كان للبيوت قديمًا أبوابٌ تُطرق بالمحبة، لا بالحاجة، وكانت القلوب مفتوحةً قبل النوافذ، فإذا مرض أحدٌ وجد جاره عند رأسه، وإذا فرح امتلأت البيوت بالتهاني، وإذا نزلت به شدةٌ تسابقت الأيدي إلى معاونته قبل أن ينطق بطلب.
كان الجيران جيرانًا بحق، نتقاسم رغيف الخبز كما نتقاسم الهموم، ونحمل عن بعضنا أثقال الحياة، فلا يشعر فقيرٌ بوحدته، ولا أرملةٌ بغربتها، ولا يتيمٌ بقلة من يسأل عنه، كانت المودة لغةً لا تحتاج إلى ترجمان، وكان الإيثار خلقًا فطريًا لا تكلُّف فيه.
أما اليوم، فقد ارتفعت الجدران، واتسعت المسافات بين القلوب، رغم تقارب البيوت، قد يسكن المرء سنواتٍ بجوار جاره، ولا يعرف اسمه، وربما تمر به محنةٌ فلا يشعر بها أقرب الناس إليه.
لقد سرقتنا مشاغل الحياة، وأغرقتنا الشاشات، حتى أصبح كثيرٌ منا يعرف أخبار البعيد، ويجهل أحوال القريب، ضعف التواصل، وخبت روح التكافل، وحلَّت الفردية محلَّ الألفة، وكأن الجيرة لم تعد ميثاقًا من مكارم الأخلاق، بل مجرد عنوانٍ في السجل المدني.
ولعل السبب الأكبر في ذلك أننا ابتعدنا عن هدي الله ورسوله ﷺ، وانشغلنا بدنيا زائلة، فقست القلوب، وضعفت روابط الإيمان، ونسينا أن الإحسان إلى الجار عبادةٌ نتقرب بها إلى الله قبل أن يكون عادةً اجتماعية، ولو عادت القلوب إلى ربها، لعادت معها معاني الرحمة، ورجعت الأحياء كما كانت؛ متراحمةً متعاونةً، يشدُّ بعضُها أزرَ بعض.
إن الجار ليس شخصًا يسكن إلى جوارك فحسب، بل هو نعمةٌ من نعم الله، وامتحانٌ لأخلاقك وإنسانيتك، وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى إحياء هذا الخلق العظيم؛ بالسلام، والزيارة، والسؤال، وقضاء الحوائج، ومواساة المصابين، ومشاركة الأفراح، حتى تعود الأحياء عامرةً بالمودة بعد أن أثقلها الصمت.
فيا ليتنا نعيد إلى الجيرة معناها الجميل، ونورث أبناءنا هذا الخلق الكريم، ليكبروا وهم يعلمون أن قوة المجتمع لا تُبنى بالإسمنت والحجارة، وإنما تُبنى بقلوبٍ تعرف حق الجار، وتمتد إليه بالمحبة والإحسان.
فأين ذهب جيراننا القدامى؟ أم أن الجيران ما زالوا هنا… ولكننا نحن الذين ابتعدنا عن قيمنا الدينية، وتخلينا عن ثقافتنا الاجتماعية الأصيلة، حتى اتسعت المسافات بين القلوب، وأصبحنا غرباء عن أبواب جيراننا، بعد أن كانوا أقرب الناس إلى قلوبنا؟