No Result
View All Result
عدنان الدوسري
ثمة أوجاع لا تنطفئ مهما تبدلت الأيام، بل تتقن فن التواري في أعماق الروح، حتى إذا حسبنا إننا تجاوزناها، نهضت من ركام الذاكرة كأنها لم تغِب يومًا. ولأن الإنسان لا يملك دائمًا القدرة على الانتصار على أحزانه، فإنه يفتش، بين حين وآخر، عن طقس صغير يؤجل به انكساره، لا أكثر. أجلس وحيدًا، أصغي إلى صمت المساء، وأراقب الوقت وهو ينساب ببطءٍ، كأن الساعات فقدت رغبتها في العبور.
تتزاحم الوجوه، وتتقاطع الذكريات، ويضيق القلب بما عجز اللسان عن البوح به. عندها تمتد يدي إلى الأركيلة، لا لأنها دواء، ولا لأنني أجهل ما تتركه في الجسد من أثر، بل لأنني أدرك أنها لن تمنحني سوى هدنة قصيرة مع نفسي.
أراقب الدخان وهو يرتفع متهاديًا في الهواء، فأتوهم أن شيئًا من همومي قد ارتحل معه، وأن بعض الخيبات وجدت أخيرًا سبيلها إلى التلاشي. لكن؛ الدخان لا يلبث أن يذوب في الفراغ، بينما يبقى الألم أكثر رسوخًا، كجبل لا تعبأ به الرياح، عندها أبتسم من سذاجة محاولتي في خداع وجعي، وأوقن أن ما يتبدد ليس الحزن، بل وهم الخلاص منه.
وحين يُثقل القلب بما يحمل، لا أجد أصدق من صوت شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري، وهو يترجم ما تعجز عنه الكلمات:
«لَمْ يَبْقَ عِنْدِيَ
مَا يَبْتَزُّهُ الأَلَمُ
حَسْبِي مِنَ المُوحِشَاتِ
الهَمُّ والهَرَمُ»
كلما رددت هذين البيتين، شعرت أن الجواهري لم يكن يرثي نفسه وحدها، بل كان يكتب سيرة كل من أنهكته الحياة، حتى غدا الألم رفيقًا لا يفارقه. وما تلك النفثة التي تتلاشى في الهواء إلا استراحة عابرة في طريقٍ طويل، لا تغير قدر الوجع، لكنها تمنح القلب لحظة يلتقط فيها أنفاسه، ثم ينهض من جديد؛ لأن الحياة، مهما أثقلت أرواحنا، لا تمنحنا ترف التوقف.
No Result
View All Result