عند السادسة من مساء خريفي، كان الضوء ينسحب ببطء عن شاطئ الخليج، كأن النهار تعب من حمل غربتنا وقرر أن يتركها لليل. البحر ساكن على غير عادته؛ لا يرفع موجة، ولا يوقظ ريحا، فيما كانت الشمس تغيب خلف الأفق كما تغيب الأحبة بطيئة، صامتة، ومن دون أن تلتفت مرة أخيرة. في شقتي الصغيرة، غير البعيدة عن الشاطئ، جلست إلى جوار النافذة أراقب العتمة وهي تزحف فوق الزجاج. لم يكن في المكان ما يؤنس وحدتي سوى رفوف مثقلة بالكتب، وصور باهتة لأشخاص أخذتهم المسافات، وساعة حائط لا تكف عن تذكيري بأن الزمن، مهما أثقلته أحزاننا، لا يتوقف من أجل أحد. تحت الطاولة استقرت حقيبة جلدية قديمة، رافقتني في أكثر من منفى. حملتها معي حين غادرت بغداد، ثم تنقلت بها بين مدن حسبتها محطات مؤقتة، فإذا بها تلتهم نصف عمري. لم أفتحها منذ أشهر، فقد كنت أعرف ما تخبئه من قصصا لم تكتمل، رسائل لم تصل، صورا فقدت وجوهها، وأوراقا تحمل من حياتي أكثر مما تحتمل الكلمات. كان أمامي دفتر جلدي وقلم أنهكته الكتابة، حتى خيل إلى أنه صار يعرف الطريق إلى وجعي من دون أن تقوده أصابعي. قبل ساعة، كنت قد نشرت نصا كتبته في ليلة قاسية. لم أكتبه طلبا للإعجاب، ولا رغبة في مواساة عابرة كتبته لأن الصمت صار أثقل من قدرتي على الاحتمال، ولأن القلب حين يعجز عن البكاء، يبحث عن نافذة في الكلمات.
أغلقت هاتفي بعد النشر، كأنني أغلقت بابا على آخر ما تبقى مني، ثم تركته مقلوبا فوق الطاولة. غير أن الوجع يعرف كيف يعثر علينا، حتى حين نطفئ كل النوافذ.
أضاءت الشاشة
كانت رسالة من صديق عرفني قبل أن تعلمني الحياة إخفاء انكساراتي داخل ابتسامة هادئة. أرسل إلي النص كاملا، ثم كتب: «كمية الألم في كلماتك ليست طبيعية. أشعر أنك بلغت مرحلة لم تعد ترى فيها من حولك، وربما لم تعد ترى نفسك أيضا. الوحدة أتعبتك يا صديقي. ابحث عن رفيقة تعيد إلى أيامك إحساسا جديدا. لا أقصد أن تدخل في علاقة؛ قد تكون امرأة تحمل ذاكرة جميلة، بل راقب إحساسها وهي تحكي. ستتغير أشياء كثيرة في داخلك.»
قرأت الرسالة مرتين.
وقبل أن أكتب ردا، رن الهاتف. كان هو.
ترددت قليلا، ثم أجبت:
ـ مساء الخير.
جاء صوته دافئا، لكنه لم يخل من عتاب:
– وهل بقي في مسائك شيء من الخير؟
قلت محاولا الهرب إلى المزاح:
– بقي ما يكفي كي أرد على اتصالك.
– قرأت نصك. لم أقرأ الكلمات وحدها، بل قرأت الرجل المختبئ خلفها. أنت لست بخير.
صمتَ لحظة، ثم أضاف:
– ابحث عن امرأة تجلس إليها، تحدثها وتسمع منها. ربما تعيد إليك شيئا مما فقدته.
ضحكت ضحكة قصيرة، باردة، وقلت:
– ولماذا امرأة؟ ألا ينفع صديق عجوز مثلك؟
قهقه قائلا:
– وهل تظن نفسك ما زلت شابا حتى تبحث عن عجوز آخر؟ رجل يشبهك سيضاعف تعاستك؛ ستجلسان معا تتنافسان أيكما خذلته الحياة أكثر!
ضحكت على الرغم مني، فقال:
– هكذا أفضل. كنت أخشى أنك نسيت كيف تضحك.
سألته:
– ومن أين جئت بهذه الفلسفة؟
– من جدتي وقطتي.
– وما العلاقة بين جدتك وقطة؟
– لا أعرف على وجه الدقة. لكن؛ كلتيهما كانت تمنحني الإحساس الذي أحتاج إليه؛ جدتي بالكلمات، وقطتي بصمتها. نحن لا نحتاج دائما إلى من يقدم الحلول، بل إلى روح تشعر بنا من دون أن نحسن الشرح.
تلاشت ابتسامتي، وعدت أنظر إلى البحر.
قلت بصوت خافت:
– أشكرك من القلب لأنك قرأت ما بين السطور. ليس كل من يقرأ الكلمات يدرك ما تخبئه من وجع. لكنك نسيت أمرا مهما.
– ما هو؟
– ماذا لو كان الرجل موجوعا ومفلسا في الوقت نفسه؟ من التي ستقبل أن تجلس إلى رجل أنهكته الحياة قبل أن يبدأ بالكلام؟ الناس اليوم يبحثون عمن يضيف إلى سعادتهم، لا عمن يقتسم معهم أوجاعهم.
ساد الصمت في الطرف الآخر. ظننت أنني أثقلت عليه، لكنه قال بهدوء:
– أنت لا تبحث عن امرأة إذن، بل تبحث عن ضمانة ألا تخذلك.
أربكتني عبارته.
