يشكّلُ تسييس الجغرافيا وإسباغ التوصيف القوميّ الأحاديّ على الأرض العصب الحي لأزماتِ الشرق الأوسط، وتحديداً في المشهد السوري الحالي. إذ يتحول الوطن في الوعي الشوفينيّ من فضاء إنسانيّ مشترك إلى “مزرعة قوميّة” حصرية تُصادر فيها الحقوق الفطريّة وتُفرز الشعوب على أسس عنصريّة مقيتة. ما يتطلب تفكيك مفهوم الوطنيّة عبر موازنة فلسفية وتاريخيّة وأثريّة، انطلاقاً من مفارقات الحاضر المُنصف والغوص في طبقات الأرض التي تثبت أنّ الأصالة الوجوديّة للشعب الكرديّ أقدم بكثير من خطوط الحدود المصطنعة.
توازنات الكفاءة وفخاخ الابتلاع القسريّ
شهد الفضاء السياسيّ الغربي حدثاً بارزاً تمثل في تعيين السياسيّة الهولنديّة ديلان يشيلغوز زيغيريوس وزيرةً للدفاع بتاريخ 23/2/2026، لتجمع هذا المنصب السيادي إضافةً لكونها نائبةً لرئيس الوزراء، ورئيسةً لحزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية، وتنحدر السياسيّة ديلان من أصول كرديّة، وهي من مواليد أنقرة في 18/6/1977، هاجرت وهي طفلةٌ رفقة عائلتها، إثر هجرة والدها الباحث الأكاديمي يوجل يشيلغوز إلى هولندا سنة 1984. كان قد لجأ إلى إقليم كردستان بعد انقلاب كنعان إيفرين في 12/9/1980.
ورغم كون الكرد في هولندا جالية وافدة حديثة نسبيّاً ولا يملكون جذوراً جغرافيّة ممتدة في القارة الأوروبيّة، وتعدادهم يقدر بنحو مائة ألف، لكنّ النموذجَ القانونيّ والدستوريّ يستوعب الكفاءة الفرديّة والتجربة الإنسانيّة والمؤهلات المهنيّة دون تمييز عرقيّ أو جنسويّ، وعلى أساس المواطنة يُتاحُ للفرد اعتلاء قمة الهرم السياديّ للدولة وإدارة واحدة من أكثر الحقائب حساسيّة دون التفتيش في العرق أو المطالبة بالتنازل عن الخصوصية القوميّة والفطريّة.
تضعنا هذه الواقعة أمام مفارقة حقوقيّة حادة وصادمة عند مقارنتها بالعقليّة السياسيّة المهيمنة في الشرق الأوسط؛ حيث يُجبر الكرد في مواطنهم التاريخيّة، وعلى أرض أجدادهم، على العيش في كياناتٍ سياسيّة معاصرة تشترط ذوبانهم التام وصهرهم الثقافيّ كبوابةٍ وحيدةٍ لنيل المواطنة. وهو سلوكٌ استبداديّ مشوّه يختزلُ الإنسان ويحوّله إلى عنصرٍ تابعٍ، ويحرمه من الشراكة والترّقي السياسيّ الطبيعيّ ما لم يتقمص هوية الكتلة الأكبر ويتخلى عن لغته الفطريّة وتراثه الاجتماعيّ، بل حوّلتِ العنصريّة إلى ثقافةٍ وطنيّةٍ واجتماعيّةٍ سائدة ومعياراً للتعامل والتعيين الوظيفيّ، وعند كلّ مفصل حقوقيّ مهما بلغت ضآلته نجد طوفاناً من خطاب الكراهية والشتم والإساءة بأسلوب التعميم، والرفض المطلق، وصولاً إلى نصبِ خيم الحرب.
هذه المفارقة تكشف زيفَ الخطابِ الوطنيّ في بلدان الشرق الأوسط التي تدّعي الانفتاح، بينما تمارسُ الحكوماتُ والسلطات الأمنيّة والإداريّة جوهريّاً سياسة ابتلاعٍ قسريّ ممنهجة تحت مسمّى الاندماج الوطنيّ، ما يجعل المقارنة بين بيئة تحترم الحقوق الفطريّة للمهاجر وبيئة تنكر الوجود التاريخيّ للمواطن الأصيل مدخلاً أساسيّاً لفهم عمق الأزمة الأخلاقيّة والبنيويّة التي تعاني منها دساتير وقوانين المنطقة الحالية التي ولدت في القرن العشرين.
