حمزة حرب
دخلت الجغرافيا السورية مع مطلع عام 2025 حقبة جديدة تلاشت معها ملامح النظام القديم إثر سقوطه المدوي في العاصمة دمشق وفرار رئيسه السابق بشار الأسد إلى موسكو ومع تسلم الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع مقاليد الأمور في البلاد وبدء التأسيس لملامح سوريا ما بعد نظام البعث تنامت المخاوف من تغلغل النظام التركي ومجموعاته المرتزقة التي ساهمت في تعميق معاناة السوريين، رغم أن الحديث كان يجري عن أن سوريا فتحت الأبواب على مصراعيها لمواجهة التركة الثقيلة وسنوات الحرب المضنية والمتمثلة في انتشار التشكيلات شبه العسكرية وفوضى السلاح لكن الواقع كان أعقد من ذلك وكل المؤشرات تشي لحجم التغول والتغلغل التركي في البلاد من خلال أدواته من المجموعات المسلحة والسياسية وحتى الاقتصادية.
في هذا الفضاء الحرج والمليء بالترقب انطلق صراع خفي ومحتدم في الجغرافيا السورية تواجهت فيه بقوة سلطة المؤسسات الناشئة والحكومة الانتقالية الساعية لمركزية القرار ضد مرتزقة الجيش الوطني السوري التي أنشأتها تركيا واستخدمتها لتحقيق مشاريعها داخل سوريا وخارجها فهذه المجموعات كانت قد تجذرت على الأرض كإقطاعيات أمنية واقتصادية مستقلة ترفض التنازل عن مكاسبها بغطاء تركي مباشر وهذا المخاض العسير بين حجم التوغل التركي البنيوي والعميق بعد أن حول المنطقة عبر السنوات إلى مساحة حيوية تدار بإشراف تركي مباشر وتداخلات تخترق كافة تفاصيل الحياة الإدارية والعسكرية.
المجموعات المرتزقة.. أدوات الهيمنة داخل سوريا
الواقع المعاش اليوم داخل سوريا يبين لكل من تتبع الجذور العميقة التي نبتت في ظلها العصبوية العسكرية بشمال البلاد ان حجم الصراع كبير وإن كان خفي إلا أنه ينبع من إرث عميق من الصدام الأيديولوجي والعسكري والعقائدي والاقتصادي والسياسي فقد تشكلت تلك المجموعات في خضم حرب استنزاف طويلة، وتلقت منذ البداية دعماً لوجستياً ومادياً وعسكرياً كاملاً من أنقرة بهدف تحقيق أطماع الأخيرة التوسعية في سوريا.
ومع مرور السنوات وغياب الرقابة المركزية وغياب الرؤية الموحدة، تحولت هذه المجموعات إلى شبكات معقدة، واعتبر قادة المحاور العسكرية أن المساحات الجغرافية التي سيطروا عليها بغطاء تركي هي مساحات نفوذ خاصة وخالصة لهم، ولا يحق لأي واجهة سياسية أو مدنية كالحكومة المؤقتة حينها أو الائتلاف التدخل في آليات إدارتها أو توجيهها.
وتطورت هذه النظرة تدريجياً لتتصرف كل مجموعة وكأنها دويلة مستقلة تمتلك سجونها ومحاكمها وجهازها الأمني الخاص، فضلاً عن السيطرة المطلقة على المقدرات الاقتصادية المحلية والمعابر التجارية وعلى رأس هذه المجموعات الإرهابية هي فرقة السلطان سليمان شاه المعروفة باسم “العمشات ” بزعامة محمد الجاسم المعروف بـ “أبو عمشة”، وفرقة الحمزات بقيادة سيف بولاد، كأوضح النماذج الحية لهذه الحالة الفصائلية المتجذرة.
