يشكل الاتفاق الموقع في التاسع والعشرين من كانون الثاني 2026 بين قوات سوريا الديمقراطية، والحكومة الانتقالية في دمشق، نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأزمة السورية، ليس لأنه ينظم العلاقة بين طرفين عسكريين، أو سياسيين فحسب، وإنما لأنه يفتح الباب على مصراعيه، أمام إعادة صياغة مفهوم سوريا الجديدة، بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام والصراعات الداخلية والتدخلات الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن سوريا التي عرفها السوريون، قبل عام 2011، لم تعد قائمة بصيغتها السابقة، كما أثبتت أن الحلول الأمنية والعسكرية، وحدها غير قادرة على إعادة إنتاج الاستقرار، فقد أفرزت سنوات الأزمة واقعاً جديداً، نشأت فيه مؤسسات محلية، وإدارات مدنية، وقوى عسكرية وأمنية، وتجارب اجتماعية وسياسية، كان أبرزها تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، التي تشكلت في ظل غياب مؤسسات الدولة، ونجحت في إدارة منطقة واسعة تضم ملايين السكان من مختلف القوميات والأديان.
ومن هنا، فإن أهمية اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، لا تكمن في كونه اتفاقاً إدارياً، أو عسكرياً، بل في كونه يمثل فرصة تاريخية لبناء عقد وطني جديد، يقوم على الشراكة، واحترام التنوع، والاعتراف بالحقوق، وتعزيز وحدة البلاد من خلال اللامركزية، والإدارة الرشيدة، لا من خلال العودة إلى أنماط الإدارة المركزية، التي كانت أحد أسباب الأزمة السورية، إن نجاح هذا الاتفاق لن يقاس بعدد اللجان التي تُشكَّل، ولا بعدد القرارات التي تصدر، وإنما بقدرته على بناء الثقة بين الطرفين، وتحويل سنوات الصراع إلى قاعدة لبناء سلام دائم يشارك فيه جميع السوريين دون استثناء.
الاتفاق توقيف لهجمات الإبادة
على مدى أكثر من ثلاثة عشر عاماً، مرت العلاقة بين دمشق، وقوات سوريا الديمقراطية بمراحل متعددة، تراوحت بين التفاهم غير المعلن، والتنسيق المحدود في مواجهة الأخطار المشتركة، والاختلاف حول شكل الدولة، ومستقبل الإدارة الذاتية، وفي المقابل، كانت المنطقة تواجه تحديات وجودية متلاحقة، بدءاً من هجمات “داعش” الارهابي، مروراً بالاعتداءات العسكرية التركية، وما نتج عنها من احتلال عفرين، سري كانيه وكري سبي، وصولاً إلى الضغوط الاقتصادية والحصار وتعقيدات المشهد الإقليمي.
ورغم هذه الظروف، تمكنت مؤسسات الإدارة الذاتية، وقوات سوريا الديمقراطية، من بناء تجربة سياسية وإدارية وعسكرية، أصبحت رقماً صعباً في المعادلة السورية، كما أثبتت المقاومة ضد “داعش” الإرهابي، أن هذه القوات لم تكن تدافع عن منطقة جغرافية محددة فحسب، بل كانت تدافع عن سوريا بأكملها، وعن الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما منحها مكانة سياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.
في المقابل، تدرك الحكومة الانتقالية أن نجاح عملية إعادة بناء سوريا يتطلب استيعاب جميع القوى الوطنية، والاستفادة من الخبرات التي تراكمت خلال سنوات الأزمة، بعيداً عن منطق الإلغاء أو الإقصاء. ومن هنا جاء الاتفاق بوصفه محاولة لفتح صفحة جديدة تقوم على الحوار والتفاهم بدلاً من الصدام.
من أكبر الأخطاء، التي يمكن أن ترافق تنفيذ الاتفاق، النظر إليه بوصفه انتصاراً لطرف وهزيمة لطرف آخر، فالحقيقة أن أياً من الطرفين لا يستطيع منفرداً بناء مستقبل سوريا، فسوريا اليوم تحتاج إلى الخبرة الأمنية والإدارية، التي راكمتها مؤسسات الإدارة الذاتية، كما تحتاج إلى القوى التي حاربت الإرهاب وقدمت آلاف الشهداء.