الأدلجة الشموليّة وتأميم الحيز العام
تأسستِ الكياناتُ السياسيّةُ في منطقة الشرق الأوسط عقب انهيار الدولة العثمانيّة ورسم الحدودِ السياسيّة على أساس اتفاق سايكس بيكو وإطلاق وعد بلفور لتُرسم الحدود بناءً على أيديولوجيا قوميّةٍ صارمةٍ، وأُوجدت قضيتان في المنطقة هما الكرديّة والفلسطينيّة.
في سوريا بلغت الشوفينيّة ذروتها بوصول حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ إلى السلطةِ وتطبيق منظومته الشموليّة والأمنيّة. فعمد إلى إعادة صياغة الجغرافيا الوطنيّة والهوية الجمعيّة والتاريخ المتعدد وفق لون واحد مفروض بقوة الأجهزة الأمنيّة والمراسيم الجائرة، محوّلاً الأرض السوريّة والجزيرة وعفرين من فضاءٍ طبيعيّ للتعايش التاريخيّ إلى مساحةٍ احتكاريّة حصريّة مغلقة. وجعل هذا التوجه الفكريّ السلطويّ أيّ انتماء قوميّ، أو لغوي، أو ثقافيّ مغاير للكتلة العربيّة الأكبر تهمةً مبطّنة تستوجبُ المساءلة الأمنيّة الصارمة والإنكار الوجوديّ التام، ومحاربة أيّ تعبير عن الخصوصية الاجتماعيّة.
تسبب هذا التأميم القسريّ المجحف للحيّز العام بترسيخ حالة احتقانٍ وحقدٍ ممنهج ضدّ كلّ الشعوبِ الأصيلة في المنطقة التي تتحدث عن تاريخيّة وجودها وتطالبُ بحقوقها الثقافيّة المشروعة، واُستُخدمت مؤسساتُ الدولة الرسميّة وآلتها الإعلاميّة ومناهجها التعليميّة في عملية “تصفير التاريخ” الواعية، وإلغاء وإبادة كل ما سبق الوجود السياسيّ الحديث للدولةِ.
تحوّلت “العروبة المطلقة” بفعل آلة البعث من خيارٍ وانتماءٍ ثقافيّ وإنسانيّ غني إلى أداةٍ سياسيّةٍ حادةٍ للهيمنةِ والغلبة والرفض الاجتماعيّ والسياسيّ للآخر، ما نزع عن الدولةِ الحاكمة حيادها الأخلاقيّ والقانونيّ المفترض، وحوّلها من مؤسسةٍ راعية لجميع مواطنيها بالتساوي إلى خصمٍ مباشر وجلاد يمارسُ المحو الممنهج ضدّ شعوبها الفطريّة الأصيلة التي عاشت على هذه الأرض لآلاف السنين قبل أن تُصاغ شعاراتُ الحزبِ الحاكم.
المفارقة الصارخة أنّ البعث إذ تبنّى لعقودٍ طويلةٍ القضية الفلسطينيّة شعاراً ومعياراً للسياسةِ والعلاقات الخارجيّة فقد أنكر وجودَ قضية كرديّة رغم تزامن ولادة القضيتين ووحدةِ الجهة التي تسببت بهما. وعلى مدى عقودٍ برر نظامُ البعث الفسادَ وتدهور الوضع المعيشيّ بالقضيةِ الفلسطينيّة ليمثّلَ ذلك انزياحاً قوميّاً يفتقر للمعيارِ الإنسانيّ.