مددت يدي إلى فنجان الشاي، فوجدته باردا. قلت:
– ربما، لأنني تعبت من البدايات التي تنتهي قبل أن أتعلم أسماءها. أخشى أن تنظر امرأة في عيني، فلا ترى إلا المقابر التي دفنت فيها أحلامي، والمدن التي تركت فيها أجزاء من عمري، والوجوه التي غابت قبل أن أقول لها كل ما كان ينبغي أن يقال. ماذا يمكن لرجل يعيش على الذكريات أكثر مما يعيش على الغد أن يمنحها؟
قال بحزم:
– قلبا صادقا.
– الصدق وحده لا يكفي دائما.
– لكنه الشيء الوحيد الذي لا يمكن شراؤه.
نهضت من مقعدي واقتربت من النافذة. كان البحر قد غرق في العتمة، واختفت المراكب البعيدة، كأن الليل أخفاها كي لا يغادر أحد آخر.
قلت:
– هناك رجال كلما ضحكوا أخفوا دمعة داخل ابتسامتهم، وكلما أحبوا ارتجفوا خوفا، لأنهم تعلموا أن الأشياء الجميلة لا تمكث طويلا. أنا واحد منهم. صرت أخشى التعارف، لأن كل لقاء جديد يذكرني بوداع قديم.
جاء صوته هذه المرة أكثر قربا:
– وهل ستظل تعاقب كل من قد يراك، لأن آخرين لم يروك؟
لم أجب.
كانت عبارته قد وصلت إلى مكان ظل مغلقا في داخلي سنوات طويلة.
تابع:
– لا أطلب منك أن تبحث عن امرأة تنقذك، ولا أن تلقي أوجاعك في قلبها. فقط لا تغلق الباب إذا جاءت روح ترى الإنسان فيك قبل ظروفه. هناك من لا يبحثن عن المال ولا عن رجل كامل؛ يبحثن عن رجل حقيقي لا يبدل قلبه كلما تبدلت أيامه.
قلت:
– العثور على قلب كهذا معجزة.
– نعم، لكنه حين يوجد لا يمنحك صحبة فحسب، بل يعيد إليك إيمانك بالإنسان.
طال الصمت بيننا. لم يكن صمتا ثقيلا هذه المرة، بل بدا كمساحة يتركها صديق لصديقه كي يسمع ما يجري في داخله.
قلت أخيرا:
– أنا لا أبحث عن الحب يا صديقي. الحب قد يأتي في هيئة صدفة، ثم يرحل في هيئة قدر. ما أبحث عنه هو الود. أن تجد من يخاف عليك من الوحدة أكثر مما يخاف عليك من المرض، من يقرأ تعبك بين سطورك، ويشعر بغيابك قبل حضورك، ويطمئن إلى قلبك حتى حين تدعي أنك بخير.
قال:
– إذن أنت ما زلت تملك ما تبحث عنه، وإلا لما عرفت وصفه بهذه الدقة.
أغلقنا الهاتف بعد أن أوصاني ألا أختفي طويلا. بقيت واقفا أمام النافذة، أحدق في انعكاسي على الزجاج. رأيت رجلا تجاوزت الحياة ملامحه على عجل، لكنه لم يبد مهزوما تماما كما كنت أتصور. كان متعبا، نعم، غير أن في عينيه شيئا خافتا لم يمت بعد.
التفت إلى الحقيبة القديمة. سحبتها من تحت الطاولة، فتطاير الغبار عن جلدها المتشقق. فتحت الأقفال بصعوبة، فاندفعت رائحة الورق القديم ممزوجة برائحة المدن التي عبرتها.
أخرجت قصصي، وقصائدي، ورسائل كتبتها لأشخاص لم يعرفوا يوما أنها كانت موجهة إليهم. وجدت تذكرة سفر باهتة، وصورة لبغداد تحت المطر، وبطاقة بريدية كتبت على ظهرها قبل سنوات:
(بعض المنافي لا تبدأ حين نغادر الوطن، بل حين لا نجد قلبا نعود إليه).
جلست على الأرض وأخذت أقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى. لم أكن أقرأ الكلمات، بل كنت أقرأ عمري. وجوها وعدت بالبقاء ثم مضت، أصواتا كانت تبدأ بها صباحاتي ثم انطفأت، وأمكنة منحتها اسم الوطن قبل أن أكتشف أنها لم تكن سوى محطات انتظار. في قاع الحقيبة عثرت على ورقة بيضاء مطوية بعناية. بقيت خالية طوال تلك السنوات، كأنها كانت تنتظر اعترافا لم أملك شجاعة كتابته. وضعتها أمامي، وأمسكت القلم.
كتبت:
(ربما كنت مخطئا حين ظننت أنني لا أملك ما أهديه لامرأة. ما زلت أملك قلبا لم يعرف الخيانة، لكنه تعب من الانتظار، وتأخر كثيرا حتى صار يخشى أن يصدق أن أحدا قد يأتي من أجله.)
توقفت قليلا، ثم أضفت:
(لن أطلب من أحد أن يحمل أوجاعي، لكنني لن أغلق الباب في وجه قلب قد يتسع لها.)
رفعت رأسي نحو النافذة. كانت موجة صغيرة قد تحركت في البعيد، ثم لحقتها أخرى، كأن البحر الذي ظل ساكنا طوال المساء بدأ يستعيد صوته.
عندها أدركت أن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس أن يعيش وحيدا، بل أن يمضي عمره كله حاملا في قلبه كل هذا الود، ثم يرحل قبل أن يجد قلبا واحدا يضعه فيه.
أعدت الأوراق إلى الحقيبة، إلا الورقة الأخيرة. تركتها فوق الطاولة إلى جوار الهاتف، ثم فتحت النافذة. لم يدخل أحد. لكنني، للمرة الأولى منذ زمن، لم أعد خائفا من احتمال أن يأتي أحد.