وفي المقابل، تحتاج مؤسسات الإدارة الذاتية، إلى إطار دستوري وطني، يضمن حقوق جميع الشعوب والمكونات السورية، ويمنح هذه المؤسسات الشرعية ضمن المؤسسات الحكومية، إن الاتفاق الحقيقي لا يقوم على ذوبان طرف على حساب الطرف الآخر، وإنما على الاندماج القائم على التكامل بين الخبرات، وتقاسم المسؤوليات، وبناء مؤسسات وطنية جديدة، تستفيد من جميع التجارب التي أفرزتها سنوات الحرب، ولهذا، فإن نجاح الاتفاق يتطلب الابتعاد عن لغة التخوين والانتصار السياسي، واعتماد خطاب يقوم على الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية.
بناء جيش وطني حديث يستوعب المتغيرات
يُعد الملف العسكري، أكثر ملفات اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، حساسية وأهمية، لأنه لا يتعلق بمجرد إعادة هيكلة تشكيلات عسكرية، أو نقل وحدات من إطار تنظيمي إلى آخر، بل يؤسس لمرحلة جديدة من بناء المؤسسة العسكرية السورية، على أسس وطنية تستوعب المتغيرات التي أفرزتها سنوات الأزمة.
فخلال أكثر من عقد من الزمن، راكمت قوات سوريا الديمقراطية، خبرة عسكرية وميدانية واسعة في مواجهة “داعش”، وخاضت معارك مفصلية في كوباني، والشدادي، ومنبج، والطبقة، والرقة، ودير الزور، والباغوز، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى دفاعاً عن شمال وشرق سوريا، وعن وحدة الأراضي السورية، وأسهمت بصورة فاعلة في إنهاء خطر داعش والقضاء عليه.
ومن هذا المنطلق، فإن تنفيذ بنود الاتفاق؛ ينبغي أن يقوم على مبدأ الاستفادة من الخبرات لا إلغائها، والتكامل لا الإقصاء، والشراكة لا الغلبة، فالجيش السوري في مرحلته الجديدة، يحتاج إلى الاستفادة من جميع الخبرات الوطنية، التي تشكلت خلال سنوات الحرب، بما يعزز قدراته الدفاعية، ويؤسس لمؤسسة عسكرية أكثر احترافية وتنوعاً.
وفي إطار تنفيذ الاتفاق، بدأت ملامح الدمج العسكري، يتجسد من خلال تشكيل أربعة ألوية عسكرية، من قوات سوريا الديمقراطية، هي لواء قامشلو، ولواء الحسكة، ولواء ديرك، ولواء كوباني، حيث خضعت هذه الألوية لدورات تنظيمية وعسكرية في النبك، قبل أن تعود إلى مناطق انتشارها لاستكمال مهامها ضمن الهيكلية العسكرية الجديدة التي يجري العمل على بنائها.
وتعكس هذه الخطوة توجهاً نحو دمج تدريجي ومدروس، يهدف إلى الحفاظ على تماسك القوات والاستفادة من خبراتها، مع ضمها ضمن المؤسسة العسكرية السورية، بما يحقق وحدة القرار العسكري، ويحافظ في الوقت نفسه على الكفاءات التي أثبتت حضورها في ميادين القتال.
وفي المقابل، تشير مسارات التنفيذ إلى استمرار عمل بعض الوحدات المتخصصة، وفي مقدمتها وحدات مكافحة الإرهاب YAT وقوات الأمن الخاصة HAT، بالنظر إلى طبيعة المهام التي تضطلع بها، وما تمتلكه من خبرات متقدمة في مكافحة الإرهاب والعمليات النوعية، ولا سيما في ظل استمرار خطر خلايا “داعش”.
