روناهي/ قامشلو ـ لم تعد العزلة الاجتماعية لدى الشباب مجرد تفضيل للابتعاد عن الآخرين أو قضاء وقت أطول بمفردهم، بل أصبحت ظاهرة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في مجتمع مرّ خلال السنوات الماضية بظروف قاسية تركت آثاراً عميقة على العلاقات الأسرية والاجتماعية وعلى نظرة الشباب إلى المستقبل.
ففي سوريا، لم تتشكل عزلة الشباب في فراغ، بل جاءت في سياق طويل من الحرب والنزوح والتهجير القسري والفقر والبطالة وتراجع فرص التعليم والعمل، إلى جانب الخوف وعدم الاستقرار، وتؤكد اليونيسف، أن سنوات الأزمة أثرت بعمق في النسيج الاجتماعي السوري، وأن الشباب واجهوا تراجعاً في فرص المشاركة الاجتماعية والاقتصادية، فيما أدى النزوح إلى تمزق شبكات العلاقات الاجتماعية التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من حياة الشباب.
شباب بين الرغبة في التواصل والخوف من الواقع
ويعيش الكثير من الشباب اليوم حالة من التناقض، فهم من جهة يبحثون عن الأصدقاء والتواصل والانتماء، ومن جهة أخرى يجدون أنفسهم أمام ظروف تدفعهم إلى الانسحاب. فالشاب الذي لا يجد فرصة عمل، أو الذي اضطر إلى ترك جامعته، أو الذي فقد أصدقاءه بسبب التهجير والهجرة، قد يبدأ تدريجياً بتقليص علاقاته الاجتماعية، ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول الابتعاد المؤقت إلى نمط حياة.
ولا تقتصر المشكلة على الشباب الذين يعيشون بمفردهم، إذ يمكن أن يشعر الإنسان بالوحدة حتى وهو محاط بأفراد أسرته، فالعزلة الاجتماعية لا تعني بالضرورة غياب الآخرين، وإنما قد تعني غياب العلاقات التي تمنح الإنسان الشعور بأنه مسموع ومفهوم وله مكان داخل محيطه. وتشير منظمة الصحة العالمية في تقريرها عن الترابط الاجتماعي الصادر عام 2025 إلى أن العزلة والوحدة منتشرتان على نطاق واسع ولهما آثار خطيرة، وإن كانت غالباً غير مرئية، على الصحة والرفاه والمجتمع.
الحرب والنزوح.. جرح في العلاقات الاجتماعية
وأثرت سنوات الصراع والنزوح في شكل العلاقات الاجتماعية لدى أعداد كبيرة من السوريين، فقد اضطرت عائلات إلى مغادرة مناطقها، وتفرقت أسر، وانقطعت علاقات قديمة، بينما بدأ شباب حياتهم في بيئات جديدة لا يعرفون فيها الأشخاص أو المجتمع المحيط بهم.
وتشير اليونيسف إلى أن النزوح أدى إلى انقطاع أو ضعف النسيج الاجتماعي لدى الشباب، كما أن الشباب النازحين يواجهون صعوبات إضافية في الوصول إلى التعليم وسبل العيش، ما يزيد هشاشتهم الاجتماعية.
وفي السنوات الأخيرة، لم يتوقف النزوح بشكل كامل، إذ تشير اليونيسف إلى أن ملايين الأشخاص ما زالوا نازحين داخل سوريا، رغم عودة أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين إلى مناطقهم أو مناطق أخرى.
وهكذا يجد بعض الشباب أنفسهم أمام علاقات اجتماعية تبدأ من الصفر تقريباً، بعد أن فقدوا البيئة التي اعتادوا عليها.
البطالة.. عزلة تبدأ من فقدان الدور
لا يمكن فصل العزلة الاجتماعية عن الظروف الاقتصادية، فالعمل بالنسبة للشاب لا يعني الحصول على دخل فقط، بل يمنحه أيضاً شعوراً بالاستقلال والمسؤولية والقدرة على بناء علاقات جديدة والشعور بأنه جزء فاعل في المجتمع. لكن؛ غياب فرص العمل يمكن أن يدفع الشاب إلى البقاء لفترات طويلة في المنزل، ويحد من قدرته على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، كما قد يجعله يشعر بأنه غير قادر على تحقيق ما يطمح إليه.
