لورنس الشعيّر
“شهادة صحفي من قلبِ الكارثة الإنسانية”
من الشهادة الميدانية إلى التوثيق الدولي
بعد أسابيع من العمل الميداني، بدأت أستوعب أن ما أشاهده لم يكن مجرد أزمة نزوح أو كارثة إنسانية عابرة، بل كان حدثًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة المنطقة لعقودٍ طويلةٍ. في البداية، كنت أتعامل مع الكاميرا باعتبارها أداة لتوثيق الوقائع، لكن مع مرور الأيام أدركت أن كل صورة ألتقطها قد تتحول مستقبلًا إلى وثيقةٍ تاريخية، وربما إلى دليل يساعد في إثبات حقيقة ما جرى.
كانت عدستي تُسجل وجوهًا أنهكها العطش، وأطفالًا أنهكتهم الشمس، وأمهات يحملن ما تبقى من أسرهن، ورجالًا فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وأقاربهم خلال أيام قليلة. لم تكن تلك الصور تبحث عن الإثارة الصحفية، بل كانت محاولة لحماية الحقيقة من النسيان.
وخلال وجودي في الميدان، لم يكن معظمنا يدرك أن ما يحدث سيصبح لاحقًا محل تحقيقات دولية موسعة. كنا نرى النتائج الإنسانية مباشرة، بينما كانت المؤسسات الدولية لا تزال تعمل على جمع الأدلة والشهادات وتحليلها. وبعد سنوات، أكدت تقارير الأمم المتحدة وفريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (UNITAD) أن الجرائم المرتكبة بحق المجتمع الإيزيدي لم تكن أعمال عنف متفرقة، بل حملة منظمة تضمنت القتل الجماعي، والتهجير القسري، والاستعباد، والاختطاف، والاضطهاد الديني، وهي أفعال خلصت التحقيقات إلى وجود أدلة قوية على أنها تشكل إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
عندما قرأت تلك التقارير بعد سنوات، لم أتعرف على الوقائع من خلال الكلمات، بل من خلال الوجوه. كانت كل فقرة تُعيد إلى ذاكرتي طفلًا رأيته، أو أمًا التقيتها، أو شيخًا كان يحاول مواصلة السير رغم إنهاكه، ولهذا أدركت أن التقارير الدولية، على أهميتها القانونية، تحتاج دائمًا إلى شهادات من كانوا في الميدان، لأن الوثيقة القانونية تثبت الجريمة، بينما تنقل الشهادة الإنسانية أثرها على البشر.
لقد أمضيت ما يقارب خمسة وأربعين يومًا متنقلًا بين الحدود السوريّة وطرق النزوح في شنكال. وخلال عشرات الرحلات، لم يتغير المشهد إلا في تفاصيله؛ فالوجوه كانت تتبدل، لكن الألم بقيَ واحدًا، وكلما دخلنا إلى الداخل، ازداد شعوري بأن الزمن توقف في تلك الجبال، وأن الناس لم يعودوا يفكرون إلا في النجاة من يومهم الحالي.
وفي إحدى الرحلات، تعرّض فريقنا لإطلاق نار، ما أدى إلى أضرارٍ مادية في المركبة التي كنا نستقلها، إلا أن أفراد الفريق “وبرعاية إلهية” نجوا دون إصابات. لم يكن ذلك الحادث استثنائيًا في بيئة كانت لا تزال تشهد تهديدًا مستمرًا، لكنه أكد أن العمل الإنساني نفسه كان يجري وسط مخاطر حقيقية. ومع ذلك، لم يتوقف الفريق عن العودة إلى الداخل، لأن احتياجات المدنيين كانت أكبر من الخوف.
لم أكتب هذه الشهادة لأروي قصة شخصية، بل لأنني أؤمن بأن ذاكرة الشهداء والمفقودين والجرحى جزء من العدالة. فالتاريخ لا يُكتب فقط عبر الوثائق الرسمية، وإنما أيضًا عبر شهادات الصحفيين، والمسعفين، والمتطوعين، وكل من وجد نفسه شاهدًا على تلك الأيام.
ولذلك، فإن الصور التي احتفظت بها منذ عام 2014 ليست بالنسبة إلى مجرد أرشيف مهني، بل سجل إنساني لمرحلة مفصلية، فكل صورة تمثل لحظة حقيقية عاشها أشخاص حقيقيون، وبعضهم ربما لم تُتَح له فرصة أن يروي قصته بنفسه.