فخاخ المواطنة البيولوجيّة وهندسة الإقصاء
يكمنُ الخللُ البنيويّ في الأنظمةِ الاستبداديّة المعاصرةِ بالمنطقة في تحويرها لمفهومِ المواطنة وتحويلها من عقدٍ قانونيّ تعاقديّ إلى أداةِ فرزٍ بيولوجيّ وعرقيّ مبني على نقاءِ الدمِ والجينات المفترضة؛ فالقوانين والتشريعات في ظلِّ المنظومة البعثيّة لم تُصغ لحماية الفرد كقيمةٍ حقوقيّةٍ مستقلةٍ، بل كجزء من عصبيّةٍ قوميّةٍ حاكمة تستمدُّ شرعيّتها من الهيمنة ونفي وجودَ الآخرين بالمنطقة. وهذا التوجه حوّل الدساتير الوطنيّة إلى أسلحةٍ إداريّة تُشرعن حرمانَ الشعوب الأصيلة كالكرد من أبسطِ الحقوق الفطريّة والمدنيّة، عبر تحويل التنوع الطبيعيّ إلى مهددٍ دائم للأمن القوميّ يتطلبُ العزل والمحو الصارم لمظاهره اللغويّة والثقافيّة والاجتماعيّة.
في هذا الفضاء المأزوم، يُصبح القانون أداة للهندسة الديمغرافيّة بدلاً من أن يكونَ ضامناً للاستقرار الأهليّ وحاقناً للدماء؛ حيث تجري أتمتة الإقصاء وجعله جزءاً من الوعي الجمعيّ السائد الذي يتلقاه الأفراد عبر التعليم الموجه والإعلام الأمنيّ المفروض. هذا التشويه الممنهج لجوهر الدولة يُسقط شرعيّتها الأخلاقيّة ويحولها إلى واجهة قانونيّة لحماية الامتيازات الفئويّة والسيطرة المطلقة على موارد الأرض وثرواتها الطبيعيّة؛ فالإنسان الذي يُحرم من لغته وثقافته وتاريخ أجداده، ويُطالب في الوقت ذاته بتقديم الولاء المطلق والتضحية بالدم لحماية الكيان الذي ينكره، يعيش حالة من الاغتراب الوجدانيّ القاتل داخل وطنه ومسقط رأسه، ما يجعل مفهوم الشراكة الوطنيّة ساقطاً ضمناً ومفرغاً من أيّ معنى حقيقيّ للعدالة والمساواة الإنسانيّة.
صراع العصبيّة ومأزق الشراكة المشوّهة
ينبع عجز الفكر القوميّ الاستبدادي عن تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية للشعوب الأصيلة الأخرى كالكرد والسريان، من عجزه البنيويّ والتأسيسيّ عن تحقيق الديمقراطيّة والعدل لأبناء جلدته وشعبه العرقيّ نفسه. والتاريخ السياسيّ الحديث والمعاصر للمنطقة محليّاً وإقليميّاً حافلٌ ومثقل بالشواهد والاقتتالات الدامية على السلطة المطلقة داخل المكوّن الواحد، ويتحول فيها القريب والنسيب خصماً لدوداً يجب إقصاؤه وتصفيته لضمانِ استمرار الامتيازات السياسيّة والاقتصاديّة الفئويّة.
يتطابق هذا السلوك الاستبداديّ الساديّ مع مفهوم العصبية وصراع الملك الذي ناقشه وفككه الفيلسوف وعالم الاجتماع ابن خلدون إذ يوثق أنّ “الملك إذا استقرت دولته، وعظم سلطانه، دعاه طبع الملك إلى الاستبداد بالمجد والانفراد به عن أهل عصبيته، فيقصيهم عن المراتب، ويسلبهم نعمة الجاه، بل وربما مد يده إلى هلاكهم وقتلهم، لئلا يكونوا منازعين له في سلطانه، فيكون الأقرب إليه هو الأعدى له، ويجعل الرعية خولاً ومزارع لجبابة الأموال، فتمحو السلطة حينئذ حق الشراكة الفطريّة، فيزول الوفاء ويحل محله الخوف والقهر”.
