لم تكن شنكال في آب 2014 مجرد مدينة سقطت بيد داعش، بل تحولت إلى مسرحٍ لإحدى أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في القرن الحادي والعشرين، ففي غضون أيام قليلة، انهارت حياة عشرات الآلاف من المدنيين الإيزيديين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين الموت عطشًا وجوعًا فوق الجبال، وبين القتل والأسر إذا بقوا في قراهم ومدنهم.
وثّقت الأمم المتحدة لاحقًا ما جرى باعتباره جريمة قد ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين، بعد أن استشهد الآلاف، واختُطف الآلاف من النساء والأطفال، واضطر عشرات الآلاف إلى الفرار سيرًا على الأقدام في ظروفٍ إنسانية بالغة القسوة. غير أن التقارير الرسمية، على أهميتها، لا تستطيع أن تنقل كل ما عاشه أولئك الذين ساروا في الجبال، ولا كل ما رآه من رافقهم في رحلة النجاة.
هذا التحقيق لا يسعى إلى إعادة سرد الوقائع التاريخية فحسب، بل يقدم شهادةً ميدانية من داخل الكارثة، كتبتها بوصفي صحفيًا ومديرًا للمكتب الإعلامي في منظمة روج آفا للإغاثة والتنمية، وهي منظمة مدنية تطوعت للمشاركة في عمليات الإغاثة الإنسانية للنازحين من شنكال. وعلى امتداد نحو خمسة وأربعين يومًا، شاركت مع فرق المنظمة في عشرات الرحلات عبر الممر الإنساني الذي فُتح من روج آفا باتجاه شنكال، بهدف إيصال المساعدات وتوثيق الواقع الإنساني الذي كان يتكشف أمامنا يومًا بعد آخر.
ما سَيرد في الصفحات التالية يميز بوضوح بين ما شاهدته بعيني ووثقته بعدستي، وبين المعلومات التي تؤكدها التقارير الدولية، فالتوثيق الأمين لا يقوم على تضخيم المأساة، لأن الحقيقة نفسها كانت كافية لتكشف حجمها.
الدخول إلى “الكريدور” الإنساني
في صباح الرابع من آب 2014، دخلت مع فريق منظمة روج آفا للإغاثة والتنمية عبر الممر الإنساني الذي فُتح من الحدود السوريّة باتجاه شنكال، مرورًا بقرية فلسطين الحدودية وصولًا إلى منطقة سنون. كان ذلك الممر شريانًا للحياة بالنسبة لعشرات الآلاف من المدنيين الذين وجدوا فيه طريقًا للنجاة بعد أن أغلقت أمامهم معظم منافذ الخروج الأخرى.
لم تكن مهمتنا عسكرية، ولم نحمل سوى الكاميرات، ومواد الإغاثة، والأمل في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المدنيين. كنت مسؤولًا عن توثيق ما يجري، وفي الوقت نفسه أشارك الفريق الطبي في تقديم ما يمكن تقديمه من مساعدة ميدانية، إذ لم يكن بالإمكان الفصل بين العمل الصحفي والواجب الإنساني في مواجهة تلك الظروف.
منذ الكيلومترات الأولى داخل مسار النزوح، بدا واضحًا أن الكلمات ستعجز عن وصف ما سنراه لاحقًا. كانت الأرض الممتدة أمامنا تغص بمجموعات بشرية تتحرك ببطء شديد. رجال يحملون أطفالهم، ونساء يسندن كبار السن، وأطفال يحاولون السير حفاة فوق أرض ملتهبة تحت شمس آب اللاهبة. كلما تقدمنا أكثر، ازداد المشهد قسوةً. لم تكن هناك مخيمات منظمة، ولا مراكز طبية قريبة، ولا مصادر مياه تكفي الأعداد الهائلة من النازحين. كان الناس يسيرون بصمتٍ ثقيل، وكأنهم يخشون أن يستهلك الكلام ما بقي لديهم من طاقة.
