الدرباسية/ نيرودا كرد – لم تكن المكتبات في الشرق الأوسط مجرد أماكن لحفظ الكتب والمخطوطات، بل شكلت عبر التاريخ مراكزاً للإشعاع الفكري والعلمي، وأسهمت في نقل المعرفة بين الحضارات، وصون التراث الإنساني من الضياع.
فمن بلاد الرافدين إلى مصر وبلاد الشام، قامت مكتبات أصبحت رموزاً للحضارة، واستقطبت العلماء والمترجمين والفلاسفة، وأسهمت في نهضة علمية امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء العالم، ورغم ما تعرضت له بعض هذه المكتبات من حروبٍ وحرائق ودمار، فإن كثيراً منها استطاع النهوض من جديد، ليواصل أداء رسالته الثقافية في القرن الحادي والعشرين.
مكتبة الإسكندرية… ولادة جديدة لأيقونة الحضارة
تقع مكتبة الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط في مدينة الإسكندرية المصرية، وتعود المكتبة القديمة إلى القرن الثالث قبل الميلاد، حين أُنشئت في عهد البطالمة، ويُرجح أنها بدأت في عهد بطليموس الأول واكتملت في عهد بطليموس الثاني، وقد اشتهرت باعتبارها أكبر مركز علمي في العالم القديم، حيث ضمت مئات الآلاف من اللفائف والمخطوطات، وتوافد إليها كبار العلماء من مختلف الحضارات.
أما المكتبة الحديثة؛ فافتُتحت عام 2002 بالقرب من الموقع التاريخي للمكتبة القديمة، وتضم اليوم أكثر من ثمانية ملايين كتاب، إضافةً إلى متاحف وقاعات للمخطوطات ومراكز بحثية متخصصة، وتسعى إلى استعادة الدور الحضاري الذي لعبته المكتبة القديمة، عبر تعزيز البحث العلمي، والحفاظ على التراث، وتوسيع مشاريع الرقمنة والتعاون الثقافي الدولي.
بيت الحكمة في بغداد… منارة العصر الذهبي الإسلامي
في العاصمة العراقية بغداد، أسس الخليفة العباسي هارون الرشيد أواخر القرن الثامن الميلادي نواة “بيت الحكمة”، قبل أن يشهد ازدهاره الأكبر في عهد الخليفة المأمون خلال القرن التاسع الميلادي، وتحول إلى مركزٍ عالمي للترجمة والبحث العلمي، حيث تُرجمت إليه مؤلفات الإغريق والفرس والهنود، وازدهرت فيه علوم الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.
لا تتوافر أرقام دقيقة حول عدد الكتب التي احتواها بيت الحكمة، إلا أن المصادر التاريخية تصفه بأنه كان من أكبر خزائن الكتب في العالم الإسلامي، وضم عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب النادرة.
ورغم تدميره خلال اجتياح المغول لبغداد عام 1258، بقي بيت الحكمة رمزاً للنهضة العلمية الإسلامية، وتستلهم مؤسسات علمية وثقافية عراقية معاصرة اسمه ورسالة المعرفة التي حملها عبر القرون.
دار الكتب المصرية… ذاكرة الدولة الحديثة
تأسست دار الكتب المصرية في القاهرة عام 1870 بمبادرة من المفكر رفاعة الطهطاوي، لتكون أول مكتبة وطنية في الشرق الأوسط، وبدأت نشاطها في قصر الأمير مصطفى فاضل قبل انتقالها إلى مبناها المعروف في منطقة باب الخلق.
وتضم الدار اليوم ملايين الكتب والدوريات والوثائق، إضافةً إلى واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات العربية والإسلامية في العالم، فضلاً عن الخرائط والصحف التاريخية والبرديات النادرة. وتعمل المؤسسة على رقمنة مقتنياتها وتوسيع خدماتها الإلكترونية، بما يضمن وصول الباحثين إلى كنوزها المعرفية، ويعزز دورها في حفظ الذاكرة الوطنية المصرية والعربية.
المكتبة الظاهرية… كنز المخطوطات في دمشق
في قلب العاصمة السوريّة دمشق تقع المكتبة الظاهرية، التي تعود إلى عام 1277 ميلادية، عندما أنشأها السلطان الظاهر بيبرس ضمن المدرسة الظاهرية، وتحولت لاحقاً إلى واحدةٍ من أهم المكتبات العربية التي احتضنت آلاف المخطوطات الإسلامية والعلمية والأدبية. وتضم المكتبة عشرات الآلاف من الكتب، إضافةً إلى ما يزيد على ثلاثة عشر ألف مخطوطة نادرة في مجالات الفقه والتاريخ والطب والفلك واللغة العربية، ما جعلها مرجعاً أساسياً للباحثين في التراث العربي والإسلامي.
ورغم التحديات التي فرضتها سنوات الحرب في سوريا، لا تزال المكتبة تمثل ركناً أساسياً من التراث الثقافي السوري، مع استمرار الجهود للحفاظ على مخطوطاتها وصيانتها ورقمنتها للأجيال القادمة.
مستقبل المكتبات… من الورق إلى العالم الرقمي
تشهد المكتبات التاريخية في الشرق الأوسط اليوم تحولاً متسارعاً نحو الرقمنة؛ بهدف حماية المخطوطات النادرة من التلف، وإتاحة الوصول إليها أمام الباحثين في مختلف أنحاء العالم. كما تعمل هذه المؤسسات على تطوير برامج تعليمية ومعارض ثقافية وشراكات مع الجامعات والمراكز البحثية، بما يعزز حضورها في العصر الرقمي.
ورغم التحديات المرتبطة بالتمويل، والنزاعات المسلحة، والتغيرات التكنولوجية، فإن هذه المكتبات ما تزال تؤدي دوراً محورياً في صون الهوية الثقافية والحفاظ على الإرث الحضاري للمنطقة.
إرث حضاري يتجاوز حدود الزمن
لم تكن هذه المكتبات مجرد مبانٍ تحفظ الكتب، بل كانت مؤسسات صنعت تاريخ الشرق الأوسط وأسهمت في تطور الحضارة الإنسانية. فمن مكتبة الإسكندرية التي جسدت طموح العالم القديم إلى جمع المعرفة، إلى بيت الحكمة الذي قاد حركة الترجمة والابتكار العلمي، مروراً بدار الكتب المصرية والمكتبة الظاهرية اللتين حفظتا التراث العربي والإسلامي، تتجسد أهمية المكتبات بوصفها حراساً للذاكرة الجماعية وجسوراً بين الماضي والحاضر. واليوم، ومع انتقال المعرفة إلى الفضاء الرقمي، يبقى الحفاظ على هذه المكتبات وتطويرها مسؤولية ثقافية وحضارية، تضمن استمرار رسالتها في خدمة العلم والإنسان، وترسيخ مكانة الشرق الأوسط بوصفه أحد أهم مراكز إنتاج المعرفة عبر التاريخ.