وتشير اليونيسف، إلى أن الآثار الاقتصادية والمؤسساتية للأزمة؛ ساهمت في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وصعّبت انتقالهم من التعليم إلى سوق العمل، كما أظهرت دراسة لليونيسف حول الشباب في سوريا أن الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي حدّ من مشاركة الشباب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، تظهر بيانات البنك الدولي المستندة إلى بيانات منظمة العمل الدولية مؤشراً مخصصاً للشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً، وهو مؤشر هام عند دراسة احتمال الابتعاد عن الحياة التعليمية والمهنية والاجتماعية.
ومن المفارقات أن الشباب الذين يعيشون في عصر لم تعد فيه المسافات عائقاً أمام التواصل، قد يشعرون أحياناً بأنهم أكثر وحدة. فالهاتف ومواقع التواصل الافتراضي توفر مساحة للتفاعل، لكنها لا تعوض دائماً العلاقات الإنسانية المباشرة، وقد يتحول الاستخدام الطويل للشاشات إلى بديل عن اللقاءات الحقيقية، خصوصاً عندما يكون الشاب أصلاً غير قادر أو غير راغب في الخروج والمشاركة في المجتمع.
وتشير وثيقة للشباب مرتبطة بمنظمة الصحة العالمية، إلى أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الافتراضي والمقارنة المستمرة مع حياة الآخرين، يمكن أن يؤثرا سلباً في تقدير الذات، ويزيدا صعوبة طلب الدعم لدى بعض الشباب.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، إذ قد تبدو حياة الشاب على مواقع التواصل مليئة بالأصدقاء والنشاطات، بينما يعيش في الواقع حالة من الوحدة والانفصال عن محيطه.
هل العزلة اختيار أم نتيجة للظروف؟
في بعض الحالات تكون العزلة قراراً شخصياً ومؤقتاً، وقد يحتاج الإنسان إلى بعض الوقت بعيداً عن الآخرين لاستعادة طاقته. لكن؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول العزلة إلى حالة مستمرة، ويبدأ الشاب بالابتعاد عن أصدقائه وأسرته ودراسته وعمله، ويفقد الرغبة في المشاركة في النشاطات التي كان يستمتع بها سابقاً. لذلك، من المهم عدم التعامل مع كل شاب يفضل البقاء بمفرده على أنه يعاني بالضرورة من مشكلة نفسية، بل ينبغي النظر إلى ظروفه كاملة: هل لديه علاقات؟ هل يدرس أو يعمل؟ هل يشارك في المجتمع؟ هل يشعر بأنه يمتلك مستقبلاً؟ وهل لديه شخص يستطيع الحديث معه عند الحاجة؟
الشابات.. عزلة لها أسباب إضافية
وتواجه الشابات في بعض البيئات الاجتماعية قيوداً إضافية تحد من مشاركتهن في الحياة العامة. وتوضح اليونيسف، أن الفتيات المراهقات والشابات يتأثرن بشكل خاص بالعزلة في بعض المناطق نتيجة الأعراف الاجتماعية المحافظة، كما أن مخاوف الأهل المتعلقة بالسلامة قد تحد من قدرة المراهقين على المشاركة في أنشطة خارج المنزل، ووفق اليونيسف، أشارت دراسة إلى أن ثلاثة من كل أربعة مراهقين في سوريا لا يستطيعون المشاركة في أنشطة خارج المنزل بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة لدى ذويهم أو مقدمي الرعاية.
وهذا يعني أن العزلة لدى بعض الشابات قد لا تكون ناتجة عن رغبة شخصية، وإنما عن قيود اجتماعية وأمنية واقتصادية تحد من حركتهن وفرص مشاركتهن.