خلال الأيام الأولى، أدركنا أن الخطر الأكبر لم يعد يقتصر على الهجوم الذي فرَّ منه المدنيون، بل أصبح يتمثل أيضًا في الجوع، والعطش، والإجهاد، ودرجات الحرارة المرتفعة. كانت تلك العوامل تحصد الأرواح بصمت، وتحوّل طريق النجاة نفسه إلى اختبار قاسٍ للبقاء.
رأيت أطفالًا بدت على وجوههم وأجسادهم آثار الجفاف والإنهاك الشديد، وكانت فرقنا الطبية تحاول إسعاف من يمكن إسعافه بالإمكانات المحدودة المتاحة. كما رأيت الكثيرين وقد تمزقت أحذيتهم بعد مسافات طويلة من السير، بينما أصيبت أقدامهم بجروح وحروق نتيجة حرارة الأرض الوعرة والصخرية. لم يكن معظمهم يشتكي؛ كانوا يريدون فقط الوصول إلى مكانٍ آمن، مهما كان بعيدًا.
ومن بين جميع المشاهد التي وثقتها، بقيَ مشهداً واحداً يلاحق ذاكرتي حتى اليوم. رأيت امرأة توقفت بجوار صخرة، وقد فقد رضيعها الحياة أثناء رحلة النزوح. وقفت للحظات، ثم تركت الطفل إلى جانب الصخرة، ومضت مع من بقي من أفراد أسرتها. لم يكن ذلك دليلًا على قسوة قلب، بل على حجم المأساة التي دفعت إنسانًا إلى اتخاذ قرار لا يمكن تخيله في الظروف الطبيعية. كانت تدرك أن التوقف طويلًا قد يهدد حياة بقية أطفالها، فواصلت السير وهي تحمل ألمًا سيبقى معها ما بقيت على قيد الحياة.
في تلك اللحظة، أدركت أن الكاميرا مهما التقطت من صور، فلن تستطيع أن تنقل ثقل الصمت الذي خيّم على المكان، ولا الشعور بالعجز الذي انتاب كل من كان حاضرًا.
بين الحياة والموت… خمسة وأربعون يومًا في قلبِ المأساة
لم تكن مهمتنا تقتصر على رحلة واحدة أو يوم واحد، فقد استمرت مشاركتنا الميدانية قرابة خمسة وأربعين يومًا، نفذنا خلالها عشرات الرحلات عبر الممر الإنساني، ذهابًا وإيابًا، بين الحدود السورية ومناطق وجود النازحين. ومع كل رحلة، كنا نعتقد أننا رأينا أقسى ما يمكن أن يراه الإنسان، لكن الواقع كان يفاجئنا في اليوم التالي بمشهدٍ أشد قسوة.
لم يكن الطريق طريقًا بالمعنى المعروف. كانت الجبال والسهول الترابية الممتدة تشكل مسارًا اضطر آلاف المدنيين إلى اجتيازه سيرًا على الأقدام. من بعيد، كانت الجموع تبدو كأنها خيط بشري طويل لا نهاية له، يتحرك ببطءٍ وسط الغبار والحرارة. وعندما نقترب، تبدأ التفاصيل بالظهور: وجوه أنهكها العطش، وأطفال يلتصقون بأمهاتهم، ورجال يحملون كبار السن بعدما عجزوا عن متابعة السير وحدهم.
في كثير من المواقع التي وصلنا إليها، لم يكن الناس يطلبون الطعام أولًا، بل الماء. كانت قوارير المياه بالنسبة إليهم أثمن من أي شيء آخر، لأن حرارة شهر آب كانت قاسيةً، ولأن كثيرين أمضوا ساعات طويلة، وربما يومًا كاملًا أو أكثر، في السير دون مصدر ثابت للمياه.
كان الفريق الذي أعمل معه يضم ممرضين ومتطوعين، بينما كنت أتولى مسؤولية التوثيق الإعلامي، وأشارك في الوقت نفسه في الأعمال الإنسانية كلما اقتضت الحاجة، ففي مثل تلك الظروف، لم تكن هناك حدوداً فاصلةً بين مهمة الصحفي ومهمة المتطوع؛ فالأولوية كانت لإنقاذ الإنسان.