شكل هؤلاء حواضن متماسكة اعتمدت في كثير من الأحيان على الولاءات المطلقة لمشغليهم بعد أن قدموا لعناصرهم فرص نفوذ ومظلة لممارساتهم اللا قانونية واللا أخلاقية بحق الشعب السوري وبالنسبة لمتزعم كـ “أبو عمشة”، الذي اتخذ من منطقة الشيخ حديد في عفرين بعد احتلالها عام 2018 معقلاً له، فإن الالتزام بقرارات وزارة الدفاع المركزية أو القبول بتفعيل سلطة القانون المدني والقضائي لم يكن مجرد إجراء إداري عادي، بل كان بمثابة انتحار نفوذي وتجريد كامل من سلطة مطلقة تطلب بناؤها سنوات طويلة من الخنوع والخضوع لرغبات مشغليه وتنفيذ استراتيجياته في بيئة سياسية معقدة.
ومع سقوط النظام السوري السابق؛ لم يكن هذا الصراع ليدور في فراغ بل كان محكوماً كلياً بحجم المفاصل والشبكات التي غرسها الجانب التركي في الجسد السوري عبر سنوات التدخل ولم يعد الحضور التركي مجرد رعاية عسكرية عابرة بل تحول بمرور الوقت إلى هندسة حوكمة بديلة تغلغلت في البنية التحتية والمنظومة الاقتصادية والإدارية والثقافية داخل مفاصل الدولة الناشئة على نحو حاولت فيه أنقرة من خلال هذه التشكيلات ان تجعل المنطقة ترتبط عضوياً بأنقرة.
فحاول النظام التركي من خلال المجموعات التي أنشأها وأشرف عليها ومولها في السابق أن يتوزع هذا التغلغل على أربعة مفاصل رئيسية أولها الهندسة الأمنية والعسكرية الفوقية، حيث تخضع كافة المجموعات لإشراف عملياتي وتوجيه استراتيجي مباشر من قبل جهاز الاستخبارات التركي والجيش التركي على ملف الدفاع في سوريا بعد سقوط النظام السابق ولم يكن هذا الإشراف مقتصراً على تقديم السلاح وخطط التدريب بل امتد ليتدخل في أدق تفاصيل الحوكمة العسكرية من تعيينات وفض للنزاعات البينية على المناصب السيادية.
الشرع في مأزق
مع مطلع عام 2025 وحل الجيش القديم رسمياً عقب سقوط النظام السابق في دمشق دخلت القضية السورية طوراً جديداً فرض على القوى الإقليمية مراجعة استراتيجياتها لم تعد الدولة التركية بحاجة إلى مجموعات غير نظامية تعمل كوكلاء عسكريين داخل أراضي الجوار وتقتات على التهريب والإتاوات وخلق البلبلة المستمرة أمنياً وعسكرياً بل باتت المصلحة الاستراتيجية العليا لأنقرة تكمن في وجود دولة سورية مركزية تتبع بالكامل لها فلذا سعت إلى أن تهيمن على عقد هامة في جسد الحكومة الجديدة.
هذه الاستراتيجية الجديدة التي عزف على وترها النظام التركي خصوصاً بعد أن تحولت المجموعات المرتزقة بانتهاكاتها المتكررة وصراعاتها البينية المقيتة وإدارتها غير القانونية للمعابر والتهريب من أوراق ضغط استراتيجية استخدمتها أنقرة إلى عبء سياسي وأمني ودبلوماسي ثقيل في كنف حكومة الشرع الذي بات في مأزق حقيقي مع تنامي المخاوف من أن يعرقل هؤلاء مسار التثبيت الدولي لحكومة الشرع في سوريا.
خصوصاً وأن الاتحاد الأوروبي ودول غربية أقدموا مؤخراً على إلغاء عقوبات اقتصادية كانت مفروضة على النظام السوري السابق، لكنه فرض عقوبات على متزعمين وكيانات تابعة لحكومة الشرع بسبب المجازر التي ارتكبت في الساحل السوري من أبرزهم محمد الجاسم أبو عمشة وسيف بولاد أبو بكر وهم مجموعات مرتزقة تابعة لتركيا رغم انها انخرطت في هياكل الحكومة الانتقالية.