إن توثيق ما جرى في شنكال لا ينبغي أن يكون مناسبة سنوية لاستذكار الماضي فحسب، بل مسؤولية مستمرة تهدف إلى حماية الحقيقة، وإنصاف المتضررين، ودعم مسار المساءلة القانونية، وضمان ألا تتحول مثل هذه الجرائم إلى مجرد أرقام في التقارير أو عناوين في نشرات الأخبار.
الذاكرة مسؤولية…لا مجرد استذكار
بعد مرور سنوات على مجزرة الإبادة في شنكال، لا يزال السؤال يرافقني: كيف يمكن للإنسان أن يصف مأساة رآها بعينيه دون أن تخونه الكلمات؟
لقد التقطت خلال خمسة وأربعين يومًا عشرات الصور، لكنني كلما عدت إليها، أدركت أن الصورة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تنقل حرارة الأرض التي أحرقت أقدام النازحين، ولا الصمت الذي كان يسبق بكاء الأطفال، ولا الإرهاق الذي ارتسم على وجوه الآباء والأمهات وهم يحاولون حماية ما تبقّى من أسرهم.
تعلمت في شنكال إن الصحافة ليست مجرد نقل للخبر، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. فالكاميرا التي يحملها الصحفي قد تتحول إلى وثيقةٍ تاريخية، والكلمة التي يكتبها قد تصبح جزءًا من ذاكرة شعب بأكمله، ولهذا كنت أحرص، في كل صورة وفي كل ملاحظة، على أن أوثق ما أراه كما هو، بعيدًا عن المبالغة، لأن الحقيقة كانت أبلغ من أي وصف.
لقد أثبتت التحقيقات الدولية لاحقًا أن ما تعرض له الإيزيديون لم يكن نتيجة فوضى الحرب وحدها، بل تضمن جرائم خطيرة ارتكبها داعش بحق المدنيين، وهو ما وثقته الأمم المتحدة وفريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (UNITAD)، وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية، وقد شكّل هذا التوثيق أساسًا مهمًا في مسار الاعتراف القانوني بحجم الانتهاكات التي وقعت في شنكال.
لكن، وبالرغم من أهمية الوثائق الرسمية، فإنها لا تستطيع وحدها أن تحفظ الذاكرة الإنسانية، فالوثيقة القانونية تثبت الجريمة، أما الشهادة الميدانية فتمنح الشهداء أسماءً ووجوهًا وقصصًا، وتُعيد إلى التاريخ بُعده الإنساني الذي لا يمكن اختزاله في الإحصاءات.
ولذلك، فإن هذا التحقيق لا يهدف إلى استحضار الألم من أجل الألم، ولا إلى إعادة فتح الجراح، بل إلى الإسهام في حفظ ذاكرة جماعية تستحق أن تُصان، فالمجتمعات التي توثق مآسيها بصدقٍ تمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم الماضي، وتدعم في الوقت ذاته مساعي العدالة والمساءلة ومنع تكرار الجرائم.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أستحضر الأرقام أولًا، بل الوجوه. أتذكر الطفل الذي كان يبحث عن قطرة ماء، والشيخ الذي كان يتوقف كل بضع خطوات ليستعيد أنفاسه، والأم التي كانت تمضي إلى الأمام رغم الفقد الذي أثقل قلبها. أتذكر أيضًا زملائي في فريق منظمة روج آفا للإغاثة والتنمية، الذين واصلوا أداء واجبهم الإنساني وسط ظروف شديدة الخطورة، مؤمنين بأن إنقاذ حياة واحدة يستحق كل هذا العناء.
إن الصور التي أرفقها مع هذا التحقيق ليست مادة أرشيفية فحسب، بل جزء من شهادة أقدمها للتاريخ. فهي التُقطت في لحظات لم يكن فيها الهدف صناعة سبق صحفي، وإنما حفظ حقيقة شاهدتها بنفسي، حتى لا يطويها النسيان أو يبددها الجدل السياسي.
قد يختلف الناس في قراءتهم للأحداث، وقد تتباين الروايات السياسية. لكن؛ لا ينبغي أن يكون هناك خلاف على حقيقة واحدة: المدنيون الذين ساروا عبر تلك الجبال كانوا يستحقون الحياة، والأطفال الذين فقدوا حياتهم بسبب العطش والإجهاد كانوا يستحقون أن يكبروا في أمان، لا أن تتحول طفولتهم إلى فصل من فصول الحرب.
ويبقى واجب الصحافة، بعد كل هذه السنوات، ألا تكتفي بإحياء الذكرى، بل أن تدافع عن الحقيقة، فحين تُحفظ الحقيقة، تُصان كرامة المتضررين؛ شهداء وجرحى ومفقودين، ويصبح التاريخ أكثر عدلًا مع من لم تُتَح لهم فرصة أن يرووا قصصهم بأنفسهم.