تتلاقى هذه العصبية التاريخيّة مع مأزق الدولة الوطنيّة الحديثة؛ حيث تُصبح الشراكة الوطنيّة مشوهة، وعرجاء، وناقصة في جوهرها عندما يتحول مفهوم الوطن إلى إطار ضيق لاحتكار الامتيازات والخيرات والسلطة لصالح فئة عرقيّة أو حزبية بعينها، بينما يُترك الجهد، والشقاء، والإنتاج، وبذل الدماء في الحروب لآخرين يتم تصنيفهم دائما في خانة الأدنى أو الطارئين على الجغرافيا، وهو ما حذر منه “جان جاك روسو” في فلسفةِ العقد الاجتماعيّ مؤكداً أنّه “إذا لم يعد للقانون من قوة إلا القهر والترهيب، فإنّ حقَ الشراكة السياسيّة يسقط ضمناً، ولا يبقى في الدولةِ مواطنون بل أسيادٌ وعبيدٌ، وعندما يُجبر الأفرادُ على تبني ثقافةٍ أو لغةٍ ليست لهم لتأمين عيشهم، فإنّ الوطنَ يتحول من حياضٍ مشترك للحقوق إلى أداةِ تملكٍ واحتكارٍ لفئة واحدة، وتفقد السلطة شرعيّتها الأخلاقيّة والوجوديّة”.
تسقط الوطنيّة ببعدها الأخلاقيّ والوجدانيّ والإنسانيّ تماماً وتتحول إلى مجرد واجهةٍ قمعيّةٍ عندما تُقسر الشعوبُ الأصيلة المستقرة على تقمّصِ وتبني لغة وثقافة وتاريخ ليست لهم، ويُجبرون على التنازل عن أسمائهم وإرثهم تحت شعارات “الأمن القوميّ” الجوفاء و”وحدة الصف” المزعومة. والوطنيّة الحقيقيّة في الفلسفة السياسيّة الحديثة هي منظومةٌ قيميّة وأخلاقيّة شاملة تعترف بالآخر كاملاً وتمنحه ذاتِ الحقوق الفطريّة والوجوديّة والدستوريّة التي تبتغيها وتضمنها لنفسك، وبدون هذا الإقرار المتبادل تتحول القوانين والمراسيم والتشكيلات الحكوميّة إلى مجردِ أدواتٍ مموّهة ومشرعنة لممارسة الغلبة العسكريّة، ومصادرة كرامة الإنسان، وتحويل الوطن إلى سجنٍ كبير محاطٍ بالخوف والإنكار المتبادل.
أصالة الحجر مقابل فقر الإمبراطوريات
يتكامل هذا التحليل الفلسفي والسياسيّ مع الشواهد والأدلة الأثريّة الدامغة والراسخة في جوفِ الأرض والتي تسحق تماماً نظرية النقاء القوميّ وأوهام التملك الحصريّ للجغرافيا؛ فمعبد “عين دارة” الأثريّ البازلتيّ العريق، جنوب مدينة عفرين، يقف اليوم بأسوده الشامخة ومنحوتاته البازلتيّة الضخمة وآثاره المعماريّة الفريدة شاهداً حياً لا يقبل التأويل على حضارات العصر الحديدي الممتدة في الألف الأول قبل الميلاد، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً وعضويّاً بحضارات وثقافات أسلاف الكرد الأوائل من الهوريين والميتانيين والميديين. وتظهر اللقى الأثريّة والمنحوتات المعقدة في المعبد تكاملاً هندسيّاً وفنيّاً نابعاً من ثقافة شعوب الجبال والسهول المحيطة بها، حيث تميّز المعبد باستخدام الحجر البازلتيّ الأسود الضخم، ونحت مخلوقات مجنحة شبيهة بتماثيل أبو الهول لحراسة المداخل، وهي رموز دينيّة وفنيّة ترتبط تاريخيّاً بعبادة عشتار وإله الطقس لدى الشعوب الهوريّة، ما ينفي بشكلٍ قاطعٍ وجود أيّ أثر عربيّ أو تركيّ موغل في القدم بتلك الحقبة السحيقة.