ورغم أن وزارة الدفاع السورية التي يقودها مرهف أبو قصرة سارعت وبتفويض ودعم كامل من المخابرات الغربية في معركة كسر عظم صامتة لتفكيك هذا الثقل الفصائلي المتجذر وتقليم أظافر متزعمي المحاور بأربع استراتيجيات مدروسة بعناية بدأت بالدمج المؤسساتي القسري بناءً على مذكرة تفاهم وقعت مع الجانب التركي في آب 2025 للتدريب والاستشارة العسكرية وكانت بمثابة الضوء الأخضر لبدء التفكيك الفعلي للمجموعات المرتزقة.
تلا ذلك عقد اجتماعات موسعة من قبل الوزارة شملت أكثر من 130 مجموعة مسلحة ووحدة عسكرية لإجبارها على إنهاء مسمياتها القديمة والدمج الكامل لعناصرها ضمن فيالق إقليمية وفرق عسكرية نظامية تتبع مباشرة لقيادة الأركان في وزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية.
جاءت الاستراتيجية الثانية لتستهدف تجريد المجموعات من السلاح المالي وعوائد المعابر، حيث ركزت الجهود المشتركة بين دمشق وأنقرة على إنهاء ظاهرة معابر المجموعات ونقل إدارة كافة المعابر الحدودية والداخلية الحيوية إلى سلطة المؤسسة العامة للمعابر التابعة للحكومة مباشرة واستبدال العناصر الفصائلية بقوات تابعة لجهاز الشرطة الجمركية والمدنية.
حرمان المجموعات من هذه العوائد المالية الضخمة أدى إلى تجفيف منابع قدرتها اللوجستية وأعجز القادة عن دفع رواتب ومكافآت إضافية لعناصرهم خارج الإطار الرسمي المحدد؛ ما تسبب في تفكك شبكات الولاء القائمة على المال كما توازت مع ذلك الاستراتيجية الثالثة المتمثلة في استخدام سلاح تحجيم الرموز لكسر الهالة الأمنية والرمزية التي أحاط بها متزعمي المجموعات المرتزقة أنفسهم.
ومن خلال ذلك سارعت أجهزة الحكومة إلى فتح ملفات الفساد والانتهاكات المنسوبة لمتزعمين بارزين لتكون كالسيف المسلط على رقابهم في سبيل الحد من تأثيرهم العسكري والشعبوي واعتمدت الاستراتيجية على التقليم المتدرج والصوري للأظافر عبر إصدار قرارات عدة بعزلهم من مناصبهم أو نقل مقرات سكنهم ونفوذهم بعيداً عن كتلهم البشرية الحاضنة التي عملوا لسنوات على تجييشها وتحشيدها وهو ما جرى تطبيقه بدقة في ملف “أبو عمشة” الذي جُرد تدريجياً من سطوته المطلقة وتحول نفوذه إلى حالة هشة خاضعة تماماً للرقابة والمؤسساتية.
هذه الإجراءات قوبلت بأنباء مفادها عزل أبو عمشة لكن ما تم توضيحه هو نقله قسراً من قيادة الفرقة 62 ليكون معاوناً لقائد الفيلق المسؤول عن المنطقة الوسطة هي في شكلها الصوري ترقية بينما فعلياً، هو تجميد لأي تأثير حقيقي وفصله عن عناصره الذين يلتفون حوله وبالتالي إمكانية توزيع هؤلاء العناصر على فرق الجيش وقطعاته العسكرية لتبديد تأثيرهم العصاباتي.
إجراءات دقيقة
الخطوات التي اتخذتها حكومة الشرع خلقت توترات أمنية في حماة حيث يحاول أبو عمشة تثبيت نفوذه لكن وبالتزامن مع اجتماع مغلق استمر لساعات مع أبو عمشة في دمشق كانت قيادة الجيش أوعزت لكافة عناصرها بالاستنفار العام تحسباً لأي خطوة يمكن أن يتهور أتباع أبو عمشة، ويتخذوها لخلط الأوراق كونهم يتمتعون بقدر كافٍ من التعامل بذهنية المجموعات المرتزقة.
