وراء كل رغيف طازج، تقف حكاية امرأة شقت طريقها بالإصرار والتعب، وصنعت لنفسها ولأسرتها حياة جديدة.
في أحد الأزقة البسيطة، تجذبك رائحة الخبز الساخن والكليجة الطازجة قبل أي شيء آخر، رائحة تعب وأمل وحياة، صنعتها مجموعة من النساء.
من مبادرة إلى عمل جماعي
أمام أحد المنازل في مدينة السليمانية بإقليم كردستان تعمل أم مع نساء من عائلتها منذ ساعات الصباح الأولى، وبين إعداد العجين وخَبز الأرغفة وإعداد الكليجة والكَلانة والأطعمة الكردية التقليدية، لا يكتفين بتلبية طلبات الزبائن، بل يصنعن لأنفسهن ولنساء أخريات فرصة للحياة والعمل.
وانطلقت هذه المبادرة قبل عام، وتحولت مساحة للعمل الجماعي النسائي وتحت إشراف الأم وابنتها، تعمل ست نساء، تساهم كل واحدة منهن في إعداد المنتجات التي تُسلَّم للزبائن بأيديهن.
وإن العمل لا يمثل مجرد مصدر للرزق، فمنذ أكثر من عشر سنوات، وهي تكافح لتأمين مستقبل أطفالها، واليوم تواصل هذا المشوار مع ابنتها، وهي امرأة ناجحة معروفة في المجال الفني، تعمل في السينما وصاحبة عدد من الأعمال السينمائية إلا أن نجاحها الفني لم يبعدها عن جذورها أو عن العمل اليومي إلى جانب والدتها.
وأثبتت الأم وابنتها أن الفن والعمل والحياة يمكن أن تجتمع في مكان واحد، وأن الرسالة المشتركة بين كاميرا السينما وتنور الخبز هي “لا يوجد عمل صغير إذا أُنجز بإخلاص وإرادة”.
“جئنا لنكون مصدر أمل للنساء”
وفي السياق، قالت “شنو بكر” صاحبة المشروع خلال حديث مع “وكالة أنباء المرأة”: “كنّ يعملن منذ سنوات داخل المنزل في إعداد المعجنات والأطعمة الكردية، لكن قبل عام قررن الخروج إلى الشارع والعمل بشكل علني”.
وأضافت: “أعمل منذ أكثر من عشر سنوات لإعالة أطفالي، في البداية كنت أعد الطعام والمعجنات داخل المنزل، ثم بدأت أوصل الطلبات إلى الزبائن، وقبل عام قررنا، أنا وأطفالي ونساء العائلة، أن نخرج إلى الشارع حتى يعرف الجميع أننا نعمل من أجل كسب لقمة العيش”.
وأوضحت، أن الإقبال على مشروعهن ازداد بشكل كبير: “هدفنا في المستقبل، هو توسيع المشروع وتوفير فرص عمل لنساء أخريات، فحالياً نعد أنواع الأطعمة الكردية إلى جانب المعجنات، وأدعو كل امرأة إلى أن تعمل باستقلالية، وأن تخرج من المنزل، وأن تواجه العقبات بكل فخر وثقة بنفسها، نحن خرجنا لنكون أملاً لنساء أخريات”.
فنانة في السينما وعاملة في المتجر
أما “شانيا صالح“: “من سكان مدينة السليمانية، وخريجة قسم اللغات في كلية الأعمال الدولية للغتين العربية والإنكليزية، كما تعمل في المسرح والسينما”.
وأضافت: “شاركت في بطولة عدد من الأفلام السينمائية، منها فيلم (الكفن) وفيلم (الحِداد)، إلى جانب عدد من الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية، وكنت دائماً أحلم بأن يكون لدي عملي الخاص، وأفتخر بما أقوم به”.
وأشارت، إلى أنها تعمل منذ عام مع والدتها في إعداد المعجنات: “كانت فكرتنا أن نصنع المعجنات والمأكولات الكردية، ونوفر فرص عمل لنساء أخريات، تعمل معنا ست نساء، ولولا وجودهن لما استطعنا الاستمرار”.
وأوضحت: “منتجاتهن تشمل الكلانة، والكليجة، والكليجة بالسمسم، والكليجة بالجوز، والكليجة بالشعير، والكليجة بالسمن، كليجة “بنجه كيشي”، مضيفةً، أن الكلانة تحظى بإقبال كبير، إلى جانب أكلات كردية مثل “الكفتة والكبة”، إضافة إلى “كليجة الجوز والتمر وأنواع الحلويات”، مع خدمة توصيل داخل مدينة السليمانية.
“نعمل أمام منزلنا بسبب قلة الإمكانات”
وأوضحت “شانيا”، مكان العمل يقع في حي مجيد بك أمام منزلهم مباشرة: “لا نملك محلاً، بل نصبنا خيمة صغيرة أمام المنزل، الزبائن البعيدون نوصل الطلبات إليهم، بينما يأتي آخرون لشرائها مباشرة”.
وأضافت، يعملن من الساعة الرابعة حتى السابعة مساءً، بينما يبدأن العمل في الشتاء بوقت أبكر: “في الشتاء تشكل الأمطار والثلوج والرياح عائقاً كبيراً، وكثيراً ما نضطر لإعداد الكلانة داخل المنزل، وهذا يسبب لنا أعباء إضافية، لكن أهالي الحي والزبائن يدعموننا باستمرار، ولولا دعمهم لما استطعنا الاستمرار. حبنا لعملنا هو ما يجعلنا نتحمل حر الصيف وبرد الشتاء”.
“بدأنا بفكرة صغيرة”
وقالت “شانيا”، عن البداية: “لا نملك الإمكانات المالية لافتتاح محل، لذلك ما زلنا نعمل أمام منزلنا، ونتحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء والأمطار، نطمح مستقبلاً إلى توسيع المشروع وتقديم وجبات الإفطار والغداء، إضافة إلى الأطعمة الكردية التقليدية”.
واختتمت “شانيا صالح” حديثها: “نخطط أيضاً لتوفير فرص عمل لنساء أخريات ففي الليل أعمل مع والدتي في إعداد الحلويات والطعام، وخلال النهار نعد الكليجة، ورسالتي لكل امرأة تقول إنه لا توجد فرص عمل: العمل موجود، ونحن بدأنا بفكرة صغيرة، وأتمنى أن تتاح الفرصة لعدد أكبر من النساء ليصبحن مستقلات اقتصادياً ويملكن مصدر دخلهن الخاص”.