يدحض هذا الإرث الماديّ الزعم الشوفينيّ بأنّ جغرافيا المنطقة كانت خالية من السكان أو حكراً على لونٍ واحد؛ بل إنّ أسود البازلت وعتبات المعبد الضخمة تروي قصة استقرار حضاريّ وبشريّ موثق يمتد لآلاف السنين في هذا الحيز الجغرافيّ الحيويّ. وتتلاقى هذه الأصالة مع موقع ومدينة “النبي هوري” شمال عفرين، التي تثبت رموزها ورسوماتها ومدرجها الرومانيّ العريق تعاقب واستقرار هذه الشعوب البشريّة في بيئتها الطبيعيّة لقرون طويلة سبقت ظهور دساتير القرن العشرين وحدوده الهندسيّة الاستعماريّة. ويقطع تمازج الفن المعماريّ والرموز الدينيّة في هذه المواقع الطريقَ على سرديات المحو والتصفير؛ باعتبارها شواهد ماديّة موثّقة تؤكد أنّ الكرد نموا وتطوروا اجتماعيّاً وثقافيّاً كجزء لا يتجزأ من هذه الجغرافيا الممتدة، ولم يتركوا تفاصيل أرضهم ليعودوا إليها كغرباء بل حافظوا على هويتها الوجوديّة عبر تعاقب العصور والإمبراطوريات. اتخذت الحضارة الميتانيّة القديمة، من مدينة “واشوكاني” الأثريّة قرب سري كانيه عاصمةً سياسيّة وحضاريّة لها بين القرنين السادس عشر والثالث عشر قبل الميلاد، ما يؤكّد بالدليل الماديّ القاطع أنّ الوجودَ الكرديّ في هذه السهول والهضاب ليس لجوءاً عابراً، أو تسللاً حديثاً، أو ظاهرةً طارئةً وليدة القرن الماضي؛ بل هو طبقة حضاريّة وتاريخيّة متجذرة في طين هذه الأرض وعمق جغرافيتها الحيويّة. وتتجلى هنا مفارقة تاريخيّة وأثريّة صارخة تصعقُ أدبيات الغزو؛ فالسلطنة العثمانيّة التي حكمت المنطقة طيلة أربعة قرون كاملة حتى مطلع القرن العشرين لم تترك خلفها آثاراً حضاريّة حقيقيّة، تماماً كما أنّ العرب ليس لهم في هذه التخوم الشماليّة آثارٌ يعتدُّ بها كأدلةٍ قطعيّةٍ على أصالة مسبقة.
أليست معجزة ديمغرافيّة أن تترك شعوب ما قبل الميلاد لقى وأوابد بازلتيّة صمدت آلاف السنين، فيما عجز الحكام اللاحقون عن تدوين ملامحهم في إعمار الجغرافيا؟ يفسر هذا الفقر الأثريّ للإمبراطوريات المتعاقبة سر الهستيريا العسكريّة المعاصرة؛ فقد عمدت الطائرات التركيّة إلى قصف معبد عين دارة البازلتيّ، ثم تجريف ونبش عشرات التلال والمواقع التاريخيّة في عفرين وبينها موقع النبي هوري، في محاولة تدميريّة لطمس الأدلة الماديّة القطعيّة التي تفضح زيف سردياتهم، وإعدام الشواهد التي تثبت أنّ الأرض تنطق بلغة أصحابها الأصليين.
هذا التجذر التاريخيّ والأثريّ الراسخ يجعلُ كلَّ محاولاتِ الخطابِ البعثيّ الشوفينيّ لتصوير الكرد كـ”وافدين أو لاجئين” مجرد تزوير ممنهج للحقائق الجغرافيّة والبشريّة، غايته الأساسيّة شرعنة سياسات التجريد والإقصاء ومصادرة الحقوق الفطريّة للإنسان.
الكرد لم يكونوا يوماً عبئاً وافداً على الوطن السوريّ، بل هم عماده الحقيقيّ وسكانه الأصلاء الذين ذادوا عنه بدمائهم وحضارتهم المتراكمة، والممر الإجباريّ والأوحد لإنقاذ المنطقة واستقرارها هو العودة الحقيقيّة والكاملة لرحاب الدولة الدستوريّة التعدديّة المحايدة ثقافيّاً، الدولة الحقوقيّة التي تقف على مسافةٍ واحدةٍ متساوية من جميع الهويات القوميّة واللغويّة، وتُقر للجميع بوجودهم التاريخيّ وحقوقهم الوجوديّة كشركاء فخريين كاملين في ملكيّة الأرض، وتوزيع الثروة، وصناعة القرار الوطنيّ دون أيّ تمييز، أو إقصاء وتهميش.