مركز الأخبار – يسود منذ سنوات واقع معقد تواجه فيه المرأة العراقية تحديات قانونية واجتماعية وأمنية، وسط تقارير دولية وشهادات حقوقية تدعو إلى إصلاح التشريعات، وتعزيز الحماية القانونية، ومكافحة العنف، وضمان العدالة والمساواة، بما يكفل صون الحقوق وتوسيع فرص المشاركة في مختلف مجالات الحياة.
لم يعد الحديث عن واقع المرأة العراقية مقتصراً على قضايا المشاركة المجتمعية أو فرص العمل، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بمستوى الحماية القانونية والأمن الشخصي والاستقرار الاجتماعي. فمع صدور مؤشرات دولية تضع العراق ضمن الدول التي تواجه فيها النساء تحديات كبيرة، تتجدد المطالب بإجراء إصلاحات قانونية ومؤسساتية تضمن صون حقوق المرأة، في وقت لا تزال فيه ملفات العنف الأسري، والانتهاكات داخل المؤسسات، والتعديلات القانونية المثيرة للجدل، تلقي بظلالها على واقع النساء في البلاد.
مؤشرات مقلقة
حلّ العراق في المرتبة (158) من أصل (181) دولة ضمن مؤشر المرأة والسلام والأمن 2025 ـ 2026، الصادر عن معهد جورجتاون للمرأة والسلام والأمن بالشراكة مع معهد أوسلو لأبحاث السلام، ليبقى ضمن الدول التي تواجه تحديات كبيرة في مجالات الأمن والحقوق والعدالة والتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء.
ويعكس المؤشر استمرار وجود فجوات في حماية المرأة، رغم التحسن النسبي الذي شهدته البلاد على المستوى الأمني خلال السنوات الأخيرة. ويرى مختصون أن هذه النتائج ترتبط بعوامل متشابكة، من بينها ضعف الحماية القانونية، واستمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتفاوت فرص الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات، فضلاً عن محدودية مشاركة النساء في مواقع صنع القرار.
وفي السياق ذاته، ما يزال التعديل الأول لقانون الأحوال الشخصية رقم (1) لسنة 2025 يثير نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية، ولا سيما فيما يتعلق بتطبيق بعض أحكامه على عقود زواج أُبرمت قبل نفاذه. وتؤكد ناشطات ومحاميات أن تطبيق التعديل بأثر رجعي أوجد إشكالات قانونية تتعلق بالحقوق المكتسبة، وأثار مخاوف بشأن انعكاساته على قضايا الحضانة والنفقة واستقرار الأسرة، فيما تتواصل الدعوات إلى مراجعة آليات التطبيق بما ينسجم مع مبادئ العدالة وحماية الحقوق.
واقع معقد
إلى جانب الجدل القانوني، تواجه المرأة العراقية تحديات اجتماعية وأمنية متواصلة، أبرزها العنف الأسري والتحرش والانتهاكات التي تقع داخل بعض المؤسسات، وهي قضايا أعادت التأكيد على أهمية تعزيز الرقابة والمساءلة وضمان عدم الإفلات من العقاب.
كما أثارت حوادث الاعتداء على محتجزات داخل مراكز أمنية، إلى جانب تزايد حالات الانتحار، مخاوف حقوقية بشأن مستوى الحماية المتوفر للنساء، ودعت منظمات وناشطات إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات، باعتبار أن حماية المرأة مسؤولية قانونية تقع على عاتق مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، تشير شهادات عدد من المختصات إلى وجود تطور في وعي النساء بحقوقهن، وارتفاع معدلات الإبلاغ عن حالات العنف والتحرش مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعد خطوة هامة في كسر الصمت، إلا أن هذا التطور، بحسب مختصين، يحتاج إلى منظومة قانونية أكثر فاعلية، ودعم اجتماعي ونفسي يضمن للمرأة الوصول إلى العدالة دون ضغوط أو مخاوف.
إصلاحات ضرورية
ويرى مراقبون أن تحسين واقع المرأة العراقية يتطلب معالجة متكاملة لا تقتصر على تعديل القوانين، وإنما تشمل تعزيز استقلالية القضاء، وتطوير آليات الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص التعليم والعمل، وضمان مشاركة النساء في المؤسسات الرقابية وصنع القرار.
كما يؤكد مختصون أن مكافحة الفساد تمثل أحد المسارات الرئيسة لتحسين أوضاع النساء، باعتبار أن تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة يضاعفان الأعباء التي تتحملها المرأة داخل الأسرة، ويحدان من فرصها في التعليم والعمل والاستقلال الاقتصادي.
وبين المؤشرات الدولية والوقائع المحلية، يبقى واقع المرأة العراقية مرهوناً بقدرة المؤسسات على تحويل النصوص القانونية إلى حماية فعلية، وتعزيز مبادئ العدالة والمساواة، بما يضمن للنساء بيئة آمنة تحفظ حقوقهن وتصون كرامتهن، وتفتح أمامهن آفاق المشاركة الكاملة في مختلف مجالات الحياة.