آثار العزلة على الشباب
ويمكن للعزلة الطويلة أن تؤثر في جوانب متعددة من حياة الشاب، أبرزها:
ـ تراجع الثقة بالنفس.
ـ ضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية.
ـ فقدان الدافع للدراسة أو العمل.
ـ زيادة الشعور بالوحدة والإحباط.
ـ الاعتماد المفرط على العالم الافتراضي.
ـ صعوبة تكوين صداقات وعلاقات جديدة.
ـ الانسحاب من الأنشطة المجتمعية.
ـ تفاقم المشكلات النفسية لدى بعض الأشخاص.
وتحذر منظمة الصحة العالمية، من أن الانفصال الاجتماعي والوحدة يمكن أن تكون لهما آثار جدية على الصحة والرفاه، وتدعو إلى التعامل مع الترابط الاجتماعي باعتباره قضية مجتمعية وصحية تستحق الاهتمام.
جيل كامل يبحث عن مكانه
وتكمن حساسية القضية السورية، في أن نسبة كبيرة من الأطفال والشباب عاشوا سنواتهم الأولى في ظل الحرب. فبحسب اليونيسف، وُلد أكثر من 75% من أطفال سوريا البالغ عددهم نحو 10.5 مليون طفل خلال سنوات الحرب، ما يعني أن أعداداً كبيرة منهم نشأت وسط النزوح والعنف والاضطراب وعدم الاستقرار. وهذا الواقع لا يترك آثاره على حاضر الشباب فقط، بل قد يؤثر أيضاً في قدرتهم على بناء علاقات مستقرة وتكوين أسر والانخراط في سوق العمل والمشاركة في الحياة العامة. ولهذا فإن معالجة العزلة الاجتماعية ليست مسؤولية الشاب وحده، بل تحتاج إلى بيئة تساعده على استعادة دوره ومكانته.
كيف يمكن مواجهة الظاهرة؟
وتبدأ المواجهة من إعادة بناء المساحات التي تجمع الشباب بعيداً عن العزلة، مثل المراكز الثقافية والرياضية، والنوادي الشبابية، والجامعات، والمبادرات التطوعية، والأنشطة الفنية والمجتمعية.
كما أن توفير فرص التعليم والعمل والتدريب يمثل جزءاً أساسياً من الحل، لأن الشاب الذي يمتلك هدفاً يومياً وفرصة لإثبات ذاته يكون أكثر قدرة على بناء علاقات والمشاركة في المجتمع.
وتؤكد اليونيسف، أن تمكين الشباب وإتاحة فرص التعلم واكتساب المهارات والمشاركة بصورة فاعلة في المجتمع من الأولويات الأساسية في المرحلة المقبلة.
ولا يقل دور الأسرة أهمية عن ذلك، فالحوار والاستماع إلى الشباب دون إصدار أحكام مسبقة يمكن أن يساعدا على اكتشاف مشكلاتهم في وقت مبكر. فالعزلة الاجتماعية لدى الشباب في سوريا ليست مجرد جلوس شاب وحيد في غرفته أو قضاء ساعات طويلة أمام شاشة الهاتف، إنها في كثير من الأحيان نتيجة تراكم سنوات من الحرب والنزوح والبطالة والقلق الاقتصادي وتراجع فرص المشاركة.
وراء كل شاب ينسحب من محيطه قصة قد تكون مختلفة: حلم مؤجل، فرصة عمل مفقودة، صديق غاب، عائلة تفرقت، أو مستقبل لم يعد واضحاً. لذلك، فإن إعادة الشباب إلى قلب المجتمع لا تبدأ فقط بدعوتهم إلى الاختلاط بالآخرين، وإنما بمنحهم أسباباً حقيقية للانتماء والمشاركة والأمل، عبر التعليم والعمل والثقافة والرياضة والمساحات الآمنة والحوار، فالشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى الرعاية، بل قوة أساسية في إعادة بناء المجتمع السوري، واستعادة الروابط التي أضعفتها سنوات الأزمة.