حكومة الشرع تدرك بأن التبعية الكاملة لتركيا ستصيبها في مقتل وربما تجردها من حرية التمتع بعلاقات جيدة مع دول الخليج أو حتى الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي فتسعى لأن تمسك العصا من المنتصف وتخلق توازناً استراتيجياً في ذلك لكن هذا لن يحدث إن بقيت أنقرة ممسكة بأوراق ثقيلة قد تحركها وتضعها على الطاولة في أي وقت.
لذا أدركت أن نقاط الضعف لهذه المجموعات؛ تكمن في تشرذمها الداخلي وتبديد تماسكها القائم على الولاء للمشغل وليس للدولة، التي تسعى لإنهاء الصراع الخفي المحتدم بين المجموعات المرتزقة ومشروع الشرعية المؤسساتية والذي قد شارف بحلول منتصف العام الجاري على فصوله الختامية والحاسمة ولم تعد مسألة تفكيك الثقل النابع من وجود المجموعات المرتزقة مجرد رغبة سورية داخلية بل تحولت إلى استراتيجية دولية عليا تقودها واشنطن وبعض الدول الغربية كجزء لا يتجزأ من ضرورات أمنية في منطقة الشرق الأوسط.
ترك أنقرة أن المشروع الدولي سيفقدها كل أوراق قوتها التي كانت تحركها في المنطقة من خلال خلق أرضيات غير مستقرة تقتات عليها لتحقيق مشاريعها من خلال إدارة الأزمة عبر الوكلاء العسكريين لذا بات من المفروض عليها أن تبني شراكة استراتيجية مستقرة مع حكومة مركزية في دمشق يفرض بالضرورة إنهاء كافة المظاهر العسكرية غير المنضبطة وشبه العسكرية بدعم وقرارٍ دولي.
فما التحركات التي عاشتها سوريا إلا نقطة تحول ضمن براديغما واسعة تحاك فصولها في الغرف المغلقة وفي خضم هذه التحولات التي أعادت رسم ملامح الجغرافيا السورية بدا المشهد وكأنه يختزل صراعاً تاريخياً محتوماً بين منطق الدولة الناشئة وإرث الإقطاعيات العسكرية، وهو صراع تجسدت فصوله الحية في المواجَهة الصامتة والمصيرية بين رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع ومتزعمي المجموعات المرتزقة التي شكلتها أنقرة كأمثال أبو عمشة وسيف بولاد.
فلم يكن هذا التواجه مجرد خلاف على رتب عسكرية أو مسميات إدارية بل كان صداماً وجودياً عميقاً بين مشروعين لا يلتقيان الأول يطمح لاحتكار وسائل القوة تحت مظلة وزارة دفاع مركزية والثاني يستميت للحفاظ على شرعية السلاح وعوائد النفوذ التي تطلّب بناؤها سنوات من المناورة والانتهاكات والجرائم التي أثقلت ملفه الحقوقي.
فلم يكن الشرع ليدخل هذه المعركة مستنداً إلى القوة العسكرية المباشرة فحسب بل اتكأ على استراتيجية دقيقة وبدعم دولي صُممت لتفكيك قوى هذه المجموعات بعملية حذرة دون الخوض في حرب شوارع دموية قد تقوض الاستقرار الهش أصلاً في سوريا، حيث بدأت خيوط هذه الاستراتيجية تنسج بعناية عبر تجفيف الشرايين المالية التي تغذي عصب هذه المجموعات وبعدها قرارات عزل وتحجيم متدرجة لكسر الهالة التي خلقتها لنفسها هذه المجموعات في سنوات الحرب
ومع تلاقي هذه الظروف وتكامل أدوات التفكيك ورؤى المجتمع الدولي بدا أن المجموعات المرتزقة ومتزعميها تتجه نحو التلاشي الحتمي ليدون هذا الصراع في صفحات التاريخ السوري كفصل أخير أسدل الستار على زمن أمراء الحرب ومرتكبي الانتهاكات بحق الشعب السوري الذي يتطلع لأن تنعم حياته بالأمن والاستقرار ومحاسبة من ارتكب بحقهم جرائم حرب كجزء أصيل من عدالة انتقالية لازال يبحث عنها.