في خطوةٍ طال انتظارها لما يقارب عامين، وبعد سلسلة من النقاشات والاجتماعات المتواصلة، قدّم حزب العدالة والتنمية، بالتعاون مع شريكه في “تحالف الشعب” حزب الحركة القومية، إلى البرلمان التركي مشروع “القانون الإطاري”، الذي يُنظر إليه بوصفه الأساس القانوني لمرحلة “السلام والمجتمع الديمقراطي”، وتأتي هذه المرحلة في أعقاب المبادرة التاريخية التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة إمرالي، عبر رسالة سُلّمت إلى وفدٍ سياسي ونُشرت للرأي العام في 27 شباط 2025، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تركيا وكردستان والمنطقة برمتها.
ويُعد مشروع “القانون الإطاري”، المعروف أيضاً باسم “قانون تعزيز الوحدة المجتمعية والدعم الوطني”، محطةً مفصلية تهدف إلى إنهاء عقود من الصراع الداخلي وإدارة مسار السلام عبر أطر قانونية ومؤسساتية، وقد حظي المشروع باهتمامٍ واسع في الأوساط السياسية التركية والكردية، كما استقطب اهتماماً إقليمياً ودولياً، وخصصت له الصحف ووكالات الأنباء العالمية مساحة كبيرة، انطلاقاً من أهمية القضية الكردية وتأثيرها في مستقبل الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط التي أصبحت بؤرة للتوترات الإقليمية والدولية.
ويذهب كثير من المراقبين إلى أن معالجة القضية الكردية عبر الوسائل السلمية والقانونية قد تشكل مدخلاً مهماً لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، نظراً إلى ارتباطها بعدد من الملفات السياسية والأمنية الممتدة منذ عقود، ولأهميتها التاريخية أيضاً.
ويمثل القانون الإطاري خطوةً مهمة على طريق إنهاء الصراع، وبناء نظام ديمقراطي أكثر قدرة على استيعاب مختلف شعوب المجتمع التركي، ورغم الترحيب الذي لقيه المشروع بوصفه بداية لمرحلة جديدة من الآن فصاعدً، فإن نجاحه يبقى مرهوناً بتوفير ضمانات قانونية وسياسية حقيقية تعزز الثقة بين الأطراف، وتُفضي إلى تسوية عادلة ومستدامة تحقق الأمن والاستقرار لجميع الشعوب بمختلف قومياتهم وثقافاتهم التي عانت الكثير من الويلات والمعاناة خلال السنوات الماضية.
وترى أوساط كردية وديمقراطية إن نجاح هذه العملية يتطلب اتخاذ خطوات إضافية، من بينها إطلاق سراح القائد عبد الله أوجلان، والإفراج عن جميع السياسيين الكرد المعتقلين، ومعالجة ملفات أسرى الحرب، إلى جانب تهيئة الظروف لمشاركة مختلف القوى السياسية، بما فيها قيادات حزب العمال الكردستاني، في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي ضمن إطار قانوني وديمقراطي، مع الحفاظ على خصوصية المناطق الكردية وحقوق سكانها الأصلية.
وتؤكد هذه الأوساط أن الوصول إلى سلامٍ دائم يتطلب إرادة سياسية متبادلة، وإجراءات عملية تبني الثقة بين جميع الأطراف، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة في موازين القوى والتحالفات. ومن هنا، ينظر كثيرون إلى مشروع القانون الإطاري بوصفه فرصة تاريخية قد تسهم، إذا ما استُكملت مقومات نجاحها في الأيام القادمة، في إغلاق صفحة طويلة من الصراع وفتح آفاق جديدة أمام السلام والاستقرار في تركيا والمنطقة وينعم الجميع بالأمن والأمان التي طالما حُرموا منها، وبالتالي خلق حالةً من السلام والديمقراطية في جميع الأرجاء.