هناك كتب تُقرأ ثم تُنسى، وكتب تبقى في الذاكرة لأنها لا تقدم أفكارًا فقط، بل تفتح أبوابًا داخل النفس الإنسانية، وكتاب «مرداد» لميخائيل نعيمة ينتمي إلى النوع الثاني؛ فهو ليس رواية بالمعنى التقليدي، وليس كتاب فلسفة بالمعنى الأكاديمي، بل تجربة روحية وأدبية، أراد صاحبها أن يجعل منها رحلةً في الإنسان، قبل أن تكون رحلةً في العالم.
ولعل من أسباب فرادة هذا الكتاب، أنه جاء في مرحلة نضج فكري وروحي، عند ميخائيل نعيمة، بعد رحلة طويلة بين الأدب والنقد والتأمل، فقد كان نعيمة منذ بداياته يبحث عن جوهر الأشياء خلف مظاهرها، وعن الإنسان خلف الأسماء والعناوين، وعن الحقيقة خلف الضجيج الذي يملأ الحياة.
لقد عرف القراء ميخائيل نعيمة ناقدًا في «الغربال»، وقاصًا في قصصه، وشاعرًا في وجدانياته، لكنهم في «مرداد» واجهوا وجهًا آخر؛ وجه الحكيم الذي لم يعد يكتفي بتحليل الحياة، بل يريد أن يسأل عن معناها.
اختار نعيمة، أسلوب الكتاب الرمزي، فجعل أحداثه تدور في دير، وجعل من شخصية مرداد صوتًا يحمل رؤية مختلفة للإنسان والوجود، فمرداد ليس شخصية عادية تبحث عن مكان بين الناس، بل هو رمز للإنسان الذي تجاوز أسر الغرائز والأوهام، وسعى إلى اكتشاف الحقيقة الكامنة في داخله.
إن جوهر الكتاب يقوم على فكرة أساسية، أن الإنسان لا يستطيع أن يجد السلام خارج نفسه قبل أن يجده في أعماقه. فالمشكلة الكبرى ليست في العالم وحده، بل في الإنسان الذي يحمل داخله أسباب الصراع والخوف والأنانية. ولذلك؛ كان طريق الخلاص عند نعيمة يبدأ من معرفة الذات.
وليس غريبًا أن يحمل الكتاب نفَسًا صوفيًا؛ فقد كان نعيمة قريبًا من الأسئلة الروحية الكبرى: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ ما العلاقة بين الخالق والمخلوق؟ ما معنى المحبة؟ وما قيمة الحياة إذا فقد الإنسان صلته بجوهره؟
لكن روحانية نعيمة، لم تكن هروبًا من الواقع، بل كانت محاولة لفهمه. فهو لم يدعُ الإنسان إلى ترك الحياة، بل إلى أن يعيشها بوعي أعمق. فالإنسان الذي يعرف نفسه، يصبح أكثر قدرة على محبة الآخرين، وأكثر تحررًا من التعصب والخوف والكراهية.
ومن هنا تظهر قيمة «مرداد»؛ فهو لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يدفع القارئ إلى السؤال، والكتب العظيمة ليست التي تغلق أبواب التفكير، بل التي تفتحها.
لغة الكتاب من أكثر ما يميزه؛ فهي لغة شعرية ذات إيقاع داخلي، تمزج بين الحكمة والصورة، وبين الفكرة والموسيقى، لقد استطاع نعيمة أن يجعل النثر يحمل حرارة الشعر، دون أن يفقد وضوح الفكر، وهذا ما يجعل قراءة «مرداد» تجربة جمالية وفكرية في آن واحد.
وقد يتساءل البعض: لماذا لم يصل «مرداد» إلى الانتشار الجماهيري الذي وصل إليه بعض كتب جبران؟ والجواب أن طبيعة الكتاب نفسها مختلفة؛ فجبران يخاطب القلب بصورة مباشرة، أما نعيمة فيطلب من القارئ تأملًا وصبرًا، جبران يفتح النافذة على الحلم، أما نعيمة فيدعونا إلى الدخول إلى أعماق النفس.
ومن الخطأ أن يُنظر إلى «مرداد» بوصفه كتابًا دينيًا أو فلسفيًا فقط؛ فهو قبل كل شيء عمل أدبي، تتداخل فيه الرمزية والشعر والحكمة والتأمل، قيمته ليست في الأفكار وحدها، بل في الطريقة التي صاغ بها نعيمة تلك الأفكار في بناء فني متماسك.
إن «مرداد» يكشف لنا أن ميخائيل نعيمة لم يكن مجرد أديب يريد تطوير اللغة والأسلوب، بل كان صاحب مشروع إنساني كامل، فقد كان يرى أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بوصف الإنسان، بل يساعده على أن يصبح أفضل.
ولذلك يمكن القول إن «مرداد» يمثل قمة المسار الروحي في أدب نعيمة؛ ففيه تتجمع خبرة الناقد، وحس الشاعر، وتأمل الفيلسوف، وإيمان الإنسان بأن وراء الحياة الظاهرة حقيقة أعمق تنتظر من يبحث عنها.
لقد كتب نعيمة هذا الكتاب وكأنه يوجه رسالة إلى الإنسان المعاصر، لا تبحث عن العالم وأنت غافل عن نفسك، ولا تطلب الحرية وأنت أسير داخلك، ولا تبحث عن المحبة قبل أن تكتشف النور الذي يسكن في أعماقك.
وفي النهاية، يبقى «مرداد» شاهدًا على أن الأدب العربي لم يكن يومًا مجرد فن للكلمة، بل كان أيضًا طريقًا للمعرفة والسمو. وكما كان جبران صوت الحلم الإنساني الجميل، كان ميخائيل نعيمة صوت الحكمة التي تأتي بعد الحلم.
فإذا كان جبران قد علّمنا كيف نحلم، فإن نعيمة علّمنا كيف نفهم معنى الحلم.