No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
بعد سنوات من الحرب والانقسام، تقف سوريا اليوم أمام سؤال يبدو أكثر أهمية من أي استحقاق سياسي آخر: كيف يمكن بناء وطن يعيش فيه السوريون معًا مرةً أخرى؟ فقد يكون إسقاط النظام السوري السابق قد أنهى مرحلة سياسية امتدت لعقود، لكنه لم ينهِ الأزمة السورية، فالأزمة الحقيقية لم تكن يومًا أزمة سلطة فقط، وإنما أزمة دولة وهوية وثقة بين شعوب المجتمع. ولهذا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس بعدد المؤسسات التي أُنشئت أو القوانين التي أُقرت، وإنما بقدرة السلطة الجديدة على بناء عقد وطني جديد يشعر في ظله كل سوري بأنه شريك في الدولة، لا مجرد تابع لها.
لقد خطت دمشق خطوات سياسية خلال الأشهر الأخيرة بدأت بتشكيل الحكومة مروراً بالانخراط في عملية سياسية داخلية وصولا إلى الانفتاح على المجتمع الدولي. غير أن ذلك كله لا يسلم من الانتقادات إما لمنهاجية الصياغة للوثيقة الدستورية التي لم تحظَ بإجماعٍ وطني، أو السياسات الاجتماعية التي يرتاب منها العديد من السوريين لاسيما فيما يخص عدد من الملفات مثل “المسلحين الأجانب” أو “المحاسبية” بشأن المتورطين بأحداث العنف التي شهدتها البلاد وبخاصةٍ المرتبطين بالسلطة بشكلٍ أو آخر، الأمر الذي يحد من قدرة المؤسسات الجديدة على أداء دورها بوصفها إطارًا جامعًا لكل السوريين.
مشكلة السلطة الجديدة تكمن في أنها لا تزال تتعامل مع الاندماج الوطني باعتباره نتيجةً طبيعية لانتهاء الحرب، بينما تشير تجارب الدول الخارجة من النزاعات إلى أن الاندماج ليس نتيجة، بل هو مشروع سياسي يحتاج إلى قرارات شجاعة وإصلاحات عميقة. فالتعايش لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات، وإنما عبر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الشعوب المختلفة التي مزقتها سنوات الصراع.
ولعل أكثر ما يكشف حجم هذا التحدي هو استمرار التعقيدات في بعض المناطق السوريّة، ففي السويداء، على سبيل المثال، ما زالت جهود إعادة ضم المحافظة في المؤسسات الحكومية تواجه صعوبات، بينما تشير تقارير أممية إلى تعثر تنفيذ خطط الاستقرار ووجود توترات مستمرة بين الدولة وبعض القوى المحلية، بما يعكس أن إنهاء المواجهات المسلحة لا يعني بالضرورة تحقيق المصالحة المجتمعية أو استعادة الثقة.
وينطبق الأمر ذاته على روج آفا، حيث لا تزال الحكومة في حاجةٍ لبث الطمأنينة وبناء الثقة لدى أهالي المنطقة لإنجاح مساعي دمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن المؤسسات الحكومية؛ تطبيقاً لاتفاق التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني، وهي عملية لا تزال معقدة رغم التفاهمات التي أُعلن عنها خلال العام الجاري، فالخلاف لا يدور فقط حول الترتيبات العسكرية، بل حول شكل الدولة نفسها، وحدود اللامركزية، وضمانات المشاركة السياسية، ومستقبل التعددية القومية والثقافية.
هنا يكمن جوهر الأزمة؛ فالدولة التي تريد استعادة سيادتها على كامل أراضيها تحتاج، في المقابل، إلى تقديم ضمانات سياسية واجتماعية تجعل الشعوب المختلفة ترى في الدولة إطارًا للحماية، لا مصدرًا للهيمنة. ففرض السيطرة الأمنية قد يُعيد توحيد الجغرافيا، لكنه لا يُعيد توحيد المجتمع، فالسلطة الحالية ما زالت تتحرك بعقلية الدولة المركزية الصلبة، وهي العقلية نفسها التي ساهمت، بدرجاتٍ متفاوتة، في إنتاج أزمات الحكم خلال العقود الماضية. صحيح أن سوريا تحتاج إلى دولةٍ قوية، لكن القوة في الدول الحديثة لا تُقاس بقدرتها على احتكار القرار، بل بقدرتها على إنتاج التوافق، وإدارة التنوع، وإقناع المواطنين بأن القانون يحكم الجميع على قدم المساواة.
إن التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية المؤقتة اليوم ليس القضاء على آخر بؤر التوتر، وإنما الانتقال من شرعية الانتصار إلى شرعية الحكم الرشيد، فشرعية الانتصار قد تمنح السلطة القدرة على إدارة المرحلة الأولى، لكنها لا تكفي لبناء دولة مستقرة، أما الشرعية المستدامة، فتنبع من المؤسسات، ومن استقلال القضاء، ومن تداول الأفكار، ومن قدرة الدولة على استيعاب المختلفين معها، لا مجرد السيطرة عليهم. كما إنه من الخطأ اختزال التعايش في المصالحات المحلية أو الاتفاقات الأمنية، فهذه الأدوات قد توقف الاشتباكات، لكنها لا تعالج جذور الأزمة، بعبارةٍ أخرى، يبدأ التعايش الحقيقي عندما يشعر المواطن، أيًا كان انتماؤه الديني أو القومي أو المناطقي، بأن مستقبله مرتبط بالدولة لا بالجماعة التي ينتمي إليها، وإن العدالة تُطبّق عليه وعلى غيره بالمعايير نفسها. ولهذا، فإن سياسة الاندماج الوطني في سوريا ينبغي أن تقوم على خمسة مرتكزات أساسية؛ ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وإطلاق عدالة انتقالية تعالج انتهاكات الماضي دون انتقام، وإصلاح المؤسسة الأمنية لتصبح مؤسسة وطنية جامعة، وتوسيع نطاق التشاركية السياسية، وإقرار نموذج إداري يمنح المجتمعات المحلية دورًا أكبر في إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة الواحدة.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه السلطة الحالية هو الاعتقاد بأن انتهاء الحرب يعني انتهاء أسبابها؛ فالكثير من العوامل التي غذّت الانقسام لا تزال قائمة، وإن تغيرت أشكالها. وإذا لم تتحول المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فقد تجد سوريا نفسها أمام انقسامات جديدة، حتى وإن غابت المواجهات العسكرية، فلطالما دفعت سوريا ثمنًا باهظًا بسبب سياسات الإقصاء والاستقطاب خلال العقود الماضية، ولن يكون من الحكمة إعادة إنتاج هذه السياسات بأدوات جديدة أو تحت شعارات مختلفة. فالدولة التي تسعى إلى بناء مستقبل مستقر تحتاج إلى استيعاب الجميع، لا إلى تصنيفهم؛ وإلى بناء الثقة، لا إلى الاكتفاء بفرض السيطرة.
في النهاية، لا يكفي أن تستعيد الدولة مؤسساتها، بل ينبغي أن تستعيد مواطنيها أيضًا، وهذه هي المعركة الأصعب، لأنها لا تُحسم بالسلاح ولا بالقرارات الإدارية، وإنما تُحسم ببناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات. فالتعايش ليس شعارًا أخلاقيًا يُرفع في المناسبات، بل هو الشرط السياسي الذي سيحدد ما إذا كانت سوريا ستنجح في طي صفحة الحرب، أم ستظل أسيرة انقساماتها القديمة بثوبٍ جديد.
No Result
View All Result