ومن أكثر الحالات التي تكررت أمامنا، إصابة الأطفال بعلامات الجفاف والإجهاد الشديد. كانت فرقنا الطبية تبذل ما تستطيع بالإمكانات المتاحة، لكن حجم الكارثة كان أكبر من قدرات أي فريق صغير يعمل في ظروف ميدانية معقدة. كنت أراقب الممرضين وهم يحاولون إسعاف الأطفال، بينما أرفع الكاميرا لتوثيق ما يحدث، ثم أعود بعد لحظات للمساعدة في نقل المياه أو ترتيب المستلزمات الطبية. كان الانتقال بين التوثيق والعمل الإنساني يتم بصورةٍ تلقائية، لأن المأساة لم تكن تمنح أحدًا رفاهية الاكتفاء بدورٍ واحد.
وخلال تلك الأيام، لاحظت أن آثار الطريق لم تكن تقتصر على التعب والإرهاق. فقد شاهدت عددًا كبيرًا من النازحين وقد تمزقت أحذيتهم تمامًا بعد مسافات طويلة من السير فوق الصخور والأرض الملتهبة. وكان كثيرون يكملون الطريق حفاة، وقد أصيبت أقدامهم بجروحٍ وتشققات، فيما ظهرت على بعضهم آثار حروق ناجمة عن حرارة الأرض. لم تكن تلك الإصابات ناتجة عن المعارك، بل عن رحلة النجاة نفسها.
ومع تكرار دخولنا إلى العمق، أصبحنا نحمل معنا صورةً أوضح عن الاحتياجات الإنسانية، وننقلها إلى الجهات التي تستطيع تقديم الدعم. وبعد أيام من استمرار عملنا، زودت منظمة أطباء بلا حدود فريقنا بكمياتٍ من مياه الشرب وبعض الأدوية المخصصة للأطفال، وذلك بعد أن اطلعت على ما نقلناه من أوضاعٍ ميدانية وحجم الاحتياجات التي شاهدناها خلال رحلاتنا، وقد ساهم هذا الدعم في تعزيز قدرة الفريق على الاستجابة لعددٍ أكبر من الحالات خلال تلك المرحلة، وإن ظل أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.
لكن الوصول إلى النازحين لم يكن يخلو من المخاطر، ففي إحدى الرحلات، تعرّض فريقنا لإطلاق نار نُسب إلى عناصر من داعش، وأسفر الحادث عن أضرارٍ مادية، بينما نجا أفراد الفريق دون إصابات جسدية. كان ذلك تذكيرًا بأن الطريق الذي نسلكه لم يكن ممرًا إنسانيًا آمنًا بصورةٍ كاملة، بل كان يتحرك على تماس مع خطر دائم.
ورغم تلك المخاطر، استمرت الرحلات. لم يكن قرار العودة إلى الداخل سهلًا، لكنه كان بالنسبة إلينا ضرورة إنسانية، ففي كل مرة كنا نصل فيها إلى مجموعة جديدة من النازحين، كنا ندرك أن هناك آخرين ما زالوا ينتظرون الماء أو الدواء أو أي إشارة تدل على أن العالم لم ينسهم.
لقد التقطت خلال تلك الفترة عشرات الصور. لم أتعامل معها بوصفها مادة صحفية فحسب، بل باعتبارها وثائق تاريخية تحفظ ذاكرة أناس ربما لم يبقَ من قصصهم سوى تلك اللحظات التي سجلتها العدسة. فالصورة في مناطق الكوارث ليست مجرد عنصر بصري، بل شهادة يمكن أن تساعد مستقبلًا في فهم ما جرى، وفي حماية الحقيقة من النسيان أو الإنكار.
وعلى امتداد الأيام الخمسة والأربعين، لم يتغير شيء في وجوه النازحين سوى ازدياد التعب. أما الأمل، فرغم ضعفه، فقد ظل حاضرًا في أعين كثيرين كانوا يواصلون السير، خطوة بعد أخرى، بحثًا عن مكان يمكن أن يبدأوا فيه حياة جديدة بعد أن فقدوا كل ما عرفوه من قبل.