أما تحويل المسؤول إلى بطل دائم، وإغراق وسائل الإعلام بصوره وتحركاته، فلن يغير من الواقع شيئاً إذا بقيت الخدمات الأساسية متعثرة، والبنية التحتية ضعيفة، ومطالب المواطنين مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام هو أن يتحول من سلطة رقابية إلى أداة دعائية، ومن صوت للمجتمع إلى صدى لأصوات المسؤولين، فالمؤسسات الإعلامية التي تتجاهل معاناة الناس، ولا تنقل شكاواهم، ولا تتابع قضاياهم، تخسر ثقة جمهورها مهما بلغت إمكاناتها التقنية أو اتسع انتشارها.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية إبراز الإنجازات أو التعريف بجهود المسؤولين، فالمواطن من حقه أن يعرف ما يجري داخل المؤسسات، وأن يطّلع على المشاريع والخطط والقرارات، لكن هذه التغطية يجب أن تكون متوازنة، وأن تخضع للمعايير المهنية، بحيث يكون الإنجاز هو محور الخبر، لا الشخص، وتكون مصلحة المجتمع هي الغاية، لا صناعة النجومية.
فالدول الناجحة لا تُبنى بالألقاب ولا بالصور المتكررة، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن بأن حياته تتحسن يوماً بعد يوم، وأن الإعلام يتحدث بلغته، وينقل معاناته، ويدافع عن حقه في الخدمات والعدالة والعيش الكريم.
والإعلام الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الصور المنشورة للمسؤولين، بل بعدد القضايا التي ساهم في حلها، وعدد الأصوات التي أوصلها إلى أصحاب القرار، وحجم الثقة التي بناها مع المجتمع، فهو لا يصنع الأبطال، بل يصنع الوعي، ولا يزين الواقع، بل يساعد على إصلاحه.
وفي النهاية، فإن الشعوب لا تحفظ أسماء من امتلأت بهم الشاشات والصحف بقدر ما تتذكر من جعل الإنسان أولويته، ومن آمن بأن قيمة أي مسؤول، وأي مؤسسة، وأي إعلام تُقاس بقدر ما يخفف من معاناة الناس، ويصون كرامتهم، ويوفر لهم مقومات الحياة الكريمة.
فالإعلام الذي ينحاز للمواطن، هو الإعلام الذي ينتصر للوطن.