كما يستمر الحوار بين الجهات المعنية بشأن مستقبل وحدات حماية المرأة YPJ، التي كان لها دور بارز في الدفاع عن مناطقها، وفي النضال ضد داعش، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة في المجال العسكري، ويُنتظر أن يُعالج هذا الملف في إطار رؤية شاملة توازن بين متطلبات إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والحفاظ على الإرث النضالي والرمزي الذي تمثله هذه الوحدات.
وفي السياق ذاته، يجري العمل على الاستفادة من عناصر قوات واجب الدفاع الذاتي، ضمن منظومة حرس الحدود، بما ينسجم مع طبيعة مهامهم وخبراتهم، ويسهم في تعزيز أمن الحدود السورية، وترسيخ الاستقرار في المناطق الشمالية والشرقية، ضمن إطار قانوني وعسكري موحد، إن نجاح تطبيق بنود اتفاق التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني لا يقاس بعدد الألوية التي ستنضم إلى الجيش السوري، ولا بحجم التغييرات التنظيمية والإدارية التي ستُنجز، بل بقدرتها على تأسيس عقيدة عسكرية وطنية جديدة، يكون جوهرها الدفاع عن وحدة الأراضي السورية، وحماية الدستور، وصون أمن جميع المواطنين، بعيداً عن الانقسامات الحزبية أو القومية أو المناطقية.
لقد أفرزت سنوات الحرب، خبرات عسكرية ثمينة، وأساليب متطورة في مكافحة الإرهاب، والتنسيق بين مختلف صنوف القوات، وإدارة العمليات المعقدة. ومن الحكمة أن تتحول هذه الخبرات إلى جزء من المؤسسة العسكرية السورية، لا أن تُهدر أو تُستبعد.
كما أن بناء جيش وطني حديث يقتضي ترسيخ قيم الاحتراف والانضباط، واحترام القانون وحقوق الإنسان، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية، بما يجعلها مؤسسة وطنية جامعة، تعبر عن جميع السوريين وتحظى بثقتهم.
إن الاندماج الحقيقي لا يعني ذوبان طرف في آخر، وإنما اندماج الخبرات والإمكانات ضمن مؤسسة وطنية واحدة، تستفيد من تضحيات جميع أبنائها، وتكون قادرة على حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، والدفاع عن وحدة سوريا واستقلالها، وبهذا المعنى، فإن تنفيذ الاتفاق في شقه العسكري لا يمثل نهاية لتجربة قوات سوريا الديمقراطية، بل بداية لمرحلة جديدة تُسهم فيها هذه الخبرات، إلى جانب خبرات الجيش السوري، في بناء مؤسسة دفاع وطنية حديثة، تكون ركيزة للاستقرار، وضمانة لوحدة سوريا ومستقبلها.
الأمن الداخلي أساس الأمن والاستقرار المجتمعي
إلى جانب الملف العسكري، يبرز ملف الأمن الداخلي، باعتباره أحد أهم عناصر نجاح الاتفاق، فقد تمكنت مؤسسات الأمن الداخلي “الأسايش” في الإدارة الذاتية، خلال سنوات الحرب، من حماية المدن والبلدات، وتأمين ملايين المدنيين، وملاحقة الخلايا الإرهابية، والحفاظ على قدر كبير من الاستقرار رغم الظروف المعقدة.
ومن هذا المنطلق، فإن اندماج مؤسسات الأمن الداخلي ضمن وزارة الداخلية السورية ينبغي أن يتم بصورة تدريجية ومدروسة، تحافظ على الكفاءات والخبرات المتراكمة، وتضمن استمرار أداء هذه المؤسسات لواجباتها دون إحداث فراغ أمني.
وفي هذا السياق، تكتسب التعيينات الأخيرة أهمية خاصة، وفي مقدمتها تعيين العميد محمود خليل علي (سيامند عفرين)، نائباً لقائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، وهي خطوات تعكس بداية الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي، وتؤكد أن نجاح الاتفاقية يعتمد على الاستفادة من الكفاءات الوطنية والخبرات التي تشكلت خلال سنوات الأزمة، غير أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرهوناً بقدرتها على تعزيز الثقة، وإشراك أبناء المنطقة في إدارة مؤسساتهم، وترسيخ مفهوم الشراكة بدلاً من الإقصاء.